” زيارة الأربعين” معركة جديدة بين الصدر وإيران

” زيارة الأربعين” معركة جديدة بين الصدر وإيران

بعد أيام قليلة من قراره اعتزال العمل السياسي عاد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى الواجهة مرة أخرى من خلال الحديث عن زيارة أربعينية الإمام الحسين، وإقحام السعودية في السياق، بالإشارة إلى تنظيمها شعيرة الحج، فضلاً عن توجيهات بإبعاد “الحشد الشعبي” عن أجواء الزيارة وتنظيم دخول الإيرانيين، على خلاف ما كان يحدث خلال السنوات السابقة بشكل عشوائي.

ويأتي حديث الصدر في أكثر أوقات توتر العلاقة بينه وبين حلفاء طهران، ما عده مراقبون محاولة للتركيز على علاقاته بالعمق العربي، وتحديداً السعودية، مقابل العداء الواسع الذي تعلنه تلك الجماعات للرياض، فيما أشار آخرون إلى أن تنظيم السعودية للحج مقبول من جميع الدول الإسلامية، وهي وسيلة استخدمها الصدر لدرء أي انتقادات لدعوته تنظيم زيارة الأربعين.

استشهد الصدر بالآليات المتبعة من قبل السعودية في تنظيم الحج، وقال إن الرياض “سارعت إلى تنظيم الأعداد وتفويجهم دخولاً وخروجاً، وسن قوانين خاصة للفريضة لم يشترط فيها غير أنها يجب أن تكون وفق الشرع أولاً وآخراً”. وأشار إلى أنه على الزوار الراغبين بأداء الشعائر الدينية أن يلتزموا قوانين البلدان التي تضم المواقع المقدسة.

وطالب الصدر في رسالته التي نشرها باللغتين العربية والفارسية من ينوون زيارة العراق بـ”الدخول بتنظيم عالٍ وجواز رسمي واحترام الجهة المتخصصة والقوات الأمنية والقوانين المعمول بها واحترام الدولة المضيفة”.

وخص الصدر في بيانه الزوار الإيرانيين، معللاً ذلك باعتبارهم “الأكثر عدداً”، ومشيراً إلى أن “العراقيين ملزمون ضيافتهم وإكرامهم ما داموا ملتزمين التنظيم والقواعد العامة والقانون”. وأكد أن العراق “غير ملزم إدخال ما يفيض على قدرته من الحجاج”.

ودعا الصدر إلى استبعاد “الحشد الشعبي” وسرايا السلام، التابعة له، من ضبط نقاط التفتيش، مطالباً القوات الأمنية بتكفل هذه المهمة. وشدد على ضرورة عدم رفع شعارات “حزبية أو ميليشياوية أو حتى حشدية، أو تيارية (تيار الصدر)، حفاظاً على سلامة الزوار والضيوف والأماكن المقدسة”.

وكان “الإطار التنسيقي للقوى الشيعية” قد أعلن تأجيل حراكه السياسي نحو محاولات تشكيل الحكومة المقبلة إلى ما بعد الزيارة، حيث قال عضو “تيار الحكمة” المنضوي في الإطار رحيم العبودي إن “(الإطار) قرر تأجيل مسألة عقد جلسة للبرلمان وخطوات تشكيل الحكومة الجديدة إلى ما بعد زيارة الأربعين”. وأشار في تصريح صحافي إلى أن الهدف من هذه الخطوة هو “تهدئة الوضع ومنع حصول فراغ أمني خلال الزيارة”.

محاججة لتنظيم الزيارة

يبدو أن محاولة الصدر الحديث عن السعودية وتنظيمها الحج تأتي لمحاججة الأطراف التي تسوق أي حديث عن تنظيم الزيارة الأربعينية بأنه استهداف لشعائر الشيعة في العراق، خصوصاً أن السعودية تعد الدولة الأولى بالمنطقة في تنظيم الزيارات الدينية، ويحظى تنظيمها تلك الزيارات بقبول كل الدول الإسلامية المختلفة.

ولأن تجربة العراق بعد 2003 مع الزيارات المليونية تمثل تجربة مشابهة لوجيستياً لتجربة الحج والتحديات التي تواجه تنظيمه، ربما احتاج الصدر إلى الاستشهاد بإدارة السعودية هذا الملف لصد أي هجوم يحدث في كل مرة حين تطالب أي جهة في العراق تنظيم تلك الزيارة.

ما وراء المخاوف

تتجدد المخاوف كل عام مع اقتراب زيارة الأربعين من عمليات تدفق غير منظمة للزائرين، وتحديداً من الجانب الإيراني، ويبدو أنها ستكون أكبر هذا العام، خصوصاً مع تزامنها والتوترات التي يعيشها العراق على وقع الخلافات الحادة بين الصدر والأطراف الموالية لطهرن.

خلال السنوات الأخيرة باتت الحدود العراقية مع إيران تفتح بشكل كامل خلال زيارة الأربعين، ويدخل منها ملايين الزوار الإيرانيين مع عدم وجود طرق لدى السلطات العراقية للتحقق من هويات الداخلين.

وفي كثير من الأحيان يقتحم آلاف الزوار الإيرانيين المعابر الحدودية مع العراق ويدخلون من دون أختام أو تحقق، كما حدث في مناسبات عدة خلال السنوات القريبة الماضية، وهو الأمر الذي يثير عديداً من التساؤلات، وما إذا كانت شخصيات الداخلين تمثل مواطنين إيرانيين عاديين أم عناصر تابعة لجهات استخباراتية، خصوصاً مع هذا التدفق العشوائي.

