حرب جو بايدن السرية في أوكرانيا

حرب جو بايدن السرية في أوكرانيا

يجيء العزم الذي يبديه الأوكرانيون في دفاعهم إلى حد كبير نتاجاً للضمانات التي تقدمها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بأنهما ستفعلان كل ما هو ضروري لدعم زيلينسكي ونظامه، الذي يسعى مسبقاً إلى الحصول على 750 مليار دولار كمساعدات من أجل “إعادة الإعمار”. وإذا بدأت الخسائر العسكرية الغربية في الظهور على السطح، فإن الدعم السياسي للحرب الأوكرانية سيبدأ بالتلاشي في واشنطن وأماكن أخرى وستكون هناك عواقب في الانتخابات النصفية المقبلة في الولايات المتحدة المقرر إجراؤها في تشرين الثاني (نوفمبر)”.
* * *
يواصل البيت الأبيض إصراره على أنه لن يقوم بإشراك جنود أميركيين بشكل مباشر في الحرب في أوكرانيا، لكنه يواصل اتخاذ الخطوات التي ستؤدي حتمًا إلى دور قتالي مفتوح واسع النطاق للولايات المتحدة ضد روسيا. وفي واحدة من أحدث التحركات لزيادة الضغط على الكرملين، كشف بايدن في اجتماع قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” التي عُقدت في مدريد في 29 حزيران (يونيو) أن الولايات المتحدة ستنشئ مقرًا دائمًا في بولندا للفيلق الخامس من الجيش، وستبقي على لواء تناوب إضافي مكون من آلاف الجنود في رومانيا، وتقوم بتعزيز انتشار قواتها في دول البلطيق. كما ستتم زيادة عدد القوات الأميركية في أوروبا، الذي يقترب حاليًا من 100.000 جندي. كما سُر بايدن عندما علم أن تركيا أغريت بالتخلي عن اعتراضها على انضمام فنلندا والسويد إلى حلف “الناتو”.
في الطريق إلى قمة “الناتو” المذكورة، ومن على متن طائرة الرئاسة، صرح مستشار الأمن القومي لبايدن، جيك سوليفان، بأنه “بحلول نهاية القمة، سيكون ما تشاهدونه هو قوة أكثر صلابة وفعالية ومصداقية قتالية، وأكثر قدرة وأعلى تصميمًا لمواجهة التهديد الروسي الذي يزداد حدة”. ومن المفترض أن سوليفان كان يقرأ من نص مُعد مسبقاً، لكن الهدف بدا بالتأكيد أنه تصعيد التوتر مع موسكو بدلاً من محاولة خفضه والتوصل إلى نوع من التسوية الدبلوماسية.
كما أدلى الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، بدلوه هو الآخر. في عرض مذهل للمراءاة والنفاق، ردّ بأن التزامات موقف القوة الأميركية الجديد تدل على قيادة بايدن القوية. وكان ما لم يذكره ستولتنبرغ هو أن بايدن كان يكذب منذ بعض الوقت بشأن وجود أفراد عسكريين أميركيين في أوكرانيا.
كان الرئيس قد كشف عن السر قبل أشهر في آذار (مارس)، عندما قال للقوات التابعة للفرقة 52 المحمولة جواً في بولندا والتي كانت ستذهب قريبًا إلى أوكرانيا: “سترون عندما تكونون هناك، وبعضكم كان هناك، سترون-“. وكان ذلك اعترافًا بأن القوات الأميركية موجودة بالفعل داخل أوكرانيا، ولو أن البيت الأبيض قام بسرعة باحتواء الأضرار، مؤكداً أن الرئيس ما يزال يعارض مشاركة الجنود الأميركيين بشكل مباشر في القتال. كما زعم بايدن أن الولايات المتحدة كانت تعمل على “منع استمرار المذبحة (في حق الأوكرانيين)”. وكانت اللغةمرة أخرى مصممة بالكاد لإفساح المجال أمام بعض التهدئة الممكنة مع روسيا للتفاوض على إنهاء القتال.
والآن، هناك تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” بعنوان “شبكة من قوات الكوماندوز تنسق تدفق الأسلحة في أوكرانيا، كما يقول مسؤولون: عملية سرية تشارك فيها قوات العمليات الخاصة الأميركية تلمح إلى حجم الجهود المبذولة لمساعدة الجيش الأوكراني الذي ما يزال يعاني من نقص السلاح (مقابل سلاح الجيش الروسي)”.
