غزوة بايدن .. الفرص والمخاطر

غزوة بايدن .. الفرص والمخاطر

شكّل شعار “أميركا عادت” رافعة للرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، في حواراته الأوروبية والأطلسية، إذ تحت هذا الشعار، دعا حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، والحلفاء الجدد (الهند)، إلى الانضمام إلى غزواته المقبلة ضد الأنظمة السلطوية في جميع أنحاء العالم، وخصوصا ضد النظام الصيني، وإلى الانخراط في عمليات جيوسياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية للجم التمدّد الصيني، والتصدّي لخططه للهيمنة والسيطرة عبر تطويره قدراته العسكرية والتقنية والذكاء الاصطناعي وتعزيزها، وربطه الدول باستثماراته الضخمة في مشروع الحزام والطريق وبناه التحتية، الطرق والجسور وسكك الحديد والموانئ، التي تسهّل وصول منتجاته الصناعية إلى أسواق بعيدة، وتحقق له نفوذاً راسخاً عبر إغراق الدول المنخرطة في المشروع بديون ثقيلة ومقيدة.

نجح الرئيس الأميركي في حشد دول مجموعة السبع وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي ضد الصين، فقد اعتبرها قادة دول الحلف العتيد “خطراً يهدّد العالم”؛ وتبنّوا المقاربة الأميركية بإعطاء المواجهة معها أولويةً على قاعدة “التركيز على إدارة المخاطر الأكثر إلحاحاً” وتجميد الملفات الأخرى مرحلياً، ومواجهة مشروعها الرئيس، الحزام والطريق، بتوفير بدائل لدول وسط آسيا بتنفيذ مشاريع بنى تحتية فيها تحرّرها من الخيار الصيني وتبعاته الاقتصادية: الغرق بالمديونية، والإعلان عن توزيع مليار جرعة من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، في سياق دبلوماسية اللقاحات، لاحتواء توظيف الصين هذا التكتيك والتفوق عليها.

تبقى روسيا بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في “الناتو” صاحبة مشروع سياسي وقيمي مناهض لليبرالية والديمقراطية اللتين يتبنّاهما التحالف الغربي

في سياق إحكام الطوق حول الصين، تبنّى الرئيس الأميركي مقاربةً مرنةً مع روسيا في قضايا استراتيجية؛ الحدّ من التسلح وتكريس استقرار استراتيجي، ليمنحها فرصة تجنّب سباق تسلح باهظ التكلفة مقابل الابتعاد عن الصين… مقايضة مغرية في ضوء اقتصادها الهشّ، والحاجة إلى طمأنة الشعب الروسي المتطلع إلى تحسين ظروف عيشه وتحسين خدماته الضاغطة، عشية الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2024. وركّز بايدن على تحديد خطوط حمر تريح الطرفين في قضايا الحرب السيبرانية وعسكرة القطب الشمالي والتدخل في الشؤون الداخلية، وخفّف من معارضة الولايات المتحدة التعاون الروسي الأوروبي في مجال الطاقة، ومدّ خط أنابيب غاز سيل الشمال عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا. لكنّه تشدّد في قضايا جيوسياسية؛ أوكرانيا وجزيرة القرم، وقد كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد هدّد بمحو أوكرانيا إذا اقترب حلف الناتو منها. وحدّد بايدن نطاق الحديث في الملف السوري بمناقشة ملف المعابر الإنسانية وإدخال المساعدات الأممية عبر الحدود، للتعبير عن عدم استعداده لتوسيع التعاون مع روسيا في سورية خارج الجدول الزمني لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، واستمرار التنسيق العسكري لتفادي التصادم خلال العمليات فيها. وكانت روسيا قد مهدت لقمة بوتين – بايدن في جنيف (16 يونيو/ حزيران الحالي) بتصعيد موقفها إزاء المعابر الإنسانية، ولوّحت باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، عند مناقشة تمديد القرار 2533 الخاص بالمعابر الإنسانية في يوليو/ تموز المقبل؛ على أمل استدراج عروضٍ في الملف السوري بشأن عودة اللاجئين وإعادة الإعمار وتخفيف بعض بنود “قانون قيصر” لكن من دون طائل، كما أبقى سيف القيم الغربية؛ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وملفات تسميم وقتل معارضين، مشهراً في وجهها، تكريساً للبعد القيمي الأخلاقي الذي حشد حوله في قمم مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي معياراً لمواجهة الأنظمة التسلطية، بما في ذلك روسيا.

لم تنجح قمة الرئيسين، الروسي والأميركي، في تفكيك القضايا المعقدة وحلّ الخلافات العميقة في مجالات عسكرية وأمنية واقتصادية