ويمثل حديث الصدر الأخير المرة الأولى التي تتم فيها مناقشة تلك المسألة الاستراتيجية على مستويات رفيعة، إذ كان النقاش حولها محصوراً بين الصحافيين والنشطاء، فضلاً عن اتهام مثيريها بتهم البعث ومحاولات حرمان زوار الحسين من تأدية تلك الزيارة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية عصام الفيلي أن بيان الصدر يمثل رسالة إلى الحكومة العراقية لـ”مأسسة دخول الزائرين إلى البلاد في هذه المرحلة الحرجة”، مبيناً أن الانفلات الذي تشهده المعابر الحدودية في هذا التوقيت “يمكن أن يستغل من بعض الدول لإدخال عديد من العناصر التي تشكل مخاطر أمنية نتيجة العبور غير المنظم للزائرين”.

مساحة احتجاجية

مثلت الزيارات الدينية في العراق، وتحديداً خلال السنوات الأخيرة ما بعد انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) 2019، مساحة ذات طابع احتجاجي، وهو الأمر الذي ربما يعاد خلال الزيارة الأربعين الحالية.

ويبدو أن المخاوف من إمكانية أن يمثل وجود “الحشد” في تلك الزيارة مساحة للصدام مع أي مظاهر احتجاجية هو الذي دفع الصدر للتحذير مسبقاً وتحميل تلك الأطراف مسؤولية أي احتكاك.

وأشار الفيلي إلى أن حديث الصدر عن عدم إشراك “الحشد الشعبي” يمثل “استباقاً لما يمكن أن يقع من احتكاكات بين محتجين وتلك القوات”، لافتاً إلى أن الزيارة هذا العام ربما “تشهد مساحة احتجاجية على وقع الأحداث الأخيرة”.

مساحة الشيعة العراقيين

تزايد خلال الفترة الأخيرة تركيز الصدر على الحديث عن محافظة النجف كمرجعية رئيسة للشيعة، خصوصاً مع تصاعد حدة التوتر على أثر إعلان المرجع المقيم في إيران كاظم الحائري اعتزاله وتوجيه انتقادات للصدر ومحاولة دفع أنصاره لتقليد المرشد الإيراني علي خامنئي.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية هيثم الهيتي أن تركيز الصدر على “النجف كمساحة الشيعة العراقيين ستتزايد خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع تخلص التيار الصدري بشكل أو بآخر من التأثير الإيراني بعد اعتزال الحائري”.

ويرى الهيتي أن هذا التوجه ليس محصوراً بالصدر فحسب، لافتاً إلى أنه “يتحرك بالتنسيق مع قوى عميقة داخل قادة التشيع في العراق تحاول تجسير العلاقة مع المحيط العربي القومي مع تزايد الهيمنة الإيرانية على عديد من القوى السياسية”.

وعلى الرغم من كون حديث الصدر عن السعودية يبدو في سياق التنظيم لا أكثر، أشار الهيتي إلى أنه “لا يخلو من محاولات استفزاز إيران وتبيان مساحة حراكه المقبلة”. وقال إن مطالبة الصدر بإبعاد “الحشد” عن إدارة ملف الأمن في الزيارة المقبلة تأتي بسبب إدراكه أن “(الحشد) يمثل مؤسسة تابعة لأطراف الإطار التنسيقي الموالية لإيران، بالتالي فإن وجودها يمثل مخاطرة جسيمة ربما تثير إشكالات في هذا التوقيت، لما حملته الزيارة خلال السنوات الأخيرة من عناوين احتجاجية على النفوذ الإيراني”.

إعادة تموضع سياسي واجتماعي

في المقابل، يرى الباحث في الشأن السياسي أحمد الشريفي أن رسالة الصدر بخصوص الزيارة مثلت محاولة لـ”إعادة التموضع سياسياً واجتماعياً بشكل جديد”. وقال إن الصدر “ماضٍ بمشروع جديد يحدث تغييراً جذرياً وشاملاً، سواء على مستوى العملية السياسية، أو داخل التيار الصدري”.

وأضاف الشريفي أن هذا التموضع الجديد “سيبتعد عن البعد العقائدي ويحاول التركيز على صناعة مشروع اجتماعي سياسي مختلف”. وأشار إلى أن حديث الصدر عن العمق الاستراتيجي العربي والدور السعودي في تنظيم الحج يمثل جزءاً من رسائل هذا المشروع الجديد”.

وبشأن مطالبة الصدر بإبعاد “الحشد” عن الزيارة الأربعينية، يعتقد الشريفي أن “الوقت قد حان لأن يكون هناك برنامج جديد لـ(الحشد الشعبي)”، داعياً إلى تكليفه “مهام الجيش الثاني، الذي يتكفل بمهمة إسناد الجيش، ويستخدم في المناسبات الدينية والوطنية كجهد مباشر ساند”.

ولفت إلى أن “هذه المعادلة ستخرج (الحشد) من السيطرة السياسية وتدخله ضمن مؤسسات الدولة”، مبيناً أن هذا الطرح سيجد “قبولاً من مرجعية النجف التي قامت بدمج ألويتها في وزارة الدفاع”.

اندبندت عربي