ويصف المقال دورًا أميركيًا أكثر نشاطًا في أوكرانيا مما كانت إدارة بايدن على استعداد للاعتراف به علنًا. وبالعودة إلى شباط (فبراير)، قبل التدخل في أوكرانيا، قيل في ذلك الوقت أن الولايات المتحدة سحبت 150 مدربًا عسكريًا أميركياً من البلد، وكان العديد منهم يدربون الجنود الأوكرانيين على أسلحة أميركية حصلت عليها أوكرانيا حديثًا. ومع ذلك، فإن بعض العناصر شبه العسكرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية (CIA) وقوات العمليات الخاصة واصلوا خدمتهم في البلد سراً، وقاموا بتوجيه معظم تدفق المعلومات الاستخبارية التي تشاركها الولايات المتحدة مع القوات الأوكرانية.
بالإضافة إلى ذلك، كان جنود العمليات الخاصة من حلفاء واشنطن في حلف الناتو يديرون نقل الأسلحة والمعدات إلى أوكرانيا ويقدمون بعض التدريب المتخصص. كما تم الإبلاغ عن قيام جنود كوماندوز بريطانيين، SAS، بحراسة الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وغربيين آخرين، أن الجنود وضباط وكالة المخابرات المركزية لا يتواجدون حاليًا في الخطوط الأمامية مع القوات الأوكرانية. ووفقًا لصحيفة التايمز أيضًا، فإنه على الرغم من أن الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الناتو لم تعترف أبداً بقيام أفرادها شبه العسكريين بأدوار عملياتية في أوكرانيا، فإن روسيا وأجهزة المخابرات الأخرى في جميع أنحاء العالم على دراية بذلك.
يبدو أن تقرير “نيويورك تايمز” صحيح بشكل عام، على الرغم من أنه يحذف بعض التفاصيل التي سمعتُ بعضاً منها من زملائي السابقين في أجهزة المخابرات. كان هناك تدريب علني كبير في قاعدة غرافنفوير للجيش الألماني، وكذلك قاعدة رامشتاين الجوية الأميركية، لتعريف الأوكرانيين بالأسلحة الجديدة القادمة. كما تشارك دول أخرى من حلف الناتو في التدريب. وفي الوقت نفسه، لا يرتدي كوادر وجنود العمليات الخاصة وأفراد المخابرات الذين يعملون بشكل أساسي في غرب أوكرانيا الزي العسكري، ويعمل العديد منهم تحت مسميات مفتعلة مختلفة للتغطية، بما في ذلك في بعض الأحيان خلق ارتباطات فضفاضة مع سفارات أجنبية ومنظمات غير حكومية. وهناك أيضًا محطة تقليدية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، ومجموعة من عناصر وكالة الأمن القومي الأميركية، ومكتب ملحق عسكري في السفارة الأميركية التي أعيد افتتاحها مؤخرًا في كييف.
يعني كل ما سبق أن بايدن والقادة الغربيين الآخرين كانوا يخفون المعلومات الخاصة بمشاركة بلدانهم النشطة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا. وبصرف النظر عن زلات لسانه المحتملة، لن يعترف بايدن بوجود جنود أميركيين على الأرض مسبقاً في أوكرانيا، لكنهم موجودون ويلعبون دورًا رئيسيًا في كل من تبادل المعلومات الاستخباراتية والأعمال اللوجستية. ويمكن أن يظهر الجانب القاتم المحتمل للرئيس عندما يُقتل بعض هؤلاء الجنود في اللباس المدني، أو الأسوأ من ذلك، أن يتم أسرهم ويبدأون في الحديث عن دورهم.
