فيينا.. الحلقة المفقودة بين قتال «الدولة الإسلامية» وتحقيق السلام في سوريا

فيينا.. الحلقة المفقودة بين قتال «الدولة الإسلامية» وتحقيق السلام في سوريا

20150706102522reup-2015-07-06t102356z_1715263476_gf10000150241_rtrmadp_3_iran-nuclear.h

إن وزير الخارجية الأمريكي هو في الواقع رجل اعتيادي. لكنه ببساطة لا يتعب أو يتراجع. وقد كان دائما تحت ضغط من جميع الجهات: البيت الأبيض والعمر والحلفاء العنيدين والأعداء، ومشاكل معقدة بشكل كبير، المسارات العالمية الخطيرة والهجمات المتواصلة من النقاد. ومع ذلك، مازال هذا الرجل محافظا على تفاؤله. حتى عندما يختلف أحد معه، وهناك دائما احترام كبير وتقدير لصفاته النادرة.

ولكن الأمل يبقى في الحقيقية التي يمكن أن تضاف، مع الوقت، للجدول الزمني الذي تم التوصل إليه في فيينا لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا ويبدو أن وقف إطلاق النار يبدو بعيدا، حتى بالنسبة لرجل من الطراز الفريد مثل «جون كيري».

يقول «كيري» خلال لقاء مع الرئيس الفرنسي في 17 نوفمبر/تشرين الثاني «نحن نبتعد أسابيع عن إمكانية انتقال كبير من أجل سوريا. ولقد وجدنا اتفاقا حول أرضية مشتركة تتعلق بمبادئ وأسس مهمة حول مفهوم التفاوض مع إيران وروسيا، وهذه حالة فريدة من نوعها في الأربع سنوات ونصف الماضية».

وكان دبلوماسيون من 17 دولة قد التقوا في فيينا في 14 نوفمبر/تشرين الأول ووافقوا على جدول زمني لعملية سياسية في سوريا. ووفقا للخطة، فإن ممثلي الحكومة والمعارضة السوريين سيجتمعون في المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة والتي من المقرر أن تبدأ مطلع يناير/كانون ثاني. وتهدف المحادثات إلى رسم بعد لعملية أخرى لوضع مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر ثم إجراء انتخابات جديدة. وهناك دعوة لوقف إطلاق النار من قبل الأمم المتحدة يدخل حيز التنفيذ عند بدء هذه العملية.

بناء على دراسة بيان فيينا 2 الختامي بعناية نجد أنه مجرد إعادة صياغة لبيان جنيف 1 في عام 2012. والإضافة إلى ذلك فقط هو الإطار الزمني الذي تم تحديده بوضوح في فيينا. وهل إضافة جدول زمني فقط لجنيف 1 ممكن أن تحدث فرقا؟ أم أن هناك أشياء أخرى تبقى لازمة؟

تنازلات متبادلة

ما وصفه كيري بأنه «مفهوم» في المفاوضات مع إيران وروسيا قد يكون إشارة إلى طريقة تقسيم الدبلوماسي لكعكة التنازلات بين الأطراف. والتبادل يسير ليكون على النحو التالي:

أولا: تعمل المملكة العربية السعودية على فرز المعارضة في أقل انقسام ممكن بالتنسيق مع مبعوث الأمم المتحدة «دي ميستورا»، وواشنطن والدوحة وأنقرة. بما لا يتم به اعتبار مكونات معينة مثل جبهة النصرة جماعة إرهابية، فالانضمام إلى تنظيم القاعدة بطريقة فضفاضة لم يدفعهم إلى تبني كل وجهات نظر وأيدولوجيات الجماعة الإرهابية.

ثانيا: من المرجح أن يتم قبول أن أحرار الشام هي الممثل الأكثر اعتدالا في هذه الجماعات.

ثالثا: سيتعرض العرب والأتراك لضغوط من أجل تطبيق وقف إطلاق النار في وقت مبكر بدلا من وضعهم السابق الذي كانوا يروا فيه أن وقف إطلاق النار مستحيل قبل معرفة النتيجة النهائية لهذه العملية، وإذا كان يمكن تحقيق أهداف المعارضة حقا.

