ما سر دوام القوة الأميركية؟

ما سر دوام القوة الأميركية؟

على مدى أكثر من قرن عايش العالم حقبة أميركية، وهي فترة هيمنت عليها قوة الولايات المتحدة وثروتها ومؤسساتها وأفكارها وتحالفاتها وشراكاتها، بيد أن كثيرين يعتقدون الآن أن هذه الحقبة الطويلة تشارف على الانتهاء، ويصرون على أن العالم الذي تقوده الولايات المتحدة يفسح المجال أمام شيء جديد ليحل مكانه، وهو نظام ما بعد أميركا وما بعد الغرب وما بعد الليبرالية، الذي يتميز بمنافسة القوى العظمى وصعود الصين الاقتصادي والجيوسياسي.
بعضهم يرحب بهذا المستقبل المحتمل فرحاً، فيما يستقبله بعضهم الآخر بحزن، لكن القصة تبقى هي نفسها، وهي أن الولايات المتحدة تخسر ببطء موقعها القيادي في التوزيع العالمي للقوة. والآن يتنافس الشرق مع الغرب في الجبروت الاقتصادي والثقل الجيوسياسي، والبلدان في جنوب الكرة الأرضية تنمو بسرعة وتضطلع بدور أكبر على المسرح الدولي.

وبينما يتألق آخرون تفقد الولايات المتحدة بريقها، لذا يشك الأميركيون المكتئبون المنقسمون والمحاصرون بالمتاعب في أن أفضل أيام البلاد قد ولت.

لكن في المقابل فإن المجتمعات الليبرالية في كل مكان تواجه صعوبات، إذ إن القومية والشعبوية قوضتا الأممية [سياسة التعاون الدولية] التي كانت تدعم في السابق زعامة الولايات المتحدة عالمياً، وبعد أن استشعرت كل من الصين وروسيا ضعف الولايات المتحدة هرعتا إلى تحدي الهيمنة الأميركية والليبرالية والديمقراطية بعدوانية.

في فبراير (شباط) 2022 أصدر الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بياناً مشتركاً ذكرا فيه مبادئ “حقبة جديدة” لا تحكم فيها الولايات المتحدة العالم، وكان ذلك بمثابة طلقة تحذيرية [صيحة إيقاظ] للولايات المتحدة التي توشك على الغرق.

لكن في الحقيقة ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة تنهار، وهذه القصة القاسية عن التراجع والانحدار تتجاهل التأثيرات والظروف التاريخية العالمية الأعمق التي ستستمر في جعل الولايات المتحدة الوجود المهيمن الذي ينظم السياسات العالمية في القرن الـ 21.

من بين الأميركيين الـ 104 الذين حصلوا على جوائز نوبل في الكيمياء والطب والفيزياء منذ عام 2000، كان 40 منهم من المهاجرين

من المؤكد أن لا أحد يدرك ما يخبئه المستقبل ولا أحد يسيطر على مستقبله، وفي الواقع سيتشكل النظام العالمي المقبل من خلال قوى سياسية معقدة ومتغيرة ويصعب فهمها وخيارات يتخذها الناس الذين يعيشون في جميع أنحاء العالم.

وعلى رغم ذلك فإن المصادر العميقة للقوة والنفوذ الأميركيين في العالم ستظل قائمة، وفي الحقيقة فمع صعود التوجهات الوقحة المعادية لليبرالية التي اعتمدتها الصين وروسيا، ظهرت هذه السمات والقدرات المميزة بشكل أوضح، ويذكر أن الخطأ الذي ارتكبه المتنبئون بالتراجع الأميركي هو اعتبار الولايات المتحدة ونظامها الليبرالي مجرد إمبراطورية أخرى في طريقها إلى الزوال.

تدور عجلة التاريخ وتنهض إمبراطوريات وتندثر أخرى، والآن ووفق ما يلمحون إليه، حان الوقت الذي ستخبو فيه الولايات المتحدة الهرمة وتتلاشى.

نعم كانت الولايات المتحدة في بعض الأحيان تشبه إمبراطورية على الطراز القديم، لكن دورها في العالم يعتمد على أكثر من مجرد سلوكها الإمبراطوري السابق، فالسلطة الأميركية ليست متوقفة على القوة البحتة وحسب، بل أيضاً على الأفكار والمؤسسات والقيم المحبوكة بشكل معقد في نسيج الحداثة، ومن الأفضل النظر إلى النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ليس على أنه إمبراطورية بل نظام عالمي، وبنية سياسية مترامية الأطراف ومتعددة الأوجه تزخر بالتقلبات وتخلق فرصاً للناس في جميع أنحاء الكوكب.

وعاود هذا النظام نشاطه أخيراً في رد فعله العالمي على الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي الواقع فإن الصراع بين الولايات المتحدة وخصميها الصين وروسيا هو منافسة بين منطقين بديلين في النظام العالمي، حيث تدافع الولايات المتحدة عن نظام دولي قادته على مدى ثلاثة أرباع قرن، نظام مفتوح ومتعدد الأطراف يرتكز على مواثيق وشراكات أمنية مع الديمقراطيات الليبرالية الأخرى، وفي المقابل تسعى الصين وروسيا إلى نظام دولي يزيل القيم الليبرالية الغربية عن عرشها، نظام أكثر تقبلاً للتكتلات الإقليمية ومناطق النفوذ والاستبداد.

تدعم الولايات المتحدة نظاماً دولياً يحمي مصالح الديمقراطية الليبرالية ويدعمها، فيما تأمل الصين وروسيا، كل على طريقته الخاصة، في بناء نظام دولي يحمي الحكم الاستبدادي من قوى الحداثة الليبرالية التي تشكل تهديداً.

تقدم الولايات المتحدة للعالم رؤية لنظام عالمي في فترة ما بعد الإمبريالية، بينما يعمد القادة الحاليون لروسيا والصين بشكل متزايد إلى صياغة سياسات خارجية تكون متجذرة في الحنين إلى الماضي الإمبراطوري.

هذا الصراع بين الأنظمة العالمية الليبرالية وغير الليبرالية هو صدى للمنافسات والصراعات الكبرى في القرن الـ 20.

في لحظات مهمة سابقة وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، انتهجت الولايات المتحدة أجندة تقدمية للنظام العالمي، واستندت نوعاً ما إلى القوة الأميركية الواضحة المتمثلة في قدرات الدولة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية التي لا تضاهى.

إذاً ستبقى الولايات المتحدة في مركز النظام العالمي وسبب ذلك جزئياً هو تلك القدرات المادية ودورها كمحور في ميزان القوى العالمي، وفي الوقت نفسه ستظل الولايات المتحدة مهمة لسبب آخر، وهو جاذبية أفكارها ومؤسساتها وقدراتها على بناء شراكات وتحالفات تجعلها قوة لا غنى عنها خلال السنوات المقبلة، ولطالما كان ذلك، وقد يظل، سر قوتها ونفوذها.

وعلى رغم التصريحات المتكررة عن اقتراب نهايتها كقائدة للعالم، إلا أن الولايات المتحدة لم تتراجع حقاً، فلقد بنت نظاماً مميزاً استطاعت أن تلعب فيه دوراً أساسياً.

من الصعب تخيل الصين بمجتمعها المدني المتقلص والمنغلق على العالم، مركزاً مستقبلياً للنظام العالمي

وفي مواجهة تهديد الخصوم غير الليبراليين، يبقى هذا النظام مطلوباً على نطاق واسع، والسبب في عدم التراجع الأميركي هو أن الأعضاء المشاركين في هذا النظام الحالي لهم مصلحة في أن تظل الولايات المتحدة نشطة وتستمر في المشاركة في الحفاظ على هذا النظام، وحتى لو تضاءلت القوة المادية الأميركية بالنسبة إلى قدرات الصين المتنامية على سبيل المثال، فإن النظام الذي بنته الولايات المتحدة سيستمر في تعزيز قوتها وريادتها.

في الواقع يمكن للقوة أن تخلق النظام، لكن النظام الذي تترأسه واشنطن يمكنه أيضاً أن يدعم القوة الأميركية.

والنظام الليبرالي الدولي الأميركي يشبه البصلة، فهو يتألف من طبقات عدة، تمثل الطبقة الخارجية أفكار الولايات المتحدة ومشاريعها الليبرالية الدولية التي من خلالها وفرت للعالم “طريقاً ثالثاً” بين فوضى الدول التي تتنافس بشدة مع بعضها بعضاً والتسلسل الهرمي المتعجرف الذي تتسم به الأنظمة الإمبريالية، وهذا الترتيب قدم مزيداً من المكاسب لعدد أكبر من الناس مقارنة بأي بديل سابق. تحت الطبقة الخارجية استفادت الولايات المتحدة من جغرافيتها ومسارها الفريد للتطور السياسي، فهناك محيطات تفصل بينها وبين القوى العظمى الأخرى، وكتلة أراضيها تواجه كلاً من آسيا وأوروبا، كما أنها تكتسب نفوذاً من خلال لعب دور فريد كمؤثر عالمي في ميزان القوى، وإضافة إلى ذلك أتيحت للولايات المتحدة فرص حاسمة في أعقاب الصراعات الكبرى في القرن الـ 20 لبناء تحالفات تضم الدول ذات التفكير المماثل التي تشكل وترسي القواعد والمؤسسات العالمية.

ووفق ما تظهره الأزمة الحالية في أوكرانيا، فهذه القدرة على حشد تحالفات مؤلفة من الدول الديمقراطية تظل أحد العناصر القيّمة الأساس بالنسبة إلى واشنطن، وتحت الطبقة التي تمثل الحكومة والدبلوماسية يكمن المجتمع المدني المحلي الأميركي الثري بقاعدته الشاملة لمهاجرين متعددي الأعراق والثقافات، يربط البلاد بالعالم في شبكات نفوذ غير متوافرة للصين وروسيا وقوى أخرى.

أخيراً، في النواة [في قلب البصلة]، تتمثل إحدى أعظم نقاط قوة الولايات المتحدة وهو قدرتها على الفشل، فبصفتها مجتمعاً ليبرالياً يمكنها الاعتراف بنقاط ضعفها وأخطائها والسعي إلى الأفضل، وهي ميزة واضحة تعطيها أفضلية على منافسيها غير الليبراليين في مواجهة الأزمات والنكسات.

في الحقيقة لم تتمتع أية دولة بمثل هذه المجموعة الشاملة من المزايا في التعامل مع الدول الأخرى، وهذا هو السبب الذي جعل الولايات المتحدة تتمتع بقوة البقاء في القمة لفترة طويلة على رغم الإخفاقات الدورية وخيبات الأمل. في نزاع اليوم حول النظام العالمي يجب على الولايات المتحدة أن تستفيد من هذه المزايا وتاريخها الطويل في بناء نظام ليبرالي لكي تقدم للعالم مرة أخرى رؤية شاملة لنظام منفتح وقائم على القواعد يمكن للناس فيه أن يعملوا معاً بحرية من أجل تقدم أحوال البشر.

طريق أميركي ثالث

على مدى أكثر من قرن كانت الولايات المتحدة بطلة نظام مختلف عن الأنظمة الدولية السابقة، وتمثل الأممية الليبرالية التي تنتهجها واشنطن “طريقاً ثالثاً” بين الفوضى (الأنظمة المبنية على توازن القوى بين الدول المتنافسة) والتسلسل الهرمي (الأنظمة التي تستند إلى هيمنة القوى الإمبريالية)، وبعد الحرب العالمية الثانية ومرة ​​أخرى بعد نهاية الحرب الباردة سيطرت الأممية الليبرالية على المنطق الحديث للعلاقات الدولية وحددتها من خلال بناء مؤسسات مثل الأمم المتحدة والتحالفات مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقد ارتبط الناس في جميع أنحاء العالم بهذه المنصات الحكومية الدولية واعتمدوا عليها لتعزيز مصالحهم، وإذا سعت الصين وروسيا إلى إطلاق نظام عالمي جديد فسيتعين عليهما تقديم شيء أفضل، وهي مهمة شاقة بالفعل.

كان الجيل الأول من الأمميين الليبراليين في أواخر القرن الـ 18 وأوائل القرن الـ 19 ورثة رؤية “التنوير”، وهو اعتقاد رأى أنه من خلال المنطق والعلم والمصالح الذاتية المدروسة ستتمكن المجتمعات من بناء أنظمة سياسية تسهم في تحسين حال الإنسان، ولقد تصور أنه يمكن تصميم المؤسسات والأنظمة السياسية من أجل حماية الديمقراطية الليبرالية وتعزيزها، ويمكن أن يكون النظام الدولي منتدى لا يقتصر دوره على شن الحرب والسعي إلى تحقيق الأمن وحسب، بل أيضاً على حل المشكلات بشكل جماعي.

آمن الأمميون الليبراليون بالتغيير السلمي لأنهم افترضوا أن المجتمع الدولي، كما جادل وودرو ويلسون “قابل للإصلاح”، ويمكن للدول ترويض سياسات القوة العدوانية والمثيرة للشقاق وبناء علاقات مستقرة حول السعي إلى تحقيق مكاسب متبادلة.

لم يتغير الهدف الأساس لبناء النظام الليبرالي وهو إنشاء نظام بيئي تعاوني تدير فيه الدول، بدءاً من الديمقراطيات الليبرالية، علاقاتها الاقتصادية والأمنية المتبادلة، وتخلق توازناً بين قيمها المتضاربة في كثير من الأحيان، وتحمي حقوق مواطنيها وحرياتهم. صحيح أن فكرة بناء نظام دولي حول القواعد والمؤسسات لا تقتصر على الولايات المتحدة أو الليبراليين الغربيين أو العصر الحديث، لكن بنية النظام الأميركي فريدة من نوعها في ما يتعلق بوضع هذه الأفكار في صميم جهود البلاد، فما كان على الولايات المتحدة أن تقدمه هو مجموعة من الحلول لأهم مشكلات في العلاقات الدولية، أي مشكلات الفوضى والتسلسل الهرمي والاعتماد المتبادل.

المتنبئون بالتراجع الأميركي مخطئون

وفي ذلك الإطار يدعي المفكرون الواقعيون [الذين يؤمنون بالنظرية الواقعية Realism للعلاقات الدولية] أن الدول في حال أساس من الفوضى (Anarchy) تحد من إمكانات التعاون، ولا توجد سلطة سياسية فوق الدولة في فرض النظام أو التحكم بالعلاقات، ولذلك يجب على الدول أن تعتمد على أنفسها.

وفي المقابل لا ينكر الأمميون الليبراليون أن الدول تسعى وراء مصالحها الخاصة، غالباً من خلال الوسائل التنافسية، لكنهم يعتقدون أن فوضى تلك المنافسة يمكن أن تكون محدودة، وفي الواقع يمكن للدول، بدءاً من الديمقراطيات الليبرالية، استخدام المؤسسات باعتبارها عناصر أساس للتعاون والسعي إلى تحقيق مكاسب مشتركة، ويقدم القرن الـ 20 دليلاً دامغاً على هذه الأنواع من الترتيبات الليبرالية، فبعد الحرب العالمية الثانية وفي ظل الحرب الباردة، أنشأت الولايات المتحدة وحلفاؤها وشركاؤها نظاماً معقداً ومترامي الأطراف من المؤسسات لا يزال قائماً حتى اليوم، على غرار الأمم المتحدة ومؤسسات “بريتون وودز” والأنظمة المتعددة الأطراف في مجالات متنوعة من التجارة والتنمية والصحة العامة والبيئة وحقوق الإنسان، وحدثت تحولات كبيرة في التوزيع العالمي للقوة خلال العقود التي تلت عام 1945، لكن التعاون لا يزال سمة أساسية للنظام العالمي، ومشكلات التسلسل الهرمي هي نقيض مشكلات الفوضى، فالتسلسل الهرمي هو نظام سياسي يتم الحفاظ عليه من خلال هيمنة دولة رائدة تتجلى كإمبراطورية في الحالات القصوى وتقلق الدولة الرائدة في شأن كيفية بقائها في القمة وكسب تعاون الآخرين، وممارسة السلطة الشرعية في تشكيل السياسة العالمية.

