الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يغير الحرب في أفغانستان

الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يغير الحرب في أفغانستان

لو أن أسامة بن لادن قُتل أو أُلقي القبض عليه في كانون الأول (ديسمبر) 2001، لكانت العدالة قد تحققت بالطريقة التي يحبها الأميركيون: سريعة، قاسية، ورخيصة الكلفة. ولكان مبرر إطالة أمد الحرب في أفغانستان قد انتهى.
* * *
لو أن الولايات المتحدة تمكنت من إلقاء القبض على أسامة بن لادن وقتلته في كانون الأول (ديسمبر) 2001، لكان الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان قد تراجع بعد ذلك مباشرة تقريبًا. ولا أستطيع إثبات ذلك، بطبيعة الحال. إنه مجرد رأي من وجهة نظري كأحد كُتاب خطابات الرئيس جورج دبليو بوش في العامين 2001 و2002.
ومع ذلك، فإنني أؤمن به بشدة. لقد بقيت الولايات المتحدة في أفغانستان لمدة 20 عامًا لأن بوش في البداية، ثم خلفاءه من بعده، أصبحوا عالقين في نمط من الرد على الإخفاقات السابقة من خلال مضاعفة الجهود المستقبلية. في خريف العام 2001، كانت مهمة الولايات المتحدة في أفغانستان واضحة ومحدودة وقابلة للتحقيق: العثور على بن لادن وقتله. وبعد هروب بن لادن، تصاعدت تلك المهمة وتحولت إلى شيء ضبابي وصعب بطريقة مستحيلة: إعادة بناء المجتمع الأفغاني وإعادة تشكيل الدولة الأفغانية.
لو نجحت القوات الأميركية ضد بن لادن في العام 2001، لكان من الممكن تحقيق العدالة بالطريقة التي يحبها الأميركيون: سريعة، قاسية، وبكلفة رخيصة. وكان الجمهوريون ليتمكنوا من خوض حملة انتخابية في انتخابات العام 2002 كفائزين في حرب مكتملة -ثم يتحولوا إلى التركيز على الاهتمامات المحلية. ولكن، ينبغي تذكُّر أنه إذا كان جورج دبليو بوش قد تعلم درساً من رئاسة والده، فقد كان أنه حتى أكثر النجاحات العسكرية الساحقة لا تُترجم إلى إعادة انتخاب بالضرورة. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1992، حصل بوش الأب على نسبة 37 في المائة من الأصوات ضد مرشح ديمقراطي كان قد عارض حرب الخليج المنتصرة.
قضت نجاة بن لادن وبقاؤه على قيد الحياة على أي فكرة تتعلق بإعادة التمحور والعودة إلى التركيز على مواطن الاهتمام المحلية. ومن دون تحقيق مقتل بن لادن أو القبض عليه كشيء يمكن عرضه، بدت فكرة الإطاحة السريعة بحكومة طالبان بمثابة جائزة ترضية معقولة إلى حد كبير.
وهكذا، فتح الطريق أمام حرب العراق.
أقول، مرة أخرى، إن هذا مجرد رأي رجل واحد فقط، لكنني لا أعتقد أن بوش كان قد التزم بعد بخوض حرب برية ضد صدام حسين عندما ألقى خطابه “محور الشر” في كانون الثاني (يناير) من العام 2002. وقد حدد ذلك الخطاب إمكانات أسلحة العراق على أنها شيء خطير ومميت. تهديد أمني. وقال بوش الشيء نفسه عن إمكانات الأسلحة لدى إيران وكوريا الشمالية، ولم تكن لدى بوش أي نية لمحاربة أي منهما. كانت هناك، وما تزال، العديد من الطرق لمعالجة الأسلحة المحتمل وجودها لدى الدول بغير الحرب البرية، سواء كان ذلك بالعقوبات، أو التخريب أو الضربات الجوية.
ولكن، في العام الذي أعقب ذلك الخطاب، تشكل القرار بشن الحرب. كان لا بد من عمل شيء ضد الإرهاب الإسلامي الذي ليس أفغانستان؛ وأصبحت حرب العراق ذلك الشيء. وأدى صدع غريب في الولايات المتحدة إلى انقسام النخبة في السياسة الخارجية الأميركية. كانت الشخصيات البارزة في إدارة بوش -نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد- تتمنى بشدة الهروب من أفغانستان. وكانت هذه الرغبة في جزء منها بسبب تصميمهما على القضاء على صدام حسين، لكنها كانت أيضًا تفضيلًا سياسيًا في حد ذاتها. (مهما كانت قيمة ذلك قليلة، كان هذا هو ما شعرت به أنا شخصيًا في ذلك الوقت: مهما كانت الأضداد شديدة ضد مستقبل مستقر للعراق، فإن ذلك البلد المتحضر والمتعلم كان أرضًا أكثر وعداً للأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة من أفغانستان الميؤوس منها).
