ارتفاع نسب الطلاق في العراق مسؤولية من ؟

ارتفاع نسب الطلاق في العراق مسؤولية من ؟

الباحثة شذى خليل *

أسهم الفقر والبطالة وتردي الوضع الاقتصادي في العراق بزيادة عدد حالات الزواج غير المتكافئ اجتماعيا وعمريا للتخلص من أعباء الفقر لكنهم يقعوا في فخ أكبر هو الطلاق وتشتت الاسر.
ويؤكد خبراء علم النفس الاجتماعي أن تزويج القاصرات ولأسباب عدة خلاف القانون الاجتماعي، فالزواج يتم خارج المحاكم، وغالبا ما يتم زواج القاصرات بعقد شرعي (عند الشيوخ أو الملالي) ثم يلجأ المتزوجون بعد سنوات إلى تثبيت زواجهم لدى المحاكم، وبعدها يحصل الطلاق، إلا أن القضاء والمحاكم يكونون تحت الأمر الواقع حينها.

الوضع الاقتصادي المتردي، والسياسي الضعيف، كل هذه العوامل مجتمعة انتجت خللا اجتماعيا خطيرا ،وضعف في هيكلة بناء مجتمع صحي، ان (القانون 188 لسنة 1959 بحاجة لتعديل في فقراته رغم أنه من افضل القوانين بالمنطقة، لكن بصورة عامة تطبيقه في العراق ضعيف جدا .
وتظهر إحصائية مجلس القضاء الأعلى أن حالات الطلاق المسجلة في المحاكم العراقية بجميع المحافظات، خلال أبريل 2021 بلغت 4491، سجلت خارج المحاكم الرسمية وتمت المصادقة عليها لاحقاً، فيما بلغت حالات التفريق بحكم قضائي 1631 حالة.
وتصدرت العاصمة بغداد، محافظات البلاد بعدد حالات الطلاق بأكثر من 30 ألف حالة، تلتها البصرة بأكثر من 5800 حالة ثم بابل بأكثر من 5 ألاف، فيما جاءت خلفها نينوى التي خرجت للتو من معركة طاحنة ضد الإرهاب بـ 4 ألاف 740 حالة.
أما أقل معدلات الطلاق فسجلتها محافظة المثنى، جنوبي بغداد، بألف و95 حالة فقط، في حين سجلت بقية المحافظات معدلات تتراوح بين 2200 – 3600 حالة.

وسجلت بغداد أيضًا الصدارة بمعدلات الزواج بنحو 59 ألف حالة، تلتها البصرة بـ 19 ألف و781 ثم بابل بـ 17 ألف و836، فيما جاءت المثنى بأقل المعدلات بـ 6702 حالة.
الخبراء يؤكدون أن الأرقام اكبر بكثير من المذكورة أعلاه لأن حالات الطلاق المسجلة تقتصر على الذين يتوجهون لتصديقها رسمياً داخل المحاكم”.
وأن “زواج القاصرات مصدر قلق في ظل أوضاع اقتصادية غير مستقرة، ما يجعل غالبية العوائل تختار تزويج بناتها الصغيرات للتخلص من عبء الفقر والعوز”، واهم أسبال زيادة حالات الطلاق يعزى لفيروس كورونا وحالة الإغلاق وحظر التجول، الذي شهدته البلاد خلال الأشهر الماضية، ما أدى لبقاء الأزواج في بيوتهم، وبالتالي زيادة المشكلات المؤدية للطلاق في نهاية المطاف.

إن أعداد الطلاق في العراق سجلت أعلى معدل للطلاق في تاريخ البلاد

الأسباب التي تقف وراء ارتفاع تلك الحالات:
لعل أهمها الوضع الاجتماعي والاقتصادي الحالي، الأزمة الاقتصادية، تردي الوضع الاقتصادي وتفشي البطالة التي تشهدها البلاد، أسهمت بشكل كبير في زيادة هذه الأعداد، فضلا عن أن الحكومة ما تزال قاصرة عن معالجة الزواج خارج إطار السن القانوني، وعدم تكافؤ العمر بين الزوجين وزواج القاصرات من أسباب الطلاق.

دور السلطة التشريعية، مهم جدا في الحد من هذه المشكلة، وأن لمجلس النواب ان يحد من هذه الظاهرة من خلال تشريع قوانين أو تعديل أخرى؛ إلا أنه بسبب تقاطع آراء الكتل السياسية أحيانا حول بعض فقرات ونصوص هذه القوانين، وتعارضها مع نصوص دينية وأعراف وقيم اجتماعية، فإن ذلك عرقل كثيرا من تشريع هذه القوانين.
دور القانون
يرى الخبير القانوني علي التميمي أن المشرِّع العراقي أصدر عام 1985 التعليمات رقم (4)، التي أعطت مساحة واسعة للباحث الاجتماعي لثني المقبلين على الطلاق؛ إلا انه بعد عام 2003 لم يعد دور الباحث الاجتماعي مجديا؛ بسبب ازياد الحالات.

إن تعليمات مجلس القضاء الأعلى (قواعد تنظيم البحث الاجتماعي) رقم (1) لسنة 2008 لم تحد هي الأخرى من الطلاق إلا بجزء يسير، وأن المشكلة ليست قانونية، وأن القضاء لا يملك الأدوات اللازمة لحل مشكلة الطلاق، التي ترتبط بأسباب أمنية واقتصادية واجتماعية.

إن الأسباب تتعدد ما بين اقتصادية واجتماعية؛ إذ أن الأزمات الاقتصادية باتت جزءا من حياة العراقيين منذ سنوات، فضلا عن أن الأحوال الاجتماعية والتغيير الديموغرافي والنزوح كلها أسباب أدت إلى تغير النظرة للزواج، وبالتالي ازدياد حالات الطلاق.

بعض المختصين بالإضافة الى الوضع الاقتصادي والاجتماعي، يؤكدون أن العامل الثقافي المهم جدا في تمكين الشباب فهم تكوين الاسرة وكيفية الحفاظ عليها ، غير ان الطبائع الثقافية والمجتمعية اصحبت مدخلات غريبة وهدامة لبناء الاسر ، مثل إقحام الثقافات الغريبة والتي كان لها دور كبير، حيث ان وسائل الإعلام من خلال ما تبثه من مسلسلات مدبلجة وأفلام وغيرها، باتت تدس السم بالعسل من خلال الأفكار الهدّامة والترويج للشذوذ، الذي يهدم القيم المجتمعية للإنسان العراقي.
وأن وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار ظاهرة النساء المدونات، اللاتي يطلق عليهن بـ(الفاشونيستا أو الموديلز)، وانفتاحهن في المجتمع، أدت لتمرد بعض النساء على أزواجهن بدون إدراك لماهية هذه الحالة، وما تسببه من تفكك الأسرة، وهناك ظاهرة اجتماعية خطيرة في الآونة الأخيرة، تتمثل بمجموعات نسائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تشجعن النساء على الطلاق والخروج من قيود الزواج وما فيه من مسؤوليات.

التركيز على الجانب التعليمي مهم جدا في القضاء على هذه الافه، و التوعية الاسرية والمجتمعية و على الحكومة والمشرع العراقي سن قوانين تعمل على رفع المستوى الثقافي للمتزوجين وعائلاتهم، وتشجع الاهتمام بالأسرة من خلال توفير نواد اجتماعية خاصة تحض على الترابط الأسري وأهميته من الناحية الدينية والاجتماعية، وتبين مدى الأضرار الناجمة عن الطلاق خاصة فيما يتعلق بالأطفال.

على الدولة تحمل المسؤولية الكاملة ، في اللجوء الى التوعية بأهمية بناء الاسرة والمحافظة على الأبناء واهمية التعليم ، وتوفير فرص العمل وتحسين الوضع الاقتصاد للتخلص من أعباء الحياة وليس الزواج ، واستحداث دورات تدريبية إجبارية للمقبلين على الزواج، فضلا عن ضرورة تشريع واستحداث قوانين لردع ومحاسبة من يعمد إلى تزويج الأبناء دون السن القانونية.

 

 

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية