أبعاد جيواستراتيجية لحقل «شروق»

أبعاد جيواستراتيجية لحقل «شروق»

1515960041441042256

أضاف رئيس شركة «إينى» النفطية الإيطالية، كلوديو ديسكاليزى، أبعادا صناعية وجيواستراتيجية جديدة، لاكتشاف الشركة حقل «شروق» الغازى فى المياه المصرية.

فقال ديسكاليزى فى خطاب له أمام البرلمان الإيطالى، الأسبوع الماضى، إن الاكتشاف يفتح مجالا للتطوير، بحيث تصبح مصر مركزا للصادرات الغازية لأوروبا، من خلال تجميع غازات الحقول الأخرى فى منطقة شرق المتوسط ونقلها فى شبكة واحدة إلى السوق الإيطالية، ومن ثم إيصالها بشبكة الغاز الأوروبية، الأمر الذى سيساعد فى تنويع مصادر الغاز المستورد من قبل أوروبا، وهو هدف أولى لدول المجموعة الاوروبية.

وأضاف رئيس شركة «إينى» ان الحقل سيساهم أيضا فى تلبية احتياجات مصر من الغاز الطبيعى لعقود مقبلة، بالإضافة إلى الحقول الغازية الأخرى المتوفرة لمصر، أكان ذلك من حقول الغاز الحر أو الغاز المصاحب.

أثار اكتشاف حقل «شروق» اهتماما واسعا فى الأوساط البترولية الإقليمية، نظرا لحجمه الكبير، نحو 30 تريليون قدم مكعبة، ولكونه الحقل ذو الاحتياطى الأكبر فى البحر الأبيض المتوسط. وسيساعد الاكتشاف فى استقطاب شركات بترولية أخرى للتنقيب فى المياه المصرية العميقة، كما أنه سيوفر المجال لتحسين شروط عقود الاكتشاف والإنتاج لصالح مصر، أكثر من السابق، لأن اكتشاف «شروق» يعنى توفر حوض كبير فى المياه العميقة المصرية، ممكن أن تجاورها أحواض أخرى.

تم اكتشاف «شروق» فى الوقت المناسب لمصر. فقد ارتفع استهلاك الطاقة فى مصر خلال الفترة 2000 إلى 2012 نحو 5.6 فى المائة، والطلب على الغاز نحو 8.7 فى المائة. والجدير بالذكر، أن الغاز كان يزود أكثر من 50 فى المائة من حاجات مصر فى عام 2012، مقارنة بنحو 35 فى المائة فى عام 2000. رغم ازدياد إنتاج الغاز المصرى، إلا أن الأرقام كانت واضحة، وهى أن الطلب على الغاز فى مصر، بالذات للمصانع والكهرباء والمساكن، ناهيك عن مشاريع التصدير، سيزيد عن الإمدادات المتوفرة. وبالفعل تغيرت الصورة جذريا فى عام 2015، حيث تحول المشهد الغازى فى مصر إلى مشهد سلبى، فبدلا من تصدير الغاز، أخذت مصر تستورده بالذات من إسرائيل. من ثم، فإن اكتشاف «شروق» سيساعد فى إغلاق هذه الفجوة، بعد أن يتم تطوير الحقل بنهاية هذا العقد، بالإضافة إلى اكتشافات أخرى محتملة فى المياه العميقة نتيجة زيادة العمل هناك.