عمل المنطق الذي دفع بوش نحو العراق على دفع خصومه الديمقراطيين، بشكل عكسي، إلى التعمق أكثر فأكثر في أفغانستان. وأنا أشك في أن جون كيري أو باراك أوباما كانا سيختاران بشكل مستقل خوض حرب برية في أفغانستان كمشروع منطقي ومناسب في السياسة الخارجية. ولكن، بعد أن وصفا العراق بالحرب الخاطئة في المكان الخطأ ضد العدو الخطأ، دفعا نفسيهما إلى تحديد أفغانستان على أنها الحرب الصحيحة في المكان المناسب وضد العدو المناسب.
أصبح المطالبة بالمزيد والمزيد من أجل أفغانستان جزءاً من عقيدة الحزب الديمقراطي. وهكذا، حث برنامج الحزب الديمقراطي في العام 2004 على ما يلي: “يجب علينا توسيع قوات الناتو خارج كابول. يجب أن نسرع في تدريب الجيش والشرطة الأفغانيين. يجب التعجيل ببرنامج نزع سلاح ميليشيات أمراء الحرب وإعادة دمجها في المجتمع وتوسيع نطاقه ليصبح استراتيجية سائدة. سوف نهاجم تجارة الأفيون المتفجرة التي تجاهلتها إدارة بوش من خلال مضاعفة مساعدتنا لمكافحة المخدرات لحكومة كرزاي وتنشيط البرنامج الإقليمي لمكافحة المخدرات”.
وبالمثل، التزم حلفاء أميركا المتشككون في سياسة العراق أكثر فأكثر بأفغانستان. وفي كانون الثاني (يناير) 2002، تعهدوا بتقديم 4.5 مبلغ متواضع نسبياً، هو مليار دولار، على مدى خمس سنوات لإعادة إعمار أفغانستان، أي أقل بقليل من مليار دولار في السنة. وبحلول العام 2004، ضاعفوا هذا المعدل للإنفاق السنوي إلى 7 مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات.
بل إن باراك أوباما كان أكثر معارضة لحرب العراق من جون كيري -ولذلك دفعه منطق “افعل شيئًا ما” لأن يكون حتى أكثر تأييداً لحرب أفغانستان مما كان كيري. وفي شباط (فبراير) 2009، وافق الرئيس أوباما على زيادة قدرها 17.000 جندي أميركي إضافي في أفغانستان. وطلب 30 ألفاً إضافيين في كانون الأول (ديسمبر). تم نشر ما يقرب من 65.000 من أفراد الخدمة الأميركيين في ذلك البلد بحلول نهاية فترة ولايته الأولى.
ما الذي كانت تلك القوات في أفغانستان ستفعله؟ أصبح من الصعب معرفة هذا الدور بالتدريج. كان الشريك الأهم لأميركا في أفغانستان هو باكستان المجاورة. ومن دون بعض التعاون من باكستان، ما كان يمكن للعمليات العسكرية داخل أفغانستان أن تستمر. ومع ذلك، كانت باكستان في الوقت نفسه العدو الأكثر فتكاً والأكثر عناداً أمام الجهود الأميركية في أفغانستان -كانت الراعي النهائي لطالبان التي تقاتل الولايات المتحدة ضدها. وعندما قُتل بن لادن أخيرًا، فقد قُتل في باكستان، حيث كان أحد ما يخفيه على مدى سنوات.
في العام 2001، كان يمكن لموت بن لادن أن ينهي الحرب. وبحلول العام 2011، لم ينهِ موته أي شيء.
مثل الرئيس أوباما، بدأ الرئيس ترامب إدارته بنشر المزيد من القوات في أفغانستان. وبحلول نهاية ولايته الأولى، كان ترامب يبحث عن مخرج من هناك بأي ثمن تقريبًا. وكان الثمن الذي دفعه هو عقد صفقة مع طالبان: الانسحاب الأميركي النهائي من أفغانستان بعد انتخابات 2020 مقابل التزام طالبان بعدم إلحاق خسائر بالأميركيين قبل انتخابات 2020. وبعد ذلك، جمع ترامب مصالحه السياسية -تفاخره بإنهاء “الحرب التي لا نهاية لها” على الأقل- ومضى تاركاً معضلة قبيحة لخليفته: التراجع عن صفقة ترامب وإعادة إطلاق حرب اشتباك؟ أو التمسك بصفقة ترامب، والقبول بانهيار حكومة كابول، والمعاناة من استغلال مؤيدي ترامب الشرس للحدث ومهاجمته بسبب مواصلة سياسة ترامب نفسها؟
سوف يكون ما يأتي بعد ذلك في أفغانستان مروعًا ومخيفًا. وما يمكن للولايات المتحدة أن تخففه، يجب عليها أن تخففه، خاصة من خلال مساعدة أولئك الذين ساعدوا القوات الأميركية والمجتمع الدولي. ولكن، في الحسابات الباردة لسلطة الدولة، من المرجح أن يكون التأثير على الولايات المتحدة أقل بكثير مما ينتظره الكثيرون الآن بتوقُّع وقلق. لقد حطمت الولايات المتحدة القوة العسكرية لتنظيم القاعدة أولاً، ثم “داعش”. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن التطرف الإسلامي يتراجع في الشرق الأوسط العربي وشمال إفريقيا. وكان بن لادن قد ذهب إلى أفغانستان باعتبارها ملاذاً آمناً للقتال من أجل السيطرة على الدولة السعودية. ولكن، من المرجح أيضًا أن تهدأ الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط قريبًا. من المرجح أن يصل استهلاك النفط العالمي إلى الذروة في وقت ما في هذا العقد الحالي، ثم ينخفض. وتتحرك الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى بوتيرة سريعة نحو مستقبل ما- بعد- النفط. وحتى بالقدر الذي يستمرون فيه في حرق النفط، سوف يأتي هذا النفط من مصادر أكثر تنوعاً بكثير مما كانت عليه في الماضي. وقد أصبحت الولايات المتحدة مُصدِّرًا صافياً للنفط منذ ما يقرب من عقد من الزمان الآن. وأصبحت رؤية بن لادن لأفغانستان كمنطلق لخلافة عالمية تبدو أكثر غرابة الآن مما كانت عليه قبل 20 عامًا.
