ارتباك سوداني حول القاعدة الروسية يعمق جراح السلطة الانتقالية

ارتباك سوداني حول القاعدة الروسية يعمق جراح السلطة الانتقالية

يعكس الصمت السوداني الرسمي والنفي الروسي لإلغاء أو تعليق اتفاقية تعاون عسكري مع الخرطوم لإنشاء مركز إمداد بحري حجم الارتباك المحيط بدوائر السلطة في السودان حول تطوير العلاقات مع موسكو ومخاوفها من تأثيرات مباشرة على العلاقة مع الولايات المتحدة.

الخرطوم – انعكس التباين بين أطراف السلطة الانتقالية في السودان على الموقف الرسمي من التعاون العسكري مع موسكو، ولم يصدر مجلس السيادة قرارا رسميا بوقف مشروع بناء قاعدة “فلامنغو” في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، بعد أن تسربت معلومات لوسائل إعلام قالت إن الخرطوم اتخذت قرارا بالإلغاء.

ونفت السفارة الروسية بالخرطوم الخميس صحة الأنباء الواردة بشأن تعليق أو إلغاء الاتفاق المبرم بين البلدين لإنشاء مركز لإمداد الأسطول الروسي بالسودان، وفقا لاتفاقية جرى توقيعها خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير.

ويوحي الارتباك بأن السودان لم يحسم موقفه النهائي من مسألة التعاون العسكري مع روسيا، لكن التصريحات التي أدلى بها مسؤولون عسكريون، غير معروفة أسمائهم، الأربعاء أشارت إلى عدم إجازة اتفاقات عسكرية إلا من خلال المجلس التشريعي، والذي يواجه تعقيدات سياسية عديدة بسبب الخلافات على توزيع المقاعد بين القوى المختلفة، ما يجعل الاتفاقية العسكرية مع روسيا سارية.

ولفت أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم أبوالقاسم إبراهيم آدم إلى أن السودان “اتخذ قرارا بالفعل بوقف استكمال بناء القاعدة الروسية بفعل ضغوط عديدة تعرضت لها السلطة الانتقالية من جانب الولايات المتحدة، وأن مجلس السيادة رفض إعلان ذلك رسميا، تحسبا لأي مواقف روسية تصعيدية”.

أبوالقاسم إبراهيم آدم: رفض السيادة الإعلان رسميا تحسبا لمواقف روسية تصعيدية

وشدد في تصريح لـ”العرب” على أن السودان أصبح جزءا من منظومة التأمين الجديدة في البحر الأحمر التي تقودها واشنطن ودول الخليج ومصر، وليس متاحا الخروج من تلك المنظومة في الوقت الحالي، خاصة أن الاتجاه القوي داخل السلطة الانتقالية ينحو تجاه التخلي عن الاتفاقيات التي وقعها نظام البشير ولم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن، والأمر يطال اتفاقيات وتفاهمات جرت مع كل من الصين وتركيا.

وأصبحت الإحالة إلى المجلس التشريعي بابا لهروب بعض أطراف السلطة الانتقالية من فتح ملفات شائكة، حال فشلت مكوناتها في التوافق على التعامل مع أزمة حادة بعينها، ويعد الترحيل عملية سياسية لتجنب الدخول في صدام مباشر.

وتكرر الأمر من قبل مع إسرائيل قبل أن يحسم الطرفان موقفيهما من تطبيع العلاقات معها وإلغاء قانون مقاطعتها مؤخرا، وهي الخطوة التي أوحت بالتوافق بين المكونين العسكري والمدني على أهمية تطوير العلاقات مع إسرائيل.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مسؤول سوداني رفيع المستوى الأربعاء أن بلاده قررت تجميد اتفاق إنشاء القاعدة البحرية الروسية التي وقّعتها موسكو مع البشير، لافتا إلى أن التوافد الروسي إلى القاعدة العسكرية المقترحة (فلامينغو) سيتوقف إلى حين إجازة الاتفاق من البرلمان الانتقالي.