لم تنجح قمة الرئيسين، الروسي والأميركي، في جنيف، في تفكيك القضايا المعقدة وحلّ الخلافات العميقة في مجالات عسكرية وأمنية واقتصادية، في ضوء نظرة كلّ من الدولتين إلى الأخرى، فروسيا بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في “الناتو” صاحبة مشروع سياسي وقيمي مناهض لليبرالية والديمقراطية اللتين يتبنّاهما التحالف الغربي، وكان الرئيس الروسي، بوتين، أعلن أنّ “الديمقراطية قد عفا عليها الزمان”. ورفع من تحدياته، عبر تحديث قدراته النووية وتعزيز تحالفاته العسكرية والأمنية؛ عكستها إعلانات بوتين المتكرّرة عن إنجازات المجمع الصناعي العسكري الكبيرة، والمتفوقة في مجالات الصواريخ النووية والطوربيدات البحرية ودفاعاته الصاروخية والأسلحة التقليدية. وزاد من خطورة تحدّياته تعاونه العسكري مع الصين، وتنسيقه السياسي معها. في حين تعتبر روسيا الولايات المتحدة خطراً وجودياً. في خلفية الموقف الروسي ما قاله الوزير الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر: “روسيا كبيرة لذا فهي خطيرة”، وتحوّله إلى خطة أميركية جسّدها تمدّد حلف شمال الأطلسي المتواتر نحو حدودها الغربية، ونشر الدرع الصاروخية في دول أوروبا الشرقية، والتدخل في الشؤون الداخلية عبر دعم منظمات المجتمع المدني الروسي، وفتح ملفات الفساد وفضح الشخصيات المقرّبة من بوتين التي نهبت الثروة الوطنية. وقد زاد في حساسية الموقف الروسي وهواجسه في القمة تنصيب الرئيس الأميركي نفسه قائداً للمعسكر الغربي؛ وترحيب جميع القادة الأوروبيين بعودة الولايات المتحدة إلى حلفائها؛ وتأييدهم موقفه المعادي من روسيا ومن الصين، ما يعني عودة الاصطفاف ضمن أحلافٍ، وتهديد فرص روسيا في استثمار التباينات السياسية والاقتصادية بين دول التحالف الغربي وتحقيق مكاسب من علاقاتٍ إيجابيةٍ نجحت في بنائها مع بعض دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى محسوبة على حلفاء الولايات المتحدة.

تحتاج الولايات المتحدة إلى العودة للاستقرار الاستراتيجي مع روسيا التي استعادت قوتها، للتفرّغ لمواجهة الصين

لذا لم يكن من السهولة أن تقبل روسيا محاولة الإدارة الأميركية دفعها إلى الابتعاد عن الصين، على الرغم من الدلالة التي ينطوي عليها عرض الأخيرة تشكيل لجان للتفاوض بشأن التسلح والاستقرار الاستراتيجي، باعتباره من أشكال الثنائية القطبية بين الدولتين النوويتين الأكبر في العالم، وما فيه من اعترافٍ بالمكانة الدولية لروسيا، الهدف العزيز على قلب بوتين، ليس لأنّها هي والصين في تفاهم تام، واتفاق استراتيجي راسخ، بل لأنّ ابتعادها عن الصين سيضعفها ويضعها في مواجهة التحالف الغربي من دون حليف وازن، ما يحدّ من فرصها في تحقيق أهدافها في ملفاتٍ معلقةٍ معه، من جهة. وسيفتح، من جهة ثانية، الطريق لقيام نظام ثنائي القطبية من الولايات المتحدة والصين، يضعفها ويهمشها أكثر، فالإبقاء على التعاون مع الصين، خصوصاً في مجال الأسلحة، حيث تتقدّم على الصين، يعزّز موقف الصين في مواجهة الولايات المتحدة، ويزيد من قدرتها على بسط نفوذها في الجوار، بما في ذلك استرجاع تايوان، ما يقطع الطريق على تفاهم أميركي صيني على حسابها، فالضغوط الأميركية على روسيا للابتعاد عن الصين فيها كثير من سوء التقدير، لأنّها تأتي مع إعلاناتٍ عن اعتبارها عدوة وخطرة؛ ما يقود إلى دفعها إلى الالتحام أكثر بالصين، لمواجهة عدو مشترك وتحقيق توازن، إن لم يكن تفوقاً، في التنافس معه. وقد سبق لروسيا التعبير عن ذلك، حين رفضت دعوة الولايات المتحدة إلى إلزام الصين بالاتفاقات والمعاهدات النووية بينهما؛ الصين دعتهما إلى تقليص عدد الرؤوس النووية لديهما، حيث الفارق بين ما تملكه هي وما تملكه روسيا والولايات المتحدة كبير جداً، 200 رأس، مقابل 6850 و6450 لدى الدولتين على التوالي، مع علمها أنّ استمرار التعاون مع الصين وتطويره سينعكس سلباً على أيّ تسوياتٍ في الملفات الدفاعية مع التحالف الغربي، وسيزيد الضغوط الغربية عليها.

تحتاج الولايات المتحدة إلى العودة للاستقرار الاستراتيجي مع روسيا التي استعادت قوتها، للتفرغ لمواجهة الصين، وهذا لن يتم من دون اتفاقاتٍ وترتيباتٍ مرضية للطرف الروسي، خصوصاً أنّها قد بلورت قواسم مشتركة مع الصين، مهمة لتحركها السياسي والاستراتيجي؛ ما يستدعي رفع الثمن المطلوب للتخلي عنها. وهذا إذا تم يثير مشكلاتٍ مع دول أوروبية حليفة، الشرقية ودول البلطيق بخاصة، تتوجّس من روسيا، وتعتبر التقارب الأميركي معها مضرّا بأمنها ومصالحها، لأنّه يحدّ من فرص استثمار الخلاف والمواجهة بينهما، ببسط الولايات المتحدة حمايتها عليها من ضغوط روسية قائمة ومتوقعة، ما يستدعي حصر مجال التنازل لها جغرافياً ونوعياً، والإبقاء على الضغوط مسلطةً عليها لتقييد قدرتها على إلحاق الأذى بالدول الحليفة، ودفعها إلى تعديل سلوكها الدولي.

علي العبدالله

العربي الجديد