بدلاً من ذلك، سوف يحرر الخروج من أفغانستان الولايات المتحدة من مواجهة التحدي الأمني الذي يمثله دعم الدولة الباكستانية للجهاد الإقليمي والعالمي بشكل مباشر. منذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، طورت الولايات المتحدة طرقًا جديدة لضرب الأعداء الإرهابيين مع تعريض عدد أقل من أفرادها العسكريين للخطر. ويمكن للولايات المتحدة أن تفرض عقوبات بالغة الشدة على الحكام الجدد لأفغانستان إذا ما قرروا العودة إلى شأن إيواء الجهاديين المناهضين للولايات المتحدة.
قد يكون الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه النتيجة في أفغانستان هو التكلفة الإستراتيجية الباهظة التي يرتبها الاستقطاب الحزبي العنيف في أميركا. كانت القرارات الخاصة بأفغانستان التي اتخذها الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء مدفوعة بالمنافسة السياسية المحلية أكثر بكثير مما كانت مدفوعة بالحقائق والوقائع داخل أفغانستان نفسها. لم يستطع جورج دبليو بوش أن يغادر أفغانستان في الوقت الذي كان عليه أن يفعل فيه ذلك، في أوائل العام 2002. واضطر جون كيري وباراك أوباما إلى المبالغة في الوعود بشأن أفغانستان على الرغم من مخاوفهما الكثيرة الخاصة. وصنع دونالد ترامب كارثة بأثر رجعي لأنه أراد تحقيق فوز يبدو قليل الكلفة في العام 2020.
خلال فترة الحرب الباردة، وجدت الولايات المتحدة طرقًا لإدارة السياسة الخارجية، والتي تسامت فوق القسمة الحزبية. ومنذ العام 1990، نجحت الولايات المتحدة بطريقة أقل جودة في هذه المهمة الأساسية غير الحزبية، وفي القرن الحادي والعشرين، أصبح الوضع أكثر سوءاً فحسب.
إننا نتجه بالتأكيد إلى حلقة مفرغة أخرى من التحزب في السياسة الخارجية الأميركية بعد سقوط كابول. على مدار خمس سنوات، دافعت الأصوات المؤيدة لترامب عن الحمائية والانعزالية وخيانة الحلفاء مثل إستونيا والجبل الأسود والأكراد السوريين. وتصوَّر دونالد ترامب نفسه السياسة الخارجية للولايات المتحدة على أنها وسيلة للابتزاز مقابل الحماية إلى حد ما، مع استخلاص مدفوعات مستحقة من شركاء الولايات المتحدة الطموحين لكل من وزارة الخزانة الأميركية وشركاته الخاصة. والآن، سيحاول هؤلاء المدافعون عن “أميركا وحدها” متطفلة ومفترسة إعادة تعريف أنفسهم كمدافعين عن قوة الولايات المتحدة وقيادتها.
خلال الأسابيع المقبلة، سوف يدهش منتقدو بايدن المؤيدون لترامب العالم بوقاحتهم، حيث يتحولون من شن الهجمات على الحروب التي لا نهاية لها إلى التحسر على آخر طائرة عمودية غادرت سايغون. وسوف تثبت هذه الوقاحة كونها أكثر فاعلية مما تستحق أن تكون -لكنها أقل فعالية مما تحتاج إلى أن تكون. والأرواح الشجاعة التي فُقدت في أفغانستان والمال الذي أُهدِر هناك: سوف تطارد المجتمع الأميركي وتكون هاجسه لفترة طويلة. لكن الاحتمالات والإمكانيات الجديدة التي فُتحت للولايات المتحدة، وحرية العمل التي استعيدت، والهدر المستقبلي الذي تم وقفه الآن -هذه كلها ستكون وقائع أيضًا. والأصول المادية، والاقتصادية، والمالية والمعنوية التي تجعل أميركا قوية -ما تزال الولايات المتحدة تمتلك كل هذه الأصول. والخلل السياسي المحلي الذي يؤدي إلى استخدام سياسة إدارة الأمور بدلاً من العمل على سياسة استراتيجية شاملة -ذلك، وليس صناعنة أيقونات من الطائرات العمودية وهي تخرج من كابول -هو موطن الضعف الذي يجب التغلب عليه الآن.

الغد