•••

تطرقت كلمة ديسكاليزى إلى البرلمان الإيطالى نحو الجوانب الإقليمية للمشروع، وكيفية استخدام «شروق» قاعدة لتنمية صناعة الغاز المصرية، أو مركزا لتجميع الغازات من حقول شرق المتوسط، وتصديرها لأوروبا. إن طموحات المشروع المقترح واسعة، إذ تعطى لمصر دورا إقليميا مهما فى كل من جنوب وشمال البحر الأبيض المتوسط. والإطار العام للاقتراح هو تجميع غازات الحقول المجاورة فى قبرص وليبيا ومصر التى تديرها «إينى»، مع غاز «شروق» المخصص للتصدير، فى منظومة مشتركة. فبعض الحقول التى تديرها «إينى» ذات احتياطات غازية محدودة نسبيا «كما هو الأمر فى الاكتشاف القبرصى»، مما يعنى أنها تفقد الجدوى الاقتصادية لتصدير الغاز منها فقط، نظرا للتكاليف الباهظة. وهناك حقلان منتجان للغاز تديرهما «إينى» فى المياه الليبية، ممكن ربطهما بخط الأنابيب المزمع تشييده عبر المتوسط. ونوه رئيس شركة «إينى» إلى إمكانية الاتفاق مع شركات بترولية أخرى ذات اكتشافات فى المنطقة المجاورة، ذات احتياطات محدودة مما يجعل من الصعب تصدير الغاز منها اقتصاديا لوحدها فقط. إن الهدف من هذا المشروع المقترح هو تحسين اقتصادات تصدير الغاز من شرق المتوسط، بالذات من الحقول الصغيرة المجاورة لحقل «شروق»، أكانت لشركة «إينى» أو لغيرها من الشركات، من أجل تزويد أوروبا بإمدادات غازية. من الطبيعى، أن مشروعا طموحا بهذا الحجم سيتطلب سنوات عدة لتنفيذه، نظرا إلى التحديات الفنية التى تواجهه وبالذات تشييد الخطوط تحت مياه البحر الأبيض العميقة. والجدير بالذكر، أن الجزائر تصدر الغاز منذ منتصف عقد الثمانينات من خلال خط أنابيب يمتد من الساحل التونسى إلى إيطاليا، ناهيك عن الاتفاقات التجارية ما بين الشركات المتعددة، وموافقات الدول المعنية. لكن يشير التفكير فى المشروع إلى أهمية «شروق» الهيدروكربونية وأبعاده الجيواستراتيجية الممكنة.

أدى اكتشاف «شروق» أيضا إلى تغييرات مهمة فى صناعة الغاز الإسرائيلية. فقد اعتمدت إسرائيل على تطوير حقل «ليفايثان» للتصدير إلى كل من مصر والأردن، وأيضا أن يصبح «ليفايثان» الحقل المزود الأساس للسوق الإسرائيلية نفسها. وبما أن حقل «ليفايثان» يكلف أكثر من ستة مليار دولار للمرحلة الاولى للتطوير، اعتمد الكونسورتيوم المسئول عن التطوير على الاقتراض من المصارف الدولية لسد عجز السيولة المالية التى يعانيها. وكان الضمان المقرر لهذه القروض هو عقود التصدير إلى كل من مصر وشركة الكهرباء الأردنية. لكن نتيجة لخلافات داخل المؤسسات الحكومية الإسرائيلية خلال النصف الأول من هذا العام حول هوية ملكية الحقل، ألغت كلا من مصر والأردن مذكرات التفاهم حول استيراد الغاز من «ليفايثان». كما أن اكتشاف «شروق» قد وفر مصدرا غازيا لمصر يعوضها عن الاستيراد. لكن يبقى هناك قرار شركة الكهرباء الأردنية. وبالفعل، استطاعت الأردن استيراد الغاز القطرى من خلال شركة «شل» خلال هذه الفترة. لكن لا تزال هناك مفاوضات للاتفاق ثانية.

•••

ان انسحاب كل من مصر والأردن من التزود بإمدادات «ليفايثان» سيعرقل ويؤخر تطوير صناعة الغاز الإسرائيلية. ومن المتوقع أن تتجه إسرائيل والكونسورتيوم البترولى المسئول عن تطوير «ليفايثان» إلى تركيا لدفعها لاستيراد الغاز الإسرائيلى، بدلا عن مصر والاردن. لكن ستأخذ المفاوضات وقتا طويلا، مما سيعنى بدوره تأخر تطوير الحقل، كما أن تركيا تستورد الغاز من كل من روسيا وأذربيجان وإيران والجزائر. وليس من الواضح أنها بحاجة إلى إمدادات إضافية، إلا إذا توفرت هناك أسبابا سياسية للاتفاق.

 وليد خدوري
صحيفة الشروق المصرية