وفي منحى مقابل تقلق الدول والمجتمعات الأضعف في شأن الهيمنة عليها، وتنشأ لديها رغبة في التخفيف من عيوبها ونقاط ضعفها الناجمة عن كونها عاجزة، وفي مثل هذه الظروف يجادل الأمميون الليبراليون بأن القواعد والمؤسسات يمكن أن تكون في الوقت نفسه حماية للضعفاء وأدوات للأقوياء.

في النظام الليبرالي توافق الدولة الرائدة على التصرف ضمن إطار مجموعة متفق عليها من القواعد والمؤسسات المتعددة الأطراف وعدم استخدام سلطتها لإكراه الدول الأخرى، وتسمح القواعد والمؤسسات لها بأن تبين قدرتها على ضبط النفس والالتزام للدول الأضعف التي قد تخشى قوتها، وبطريقة موازية تستفيد الدول الأضعف أيضاً من هذه الصفقة المؤسسية لأنها تخفف أسوأ أشكال الإفراط في استخدام السلطة التي قد تمارسها عليها الدولة المهيمنة، كما أنها تسمح لهذه الدول بإيصال صوتها والتعبير عن آرائها حول طريقة عمل النظام.

تم اتباع هذا المنطق الفريد من نوعه في تاريخ العالم من قبل النظام الذي ظهر بعد العام 1945 بقيادة الولايات المتحدة، وهو نظام هرمي ذو خصائص ليبرالية.

في الواقع استخدمت الولايات المتحدة موقعها القيادي كقوة اقتصادية وعسكرية رائدة في العالم من أجل توفير المنافع العامة المختصة بالحماية الأمنية وانفتاح الأسواق ورعاية القواعد والمؤسسات، ولقد ربطت نفسها بالحلفاء والشركاء من خلال التحالفات والمنظمات المتعددة الأطراف، وفي المقابل فهي تدعو إلى مشاركة الدول الأخرى وامتثالها، بدءاً من النظام الفرعي في الديمقراطيات الليبرالية الموجودة في الغالب في شرق آسيا وأوروبا وأوقيانوسيا، وكثيراً ما انتهكت الولايات المتحدة هذه الصفقة، وحرب العراق هي مثال مرير وكارثي بشكل خاص على قيام واشنطن بتقويض النظام الذي بنته، فلقد استخدمت موقعها المميز للتلاعب بالقواعد المتعددة الأطراف لمصلحتها والعمل من جانب واحد من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية ضيقة، لكن وعلى رغم هذا السلوك فإن المنطق العام للنظام يمنح كثيراً من البلدان حول العالم، لا سيما الديمقراطيات الليبرالية، حوافز للانضمام إلى الولايات المتحدة عوضاً عن أن تكون قوة مقابلة وموازنة لها.

ويذكر أن مشكلات الاعتماد المتبادل تنبع من الأخطار ونقاط الضعف التي تواجهها البلدان عندما تصبح أكثر تشابكاً مع بعضها بعضاً، وابتداء من القرن الـ 19 استجابت الديمقراطيات الليبرالية للفرص والأخطار الناجمة عن الترابط الاقتصادي والأمني ​​والبيئي من خلال بناء بنية تحتية دولية من القواعد والمؤسسات، بهدف تسهيل التدفقات والمعاملات عبر الحدود. ومع نمو الاعتماد المتبادل عالمياً تزداد الحاجة إلى تنسيق متعدد الأطراف للسياسات، مما يتطلب فرض بعض القيود على الحكم الذاتي الوطني، بيد أن المكاسب الناتجة من التنسيق تفوق هذه الكلف أكثر فأكثر مع تكثيف الاعتماد المتبادل، وقد دافع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن هذه الفكرة خلال مناشدته للمندوبين الذين واجهوا المشكلات المالية والنقدية في فترة ما بعد الحرب [العالمية الثانية] خلال “مؤتمر بريتون وودز” في يوليو (حزيران) 1944.

من الممكن الحصول على مكاسب كبيرة من التجارة والاستثمار عبر الحدود، ولكن كان لا بد من حماية الاقتصادات المحلية من الإجراءات الاقتصادية المزعزعة للاستقرار التي تتخذها الحكومات غير المسؤولة، وهذا المنطق مطبق على نطاق واسع اليوم داخل النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

في كل من هذه المجالات تجلس الولايات المتحدة في صميم نظام ليبرالي يقدم حلولاً مؤسسية لأكثر المشكلات أهمية في السياسة العالمية، ولقد كانت واشنطن نصيراً غير كامل لهذه الجهود الرامية إلى تشكيل بيئة تعمل فيها العلاقات الدولية جيداً.

في الواقع ينبع جزء كبير من النقد الموجه إلى الولايات المتحدة كقائدة عالمية من فكرة أنها لم تفعل ما يكفي لتحريك العالم نحو هذا “الطريق الثالث” وأن النظام الذي تترأسه هرمي للغاية، ولكن هذه هي النقطة المهمة على وجه التحديد، فإذا كان العالم يريد أن ينظم نفسه من أجل حل مشكلات القرن الـ 21 فسيحتاج إلى الاعتماد على هذا النظام الذي تقوده الولايات المتحدة وليس رفضه، وإذا أراد العالم أن يتجنب الحالات القصوى من الفوضى والتسلسل الهرمي فسوف يحتاج إلى أممية ليبرالية أكثر وليس أقل.

لقد استفادت الصين وروسيا من هذا النظام، وتبدو رؤيتهما الرجعية المتطرفة إلى نظام ما بعد أميركا وكأنها خطوة إلى الوراء أكثر من كونها خطوة إلى الأمام.

الإمبراطورية المضادة للإمبراطورية

الولايات المتحدة قوة عالمية لا تشبه أياً من سابقاتها، وهذه خاصية مميزة يعود جانب كبير منها إلى طبيعة صعودها غير العادية، فمن بين القوى العظمى هي الوحيدة التي نشأت في “العالم الجديد”، وخلافاً للولايات المتحدة فإن القوى العظمى الأخرى، بما في ذلك الصين وروسيا، تجد نفسها ضمن مناطق جيوسياسية مزدحمة تكافح من أجل الحصول على مساحة تهيمن فيها، ومنذ بداية مسيرتها المهنية كقوة عظمى كانت الولايات المتحدة بعيدة من منافسيها الرئيسين، لكنها وجدت نفسها مراراً وتكراراً في مواجهة جهود خطرة وعنيفة في كثير من الأحيان تبذلها القوى العظمى الأخرى من أجل توسيع إمبراطورياتها ومجالات نفوذها الإقليمية، وفي الواقع أسهمت هذه الظروف في صقل مؤسسات الولايات المتحدة وطريقة تفكيرها في شأن النظام الدولي وقدراتها على إظهار القوة والنفوذ.

لطالما أعطى هذا البعد عن القوى الأخرى للولايات المتحدة مساحة من أجل بناء نظام حديث من طراز جمهوري، وكان الآباء المؤسسون مدركين تماماً لهذا التفرد، فمع وجود القوى الأوروبية في مكان بعيد وراء المحيط استطاعت الولايات المتحدة حماية تجربتها للحكومة الجمهورية من التعديات الأجنبية. في (الأوراق الفيدرالية) The Federalist Papers [مجموعة من 85 مقالة]، جادل ألكسندر هاملتون بأن الفضل في تمتع المملكة المتحدة بمؤسسات ليبرالية يعود نسبياً إلى موقعها، ولو كانت بريطانيا تقع في القارة واضطرت إلى أن تجعل مؤسساتها العسكرية في الداخل مشتركة مع القوى العظمى الأخرى في أوروبا، فإنها على غرار تلك القوى كانت ستتحول على الأرجح في يومنا هذا إلى ضحية للسلطة المطلقة لرجل واحد”.

