حين يختنق شريان النفط العالمي: حرب إيران والزلزال الاقتصادي القادم

حين يختنق شريان النفط العالمي: حرب إيران والزلزال الاقتصادي القادم

 


الباحثة شذا خليل*

لاحتمالية اندلاع حرب واسعة النطاق تشمل إيران يحمل تداعيات تتجاوز بكثير حدود الشرق الأوسط. فبينما يتركز الاهتمام المباشر في مثل هذا الصراع على الجوانب العسكرية والسياسية، فإن التأثير العالمي الأكثر عمقاً قد يظهر في نظام الطاقة العالمي. لا تزال الاقتصادات الحديثة تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار إمدادات النفط والغاز، وأي اضطراب في طرق الطاقة الرئيسية يمكن أن ينتقل بسرعة إلى الأسواق المالية والتجارة الدولية والاقتصادات الوطنية. لذلك فإن حرباً إقليمية تشمل إيران لا تهدد الاستقرار الإقليمي فحسب، بل قد تمس أيضاً أسس سوق الطاقة العالمي.

وفي قلب هذا الخطر يقع مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. يقع هذا المضيق الضيق بين إيران وسلطنة عُمان، ويُعد بوابة رئيسية لصادرات النفط من عدد من كبار المنتجين، من بينهم السعودية والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة وإيران نفسها. يمر عبر هذا الممر يومياً نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وبسبب اعتماد أسواق الطاقة العالمية على التدفق المستمر عبر هذا الممر، فإن أي تعطّل مؤقت قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية فورية ودراماتيكية.

إن الموقع الجغرافي لإيران يمنحها نفوذاً استراتيجياً كبيراً في هذا السياق. فالساحل الإيراني يمتد على طول الجزء الأكبر من الجانب الشمالي لمضيق هرمز، ما يتيح لها القدرة على التأثير في حركة الملاحة البحرية في حال نشوب صراع. وفي أوقات التوترات المتصاعدة، قد تؤدي التهديدات للممرات البحرية أو المواجهات البحرية أو حتى مجرد الشعور بعدم الاستقرار إلى ارتفاع تكاليف التأمين على السفن وارتفاع المخاطر أمام ناقلات النفط. وفي أسواق الطاقة العالمية، غالباً ما يكون التوقع أو الخوف من الاضطراب مؤثراً بقدر تأثير الاضطراب الفعلي نفسه. فمجرد احتمال توقف شحنات النفط يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار.

ومن المرجح أن تظهر التداعيات الاقتصادية لمثل هذه الاضطرابات بشكل شبه فوري. فأسواق النفط شديدة الحساسية للمخاطر الجيوسياسية، وغالباً ما يؤدي عدم اليقين بشأن الإمدادات إلى تقلبات حادة في الأسعار. وإذا تراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز أو توقفت مؤقتاً، فقد ترتفع أسعار النفط العالمية بشكل حاد خلال أيام قليلة. وستؤثر مثل هذه الصدمة في الطاقة على قطاعات النقل والصناعة وإنتاج الغذاء في مختلف أنحاء العالم. ونظراً لأن النفط لا يزال عنصراً أساسياً في العديد من القطاعات الاقتصادية، فإن ارتفاع أسعاره سينعكس سريعاً على تكاليف الإنتاج وسلاسل التوريد.

ومن أبرز النتائج المحتملة لذلك موجة جديدة من التضخم العالمي. فتكاليف الطاقة تؤثر في أسعار السلع والخدمات في جميع أنحاء الاقتصاد. فارتفاع أسعار الوقود يزيد من تكلفة النقل والخدمات اللوجستية والإنتاج، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار التي يدفعها المستهلكون للسلع اليومية. ولا تزال العديد من الدول تواجه ضغوطاً تضخمية منذ الأزمات الاقتصادية العالمية الأخيرة، وقد تؤدي صدمة نفطية كبيرة إلى تفاقم هذه الضغوط. وقد تضطر البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية ورفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم، وهو ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.

كما أن الأسواق المالية ستتفاعل بسرعة مع أي أزمة في الطاقة. فعادة ما يتجه المستثمرون في أوقات عدم الاستقرار الجيوسياسي إلى الأصول الآمنة مثل السندات الحكومية أو الذهب، بينما تشهد أسواق الأسهم تقلبات ملحوظة. وقد تواجه الصناعات المعتمدة بشكل كبير على الطاقة، مثل شركات الطيران والنقل البحري والصناعات التحويلية، ارتفاعاً في تكاليف التشغيل وتراجعاً في الأرباح. وفي المقابل، قد تحقق الدول المنتجة للطاقة وشركات النفط مكاسب مؤقتة نتيجة ارتفاع الأسعار، مما يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية العالمية.

لكن آثار الأزمة لن تكون متساوية بين الدول. فالدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، خصوصاً في أوروبا وآسيا، ستكون أكثر عرضة للتأثر. فاقتصادات كبرى مثل الصين والهند واليابان والعديد من الدول الأوروبية تعتمد على تدفق مستقر للطاقة من الشرق الأوسط. وفي حال تعطل إمدادات النفط، قد تواجه هذه الدول تحديات كبيرة في الحفاظ على استقرارها الاقتصادي وإنتاجها الصناعي. وقد تضطر الحكومات إلى استخدام احتياطياتها الاستراتيجية من النفط أو البحث عن طرق إمداد بديلة، إلا أن تعويض هذا الحجم الكبير من التجارة النفطية العالمية سيكون أمراً صعباً في المدى القصير.

وفي مواجهة هذه المخاطر، قد تعود أمن الطاقة ليصبح قضية جيوسياسية مركزية. فقد تسارع الحكومات إلى تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وتوسيع الاحتياطيات الاستراتيجية. كما قد تؤدي الأزمة إلى تصاعد المنافسة الدولية على الوصول إلى موارد الطاقة وتأمين طرق التجارة البحرية. وبهذا المعنى، قد تدفع حرب تشمل إيران قضايا الطاقة إلى صدارة السياسة الدولية مرة أخرى، كما حدث خلال أزمات النفط في العقود الماضية.

وفي نهاية المطاف، يبقى نظام الطاقة العالمي عرضة للاضطرابات الجيوسياسية في المناطق الاستراتيجية. ولا يزال الشرق الأوسط يلعب دوراً محورياً في إنتاج النفط العالمي ونقله، كما يظل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في هذا النظام. لذلك فإن اندلاع صراع كبير يشمل إيران لن يبقى قضية إقليمية فحسب، بل قد يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات التي تطال أسواق الطاقة ومعدلات التضخم والاستقرار المالي والنمو الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم.

إن الدرس الأهم لصناع القرار والشركات والمستثمرين واضح: أمن الطاقة والاستقرار الجيوسياسي مرتبطان ارتباطاً وثيقاً. وطالما ظل الاقتصاد العالمي يعتمد على النفط الذي يمر عبر ممرات بحرية استراتيجية، فإن الصراعات في هذه المناطق ستظل تحمل آثاراً اقتصادية عالمية. ومن هذا المنطلق، فإن خطر الحرب مع إيران لا يمثل قضية أمنية إقليمية فقط، بل قد يكون نقطة تحول محتملة في مسار الاقتصاد العالمي.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية