الكاظمي يعين محافظا للبنك المركزي العراقي خطوة نحو الإصلاح

الكاظمي يعين محافظا للبنك المركزي العراقي خطوة نحو الإصلاح

 

الباحثة شذى خليل*

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، منذ توليه المنصب وهو يركز على قضايا الاقتصاد جلياً، حيث يضع نصب عينيه أربعة ملفات رئيسة وهي: ضبط المنافذ الحدودية وتفكيك نفوذ الفصائل المسلحة على المنافذ وتدعيم الصناعة المحلية، ومحاربة الفساد بكل اشكاله وفي جميع القطاعات والاهم القطاع المصرفي.
القطاع المصرفي من القطاعات المهمة اذ يعد دعامة أساسية لبناء اقتصاد وطني حر يقوي ويدفع به نحو عملية النمو والاستقرار الاقتصادي.
وكما هو واضح ومعروف لجميع العراقيين بعد نيسان 2003 اصبح الاقتصاد العراقي منهاراً والنظام المصرفي متخلفا من جميع النواحي الإدارية والمالية والخدمية، بسبب الحروب والحصار الاقتصادي وعسكرة الإنتاج، وتورط المصارف الحكومية بعلاقات مالية خارجية وداخلية معقدة ومربكة، إضافة إلى انقطاع العراق ونشاطاته الاقتصادية عن التطورات العالمية في جميع المجالات الفكرية والعلمية والمادية. مما أدى الى ضعف الثقة الدولية بالمصارف العراقية، وضعف دورها في النشاط الاقتصادي العراقي والنشاط التنموي.
ومن جملة المشاكل التي تواجه القطاع المصرفي العراقي
بعد عام 2003 تحوله من الاقتصاد الاشتراكي الى اقتصاد السوق المفتوح الذي أكده الدستور وشرعه الحاكم المدني “بول برايمر” في عام 2004، ويعد المزاد الوحيد في منطقة الشرق الأوسط، وذلك ضمن مساعيه لرفع قيمة الدينار العراقي، وكانت عمليات البيع تبلغ أكثر من 200 مليون دولار في بعض الأحيان، وهذا المبلغ هو عادة من إيرادات النفط العراقي المباع والذي بات واجهة لاستنزاف الدولار من العراق وفرصة لتحقيق أرباح من مال فاسد لصالح جهات سياسية متنفذة تمتلك نفوذاً على مصارف محلية، وهو ملف حساس بكونه نافذة لإخراج العملة الصعبة من البلاد، حيث يعد مرتكزاً للأمن الاقتصادي، لكن الاتهامات ضد هذا المنفذ تجاوزت غسيل الأموال بدواعي التربح، إلا أنه صار واجهة لعمليات مشبوهة أخرى تصل إلى حدود تمويل الجماعات المسلحة( هكذا تهدر أموال العراق ).

وفي دراسات سابقة لمركز الروابط ، أشارت إلى أن البنك المركزي كشف عن مشكلة مهمة في القطاع المصرفي العراقي، وتتمثل بانخفاض الكتلة المصرفية التي من المفترض أن تكون مصرفًا لكل 10 آلاف شخص، فيما أن عدد المصارف في العراق أقل بكثير من ذلك، حيث يوجد مصرف لكل 32 ألف شخص، ما يعني التأخر كثيرًا عن اللحاق بالمعايير الدولية المتبعة.
واكد الخبير المصرفي موفق حسن محمود أن من أسباب تخلف القطاع المصرفي العراقي بهيكليته الحاليّة تعود إلى عوامل كثيرة من بينها الضعف والارتباك في عدد غير قليل من التعليمات التي يصدرها البنك المركزي العراقي بين الحين والآخر، ثم سحبها أو تعديلها بعد أيام من إصدارها، معتبرًا أن الأساليب الرقابية على المصارف لم تواكب تطور البنوك المركزية في الدول المتقدمة ولا حتى في الدول المجاورة.
افتقار النظام المصرفي لقواعد الحوكمة اللازمة لمراقبة أداء مجالس الإدارة، وظهور مجالس إدارة وإدارات مصرفية غير مهنية لا صلة لها ولا خبرة ولا معرفة بالعمل المصرفي، فضلًا عن افتقادها للمؤهلات الاقتصادية اللازمة، وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية عبد الرحمن المشهداني إن “النظام المصرفي لا يمتلك القدرة على استقطاب المودعين والحفاظ على أموالهم، فضلًا عن التعامل الحسن معهم، بما أدى منذ تسعينيات القرن الماضي إلى أن تلجأ جميع الحكومات إلى إيقاف سحوبات المودعين في فترة الأزمات”.

ان تنمية البلاد وأي استثمارات دولية تتطلب نظامًا مصرفيًا مرنًا وله شبكات علاقات مع مختلف المصارف في جميع انحاء العالم.
اليوم وقبل شهر ونصف تقريبا تم تعيين مصطفى غالب مخيف الكتّاب من قبل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي محافظا للبنك المركزي العراقي كخطوة نحو الإصلاح والتنمية لما يعانيه هذا القطاع من فساد وازمات وهدر بأموال الدولة، ويعد مخيف خبيرا ماليا ومصرفيا، فهو حاصل على ماجستير قانون، وشغل الكثير من المناصب منها مدير عام الدائرة القانونية في البنك المركزي العراقي، لدية الكثير من المهام والمناصب والمشاركات في مؤتمرات ولديه عدة كتب وبحوث في اختصاصات شغلها قبل هذا المنصب.