وورد في بيان للسفارة الروسية بالخرطوم أن “هذه المعلومات لا صحة لها، وأنها لم تتلق أي إبلاغ من الطرف السوداني بشأن الاتفاقية، ومن المفترض أن تدخل حيز التنفيذ بعد المصادقة عليها من برلماني البلدين، الأمر الذي لم يحدث إلى الآن”.

ويرى مراقبون أن التصريح السوداني قد يلحق أضرارا بالغة بالعلاقات مع روسيا، ويرسخ انطباعات حول انقسام السلطة الانتقالية على نفسها، ويقلل من أهمية التحركات التي تقوم بها حيال أي جهة إقليمية أو دولية.

وأعلنت روسيا في ديسمبر الماضي عزمها إقامة قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية قرب ميناء بورتسودان، قادرة على استيعاب 300 عسكري ومدني واستقبال سفن حربية تعمل بالطاقة النووية.

ويميل المكون العسكري في السلطة إلى تطوير العلاقات مع روسيا لإحداث توازن مع الولايات المتحدة وعدم رهن القرار السوداني بها، بينما تقوم رؤية المكون المدني على أن المصلحة في إقامة علاقات وطيدة مع واشنطن التي فتحت أبواب التعاون الاقتصادي للسودان مع المجتمع الدولي بقرار شطبه من لائحة الدول الراعية للإرهاب، وأن تصاعد النفوذ الروسي يُدخل البلاد دوامة اللعب الخطر على المحاور.

وتعتقد قوى مدنية أن هناك ضمانة أميركية لعدم الارتداد على الثورة ومكتسباتها عقب إجازة قانون الانتقال الديمقراطي الذي يضمن عدم تمكين الجيش من الانقلاب، وهو ما يتعامل معه الأخير بحذر، خوفا من تقليص نفوذه السياسي في السلطة.

وأشار المحلل السياسي السوداني شوقي عبدالعظيم إلى وجود تردد في القبول بالاتفاقية الموقعة بين موسكو ونظام البشير، وهو ما يظهر من خلال عدم قطع مجلس السيادة بالأمر حتى الآن، بما يشي بأن هناك مشكلة داخل دوائر السلطة تجعل التعامل مع ملف القاعدة الروسية يظهر في صورة مشوشة.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن موسكو في المقابل حريصة على استمرار الاتفاق وتبعث برسائل مفادها أنها لا تشغلها التصريحات الأخيرة التي صدرت على لسان مسؤولين لم يعلنوا عن أسمائهم، وهي مستمرة في التمسك بالاتفاق الذي وقعته.

ويُجمع سياسيون على أن الموقف الحالي لا يمكن تجريده من صراع المصالح الدولية، لكن كفة القوى المدنية وبعض العسكريين تنحاز إلى الولايات المتحدة باعتبارها تقوم بدور مهم في إسقاط ديون البلاد، بينما لم تقدم روسيا ما يدفع للتمسك بالاتفاق معها.

وقال مصدر مقرب من المكون العسكري في السودان لـ”العرب”، إن التحديات الإقليمية المحيطة بالسودان في أكثر من بؤرة، وفي اتجاهات متعددة شرقية وغربية، تفرض على السلطة الانتقالية التريث وعدم قطع الطريق مع روسيا.

وذكر المصدر نفسه أن خروج بعض الأزمات عن إطارها الأفريقي إلى الدولي، وعلى رأسها أزمة سد النهضة، يجعل الخرطوم مضطرة لموازنة علاقاتها وليس الانحياز الكامل لطرف واحد، وإدارة الدولة لمصالحها الحيوية تفرض تبني تكتيكات وليس إستراتيجيات في هذه المرحلة.

وتحاول بعض الأطراف في السلطة الانتقالية سد الفوارق الظاهرة بين المكونين المدني والعسكري قبل انعقاد مؤتمر باريس للاستثمار الشهر المقبل، حيث عمدت فرنسا دعوة السلطة بشقيها، وسيقود الوفد كل من رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك.

العرب