تلاحظ اللفتنانت كولونيل المتقاعدة من سلاح الجو الأميركي، كارين كوياتكوفسكي، المحللة السابقة في وزارة الدفاع الأميركية، أن نشر أفراد غير نظاميين يمكن إنكارهم بشكل معقول “هو عمل نموذجي تمامًا للمراحل الأولية لحرب طويلة مدعومة من الولايات المتحدة، والتلاعب السياسي بالبلد المستهدف على المدى الطويل. هذا هو المستقبل الذي يتخيله “استراتيجيو” المحافظين الجدد في واشنطن وحلفاؤهم البريطانيون والأوروبيون لأوكرانيا. بدلاً من التوصل إلى نتيجة تفاوضية، مع دور أوكراني جديد كدولة محايدة ومنتجة، مستقلة عن التأثيرات السياسية الروسية والأميركية، ترى حكومة الولايات المتحدة ووكالة المخابرات المركزية أن أوكرانيا رافد يمكن الاستغناء عنه –لكنه مفيد مع ذلك في المنافسة مع الاتحاد الروسي”.
يرى المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية لاري جونسون هذا النشاط بعدسات قاتمة عندما يعلق أيضًا بأن وكالة المخابرات المركزية لم تنتصر في أي حرب تمرد شبه سرية منذ أربعين عامًا. ويلاحظ أن “أوكرانيا وكيل؛ الغرب يحاول تدمير روسيا، الأمر بهذه البساطة. كان الأمر سيختلف لو أن روسيا كانت هي أكثر الأنظمة شراً وقمعًا واستبدادًا في العالم. إنها ليست حتى في أي مكان قريب من ذلك. على الرغم من أن الغرب يواصل محاولة تصوير روسيا على هذا النحو، فإن الحقيقة هي أن الغرب يريد الموارد التي تمتلكها روسيا ويريد السيطرة على روسيا. (لكن) روسيا ليست على وشك أن تتم السيطرة عليها”.
بعبارات أخرى، ربما تسعى واشنطن إلى حرب لا نهاية لها تعلق فيها روسيا وتحد من خياراتها عالميًا. وقد راهنت إدارة بايدن بسمعتها ومستقبلها السياسي المحتمل على تمكين أوكرانيا من البقاء من دون الخضوع للمطالب الإقليمية الروسية. وهي سياسة محفوفة بالمخاطر- بل وشديدة الخطورة، سواء من الناحيتين العملية أو السياسية. ويجيء العزم الذي يبديه الأوكرانيون في دفاعهم إلى حد كبير نتاجاً للضمانات التي تقدمها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بأنهما ستفعلان كل ما هو ضروري لدعم زيلينسكي ونظامه، الذي يسعى مسبقاً إلى الحصول على 750 مليار دولار كمساعدات من أجل “إعادة الإعمار”. وإذا بدأت الخسائر العسكرية الغربية في الظهور على السطح، فإن الدعم السياسي للحرب الأوكرانية سيبدأ بالتلاشي في واشنطن وأماكن أخرى وستكون هناك عواقب في الانتخابات النصفية المقبلة في الولايات المتحدة المقرر إجراؤها في تشرين الثاني (نوفمبر)”.
ثمة تعليق أخير على مقال “التايمز” والذي يأتي ردًا على السؤال عن سبب ظهوره في هذا الوقت من الأساس. كانت وسائل الإعلام الرئيسة مثل فريق تشجيع يهتف للدعم الأميركي العدواني لأوكرانيا وزيلينسكي، لكنها شرعت الآن في التراجع عن هذا الموقف، كما فعلت أيضًا صحيفة “الواشنطن بوست” ووسائل إعلام أخرى. ربما أصبحت هذه الوسائل مقتنعة بأن خطة اللعبة التي تروج لها واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون يغلب أن لا تنجح، وبتكلفة كبيرة على الاقتصادات المعنية.
يلخص لاري جونسون الأمر على هذا النحو: “أعتقد أن الغرض من ظهور هذا المقال في هذا الوقت إنما هو فقط وضع الأساس لسبب عدم قدرتنا على نشر -أو أننا لماذا يجب أن ننشر- المزيد من الأفراد العسكريين الأميركيين، أو حتى عناصر وكالة المخابرات المركزية داخل أوكرانيا، لأن استمرارنا في نشر أفراد أميركيين… داخل أوكرانيا للتدريب أصبح محفوفًا بالمخاطر بسبب النجاح الذي تحققه روسيا في ساحة المعركة”. ويمكن للمرء أن يضيف أيضًا أن هذا سيكون خطيراً للغاية، حيث يمكن لخطأ ما، أو حتى لحادث مصطنع مقصود يفتعله أي من الجانبين أن يجعل الحرب تتحول بسهولة إلى واحدة نووية.

الغد