ومع استلام مخيف المنصب اعلن عن جمله إصلاحات تشمل عمليات “اصلاح المصارف الحكومية وتلك الاجراءات تعتمد بالأساس على قانون البنك المركزي رقم (٥٦) لسنة 2004 وقانون المصارف العراقية رقم (٩٤) لسنه 2004 والتعليمات والضوابط الصادرة بموجبهما .
في إطار تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي وتحسين جودة الخدمات المقدمة للجمهور فضلا عن تعزيز التنافسية في القطاع المصرفي العراقي، حيث باشر البنك المركزي العراقي تنفيذ اولى خطواته الإصلاحية للقطاع المصرفي، في تصنيف المصارف التجارية والإسلامية الخاصة العاملة في العراق وفقا لمجموعة من المعايير الدولية فضلا عن عدد من المعايير المعتمدة لدى هذا البنك.
وطلب البنك المركزي من المصارف المتلكئة اكثر من مرة العمل على تصويب أوضاعها وتسديد مستحقات زبائنها، ولذا فان هذا التصنيف سيكون فرصة لتلك المصارف لإثبات جديتها في تحقيق متطلبات الإصلاح وتسديد مستحقات المودعين والمساهمين.

ويرى المراقبون والمتخصصون ان الحكومة العراقية تواجه الكثير من التحديات على جميع الصعد واهمها المالية مثل سداد رواتب الموظفين بسبب تراجع اسعار النفط، بينما تتجه نحو تعظيم الايرادات غير النفطية.
ويؤكد المحافظ ان التراجع في سعر النفط عالميًا والتخفيض الذي شهده الانتاج في العراق استناداً الى اتفاق اوبك أديا الى انخفاض ايرادات النفط الخام وبالتالي تراجع المبالغ من العملة الأجنبية ( الدولار) التي كانت وزارة المالية تقوم ببيعها إلى البنك المركزي العراقي لقاء الدينار العراقي الذي تستخدمه في تمويل نفقاتها محليًا، وان سبب تراجع الاحتياطيات الأجنبية في البنك، هو الزيادة في تمويل الاستيرادات وتراجع العائدات من العملة الأجنبية من وزارة المالية.
وان غالبية الإنفاق الجاري سيتحول الى طلب استهلاكي يمثل في النهاية طلباً على الدولار الأميركي، وبقيام البنك المركزي بتلبية هذا الطلب لتمويل الاستيرادات فإن الاحتياطيات الأجنبية يتوقع أن تشهد تراجعاً يضاف إلى التراجع الناجم عن انخفاض الايرادات النفطية في حال لم تتغير المعطيات الحالية.

ولا شك ان العمل في طريق الإصلاح لم يكن سهلا ويحمل الكثير من المخاطر والتحديات لحكومة الكاظمي والى محافظ البنك المركزي، اذ ان الإصلاحات ومركزية العمل والنظام لا يروق للكثير من الأطراف الفاسدة التي تتلاعب بمقدرات البلد المالية والتي لها نفوذ بمفصال الدولة.
لكن يبقى الامل موجود بإرادة الاصلاء من أبناء العراق ، نحو عراق جديد، وتنمية في جميع المجالات، هذا ويعد بناء هذا القطاع مهم جدا بخطوة صحيحة للإصلاح، على أسس قوية ومتينة وقائمة على التخطيط العلمي واستخدام التقنيات الحديثة، وزاخرة بالكفاءة والخبرة والثقة بالقدرات الوطنية الخلاقة خاصة وان هذا القطاع لهو دور مهم في التنمية والاستثمار.
ومن المؤمل إعداد نظام جديد يكفل الرقابة على الشركات والمؤسسات المالية (غير المصرفية) التي تتعامل بالتحويلات الخارجية لحماية مصالح المواطنين ومكافحة عمليات غسيل الأموال باستخدام أنظمة الرقابة الإلكترونية، وتطوير آليات عملها الحالي وبشكل خاص في جانبي التخطيط والتنفيذ، مع التركيز على المجالات المتعلقة بتدريب وتأهيل الكوادر المصرفية وتشجيع ونشر الثقافة المصرفية وبناء علاقات تعاون وتفاهم مع المنظمات والاتحادات المالية والمصرفية في الدول الاقليمية والاستفادة من تجاربها في مجال الإصلاح والتطوير المصرفي، وتطوير وتحفيز سوق العراق للأوراق المالية وإيجاد الوسائل والأدوات التي تدفع باتجاه رفع أسعار مؤشر السوق والشركات.

ويبقى القطاع المصرفي العراقي يشكل الحلقة التمويلية الاولى والرئيسة للأنشطة الاستثمارية وأن المرحلة الراهنة وبشكل خاص خلال فترة الأربع سنوات المقبلة من عمر الحكومة فتح المجال امام المصارف للعمل بكل يسر ومرونة وفعالية ضمن ضوابط وارشادات البنك المركزي وتنفيذ خطط الإصلاح للمساهمة في دعم الاستثمار لأنها العصب الرئيس لعجلة النمو والتطور والتنمية.

وحدة الدراسات الاقتصادية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية