قمتا جدة وطهران: التسوية بدل الاستقطاب؟

قمتا جدة وطهران: التسوية بدل الاستقطاب؟

بعد ثلاثة أيام من مغادرة الرئيس الأمريكي السعودية (قادما من إسرائيل حيث وقع «إعلان القدس») حضر خلالها «قمة جدة للأمن والتنمية» واجتمع بقادة الخليج العربي ومصر والأردن، التأمت قمة أخرى في طهران بحضور رؤساء روسيا وتركيا وإيران.
في ظل الاستقطابات العالمية والإقليمية الحادة كان متوقعا، ومفترضا، من الأطراف المشاركة في القمتين، العمل على تحقيق تقاربات أكبر بين المجتمعين، وخصوصا في ظل الاستقطابات العالمية والإقليمية الكبيرة الحاصلة ضمن الصراع الناشب بين أمريكا وروسيا، وكذلك الخلاف الكبير بين واشنطن وطهران حول تجديد الاتفاق النووي، والصراعات والاستقطابات الأخرى الجارية بين البلدان العربية وإيران، من اليمن، والخليج العربي، والعراق، وسوريا، ولبنان، وصولا إلى فلسطين، وكذلك لتأمين زيادات كبيرة في إنتاج النفط لوقف استخدام موسكو له كسلاح ضد أوروبا والغرب عموما.
سعى الرئيس الأمريكي جو بايدن في القمة الأولى لجمع حلف المتضررين بين بلدان عربية وإسرائيل على خلفية النزاعات العسكرية الناشبة مع الحكومات والتنظيمات المتحالفة مع إيران، متأملا قطر هذه الخلافات على السكة التي شقتها الدول العربية التي انضمت للتطبيع، كما سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتماسك أكبر في جبهته، بهدف تعزيز تحالفه الاستراتيجي مع إيران، وتأليب تركيا على أمريكا، فيما سعت إيران إلى تصليب الموقف الروسي، المائع، فيما يخص الضربات الإسرائيلية المستمرة على القوات الإيرانية وعلى الميليشيات التابعة لها في سوريا، فيما طالبت تركيا بدعم روسي وإيراني لعمليتها العسكرية المزمعة في الشمال السوري.
هذه المطالب لم تتحقق في القمتين، فرغم تراجع بايدن، عمليا، عن سياسته السابقة المعلنة والصارمة ضد السعودية، فإن حصيلة الأرباح من الزيارة كانت أقل من التوقعات، فمقابل المطالب بحلف إقليمي عربي ـ إسرائيلي، والتطبيع السريع بين الرياض وتل أبيب، كان موقف الرياض قريبا من موقف الدوحة، الذي عبر عنه الأمير تميم بن حمد آل ثاني الذي طالب بحل عادل للقضية الفلسطينية قائلا إنه «لا يجوز أن يكون دور العرب اقتراح التسويات ودور إسرائيل رفضها» فيما أكد ولي العهد السعودي على أن ازدهار المنطقة ورخاءها يتطلبان الإسراع في إيجاد حل شامل للقضية الفلسطينية وفقا للمبادرات الشرعية ومبادرة السلام العربية.
قرار السعودية السماح بمرور الطائرات المدنية فوق أراضيها من وإلى إسرائيل، أكدت أنه لا يرتبط بالتطبيع، ومقابل مطلب زيادة كميات النفط المنتجة، اكتفت الرياض بإعلان أنها بطريقها لزيادة طاقة إنتاج النفط بأكثر من مليون برميل يوميا إلى أكثر من 13 مليون برميل يوميا بنهاية 2026 أو بداية 2027، وفي مقابل مطالب أمريكا للسعودية، وباقي الدول العربية الحاضرة لقمة جدة، دعم مواقفها المناهضة للغزو الروسي لأوكرانيا، فإن الذي حصل فعليا، هو إطلاق السعودية (وكذلك الإمارات) تصريحات عن استمرار التنسيق مع روسيا في أوبك +، بل إن السعودية والإمارات، حسب تصريح لبوتين، الثلاثاء الماضي، عرضتا القيام بالوساطة بين روسيا وأوكرانيا.
انفضت قمة طهران من دون تغيير حقيقي في مواقف الدول الثلاث المشاركة، واقتصرت النتائج على إعلان الرئيس التركي اردوغان عن اتفاق مع نظيره الروسي، بوتين، على توريد الحبوب من أوكرانيا (وهو بانتظار إقراره من الأمم المتحدة) كما لم يتغير الموقف الإيراني من العملية العسكرية التي تود تركيا تنفيذها شمال سوريا، وانتهى الأمر بمطالبة علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية، أنقرة، بـ«الحوار» لحل مشكلة تواجد حزب العمال الكردستاني، بدعم من واشنطن وروسيا، على حدوده مع سوريا.
تشير قمتا جدة وطهران (وحتى قمة العشرين التي انعقدت في اندونيسيا مؤخرا) إلى حصول تغيرات في الديناميات السياسية العالمية، من مظاهرها أن الدول صارت أجرأ في مقاومة المطالب التي يمكن أن تضر بمصالحها، وإلى اضطرار جميع الدول، عظمى وصغرى، إلى القبول بتسويات وحلول وسط، مثلما فعلت السعودية مع أمريكا، بخصوص النفط، وروسيا مع تركيا، بخصوص نقل الحبوب، لكن المفارقة أن هذه الظاهرة مرتبطة بقيام دولة عظمى، هي روسيا، بكسر منطق التسويات والدخول في حرب، تبين أن أكلافها هائلة عليها وعلى العالم.

القدس العربي