رابعا: روسيا وإيران تعرضوا لضغوط لإسقاط شرط اختيار الذين يمثلون المعارضة. كما تم نقل روسيا وإيران من موقفهم السابق الذي يرى أن وقف إطلاق النار المقترح لا ينبغي أن يبدأ مع اللحظة التي تبدأ عندها العملية ولكن عند نقطة أقرب من ذلك.

خامسا: يتم الضغط على روسيا وإيران أيضا أن كسر وقف إطلاق النار، إذا حدث، ينبغي أن ينظر إليه بطريقة مرنة. واتفقوا على أنه إذا ما تم كسر وقف إطلاق النار من قبل لواء معين يرتبط بمنظمة شاركت في المحادثات، فهذا لا ينبغي أن يؤدي تلقائيا إلى المطالبة بطرد المجموعة كاملة من العملية السياسية. وأن المعارضة السورية ليست جيشا نظاميا.

سادسا: وافقت روسيا على لعب دور الضامن في أي تعهدات يقطعها «بشار الأسد».

يبدو أن العملية برمتها قد انتقلت الآن من قطع متناثرة إلى قطع في أطر محددة. ولكن هذا في حد ذاته، لا يعني الكثير. ونتيجة فيينا تعتمد أساسا على الخطوات العملية المتخذة بعد اجتماع فيينا. وهذه الخطوات سوف تظهر إذا كان من الممكن نحت حل للخروج من الأجزاء والقطع المتاحة.

نقطتان محوريتان

هناك نقطتين تستحقان الاهتمام في هذا السياق وهما دور الأسد خلال 18 شهرا (الفترة الانتقالية)، إضافة إلى المنافسة على الصعيد الإقليمي.

دعونا نلقي نظرة فاحصة على النقطة الأولى وهي دور «الأسد».

بالنسبة لـ«بوتين» وطهران، فإن «الأسد» هو ممثل الدولة السورية القانونية دوليا والتي دعت الطرفان إلى سوريا. وهذه الحالة تعطي ضمان بأن التدخل الروسي والإيراني لا يزال ضمن حدود القانون الدولي، حتى لو كان فقط في إطار شكلي.

الدولة السورية مركزية للغاية حول شخص الرئيس. في حين أنه ليس من المستحيل تصور هيكل الدولة بوضع أقل مركزية، وهذا سوف يطرح السؤال لدى كل من موسكو وطهران ما إذا كان سيتم السماح لهم، في أي وضع جديد، بالبقاء في سوريا.

لا يمكن لأي قوة عالمية أو إقليمية، على وجه اليقين، أن تقوم بضمان وجود روسيا وإيران في المستقبل في سوريا في حال توجب على «الأسد» الرحيل. وحتى لو تم تقديم هذه الضمانات، فمن الصعب أن نتصور أن طهران وموسكو سيكون لديهما ما يكفي لإجراء تغييرات جذرية في سياساتهما بشأن سوريا. ستظل هذه المسألة، في الأذهان الروسية والإيرانية: سؤال المرحلة الانتقالية أو ماذا بعد المرحلة الانتقالية؟

السؤال الثاني الذي يرتبط بلعبة القوى الإقليمية كمكون حقيقي للأزمة. من أول نقطة يصبح من الواضح أن بيت القصيد ليس العثور على أرضية مشتركة للقضية السورية فحسب، ولكن أيضا للوضع الإقليمي. وهذا في الواقع يبدو من الصعب جدا، على الرغم من تفاؤل «كيري».

ومن الواضح أن السلام في سوريا سيستغرق وقتا طويلا لتحقيقه. والذي لا ينبغي أن يستغرق وقتا طويلا هو قتال «داعش». كيف يمكن الجمع بين المطلبين؟ وبعبارة أخرى، هل هو أمر ممكن عمليا أن يتم صب الماء البارد على خطوط القتال بين النظام والمعارضة في حين يتم صب الماء الساخن على الخطوط مع «داعش»؟

يجب أن ينظر إلى وقف إطلاق النار المذكور في بيان فيينا2 كنقطة مركزية من الجهد الدبلوماسي كله في مرحلته الحالية. وبعبارة أخرى، ينبغي النظر إلى العملية في مستويين مختلفين. الأول هو مجمل البيان، والثاني هو عن طريق فصل ذلك في مسارين: ما يحدث حول طاولة المفاوضات وما يحدث على أرض الواقع.

في حين أن مسار الدبلوماسية سوف يواجه صعودا وهبوطا فإن العمليات على أرض الواقع ينبغي أن يتم توجيهها بكل الأسلحة ضد «داعش»، في حين تجري المحادثات في مسارها المصمم.

ولكي يحدث ذلك، فإن كلا من النظام والمعارضة يجب أن يحترما وقف إطلاق النار، والتي ينبغي أن تعامل على أنها نقطة مركزية في كل ما ينتج في فيينا. ولذلك، يجب على مجلس الأمن الدولي رسم حدود وقف إطلاق النار ويرتبط عدم الاحترام بإجراءات عقابية محددة. يجب أن يسمح بالمرونة في النظر في كسر وقف إطلاق النار إلا في الحد الأدنى من الوقت والحالات.

دعونا نتخيل ما قد يرشح في يناير/ كانون الثاني لأول مرة. الوفود تجتمع حول مائدة «دي ميستورا» مع جميع الأطراف ذات الصلة. ويعلو الجميع بالصياح مع ساعات طويلة من الأخذ والعطاء على كل التفاصيل الصغيرة. غضب وعودة مرة أخرى بعد الكشف عن الضغوط بين الحين والآخر. وكل مثل هذه الأشياء العادية المعروفة في مثل هذه المحافل.

بعد، ما يهم حقا هو ما يحدث على أرض الواقع. والسؤال الأساسي هو كيفية نقل ما يحدث على أرض الواقع نحو هدف وحيد واحد: هو «داعش»، بينما تأخذ المفاوضات مسارها؟

إذا وافقت جميع الأطراف المتحاربة على ألا تقوم بمحاربة بعضها البعض، فإنها سوف تقاتل «داعش» معا وهذا سيحدث تلقائيا تقريبا. يمكنك الاعتماد على أن تأسيس «داعش» تم بسبب الغباء حتى لو كانت المعارضة حاولت تجنب ذلك. وهذا لن يساعد فقط في زيادة كبيرة في القدرة على محاربة جماعة إرهابية، ولكن قد يساعد أيضا في تخفيف حدة التوتر في «نادي دي ميستورا» وعلى الأرض على حد سواء.

إن التقسيم الفعلي الحالي في سوريا سيتم حراسة خطوطه من قبل قوات الأمم المتحدة. وكانت هذه الخطة قد ذكرت سابقا لبعض الوقت. وفي حين أن تقسيم سوريا قد يستمر لبعض الوقت، فإن هذا قد يسمح ببعض المساحة للعمل على البعد الإقليمي للأزمة. ولكن مرحلة جديدة، سوف تجلب تحديات جديدة.

إدارة المعارضة للمناطق، واستضافة اللاجئين العائدين أو على الأقل وقف رحيل المدنيين، المعارك مع «داعش» وتحقيق الأمن والنظام في معظم سوريا ليست سوى بعض من هذه التحديات. نأمل، أن يكون هناك دفعة جدية لإعادة توحيد سوريا تنجح في إطار زمني معقول.

الوزير «كيري» عليه أن يبقى الأمور على يديه طول هذا الوقت ولكن الفترة الانتقالية في سوريا ستأخذ 18 شهرا وهي بهذا تمتد إلى ما بعد فترة الإدارة الحالية. لذا قد يكون من المفيد لبعض الوقت أن ينظر في تعيين «كيري» باعتباره المبعوث الرئاسي الخاص لسوريا بعد فترة ولايته.

قد لا يكون هذا خبرا سارا بالنسبة إلى «جون كيري» المتعب. ولكن الأمر يستحق الجهد المبذول لإنقاذ سوريا والمساعدة في إنهاء الجيش الهمجي المدعو «داعش». وفي النهاية، سيكون «كيري» قد ضمن لنفسه مكانا في التاريخ وفي سجلات جائزة نوبل للسلام. لن يكون هناك شخص آخر من شأنه أن يستحق ذلك أكثر من هذا الدبلوماسي الأسطوري.

ترجمة :أسامة محمد

موقع الخليج الجديد