وعلى نحو مماثل كانت الولايات المتحدة محظوظة أيضاً، فبينما اضطر نظراؤها الأوروبيون إلى تطوير قدرات الدولة القوية من أجل تعبئة الجنود والعتاد وقيادتهم بسرعة لشن حروب لا تنتهي في القارة، لم تفعل الولايات المتحدة ذلك، وعوضاً عن ذلك بدأت على شكل محاولة هشة لبناء دولة ضعيفة مؤسسياً ومنقسمة، بحكم تصميمها، لمنع ظهور الاستبداد في الداخل.

إذاً، فعزلة الولايات المتحدة منحتها فرصة للنجاح، وبعبارة أكثر بساطة فإن الموارد الطبيعية الهائلة في القارة منحت الولايات المتحدة القدرة على النمو، وبحلول مطلع القرن الـ 20 انضمت الولايات المتحدة إلى عالم القوى العظمى نداً لنظرائها الأوروبيين، لكنها أصبحت قوية بشكل لم يكن أحد يتوقعه، ولم تعقها مساعي إحلال التوازن [وبناء قوى مقابلة] التي تظهر بوضوح في كثير من الأحيان في العلاقات بين القوى المتنافسة في أوروبا وشرق آسيا، ويذكر أن تجربة الولايات المتحدة المعزولة في الحكم الجمهوري صقلت حتماً طريقة تفكيرها في شأن النظام الدولي، فأحد أقدم المخاوف في التقليد الجمهوري الليبرالي، التي لاحظها أصحاب النظريات عبر العصور القديمة والحديثة، هو التأثير الضار الذي تخلفه الحرب وسياسات القوة والإمبريالية على المؤسسات الليبرالية، وتاريخياً كانت الجمهوريات عرضة للضرورات والدوافع غير الليبرالية التي تولدها الحرب والمنافسة الجيوسياسية.

في الواقع يمكن أن تؤدي الحرب والتوسع الإمبراطوري إلى عسكرة المجتمع وإعادة تنظيمه وفتح الباب أمام “الدولة الحامية” وتحويل أثينا محتملة إلى أسبرطة [أثينا وإسبرطة مدينتان يونانيتان، الأولى شكلت مركزاً قديماً للتعلم والفلسفة والفنون، والثانية تميزت بقوتها العسكرية].

إذاً فقضية حماية الاستقلال الوطني تقوض الحريات، ولقد دافع المؤسسون الأميركيون عن الوحدة بين المستعمرات من خلال الإصرار على أنه إذا تركت دول ما بعد الاستعمار من دون قيود فهي ستخشى بعضها بعضاً وتضفي الطابع العسكري على مجتمعاتها.

why-american-power-endures.jpg
متظاهرون مناهضون للحكومة في هونغ كونغ [يرفعون الأعلام الأميركية]، سبتمبر 2019 (رويترز)

وهذا القلق لم يمنع الولايات المتحدة من الانضمام إلى عالم القوى العظمى أو من أن تصبح في نهاية المطاف أكبر قوة عسكرية في العالم، وعلى رغم ذلك فإن هذا القلق الجمهوري أبقى على فكرة الأممية الليبرالية قيد الحياة، والتي يعود تاريخها لإيمانويل كانط ومفكري عصر التنوير الآخرين، ومفادها أن المجتمعات يمكن أن تحمي أسلوب حياتها بشكل أفضل من خلال العمل معاً وخلق مناطق سلام تدفع الدول الاستبدادية والغاشمة نحو الأطراف الهامشية، وقد ساعد هذا التوجه في تشكيل استجابة الولايات المتحدة للظروف الجيوسياسية التي واجهتها كقوة عظمى صاعدة في أوائل القرن الـ 20 في عالم تهيمن عليه الإمبراطوريات.

لبعض الوقت كانت الولايات المتحدة منخرطة في بناء إمبراطوريات في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، وذلك جزئياً للتنافس مع أقرانها، وفي الواقع فكل واحدة من القوى العظمى المماثلة للولايات المتحدة خلال هذه الحقبة كانت تسعى وراء إنشاء إمبراطورية بطريقة أو بأخرى، ثم بلغ هذا النظام العالمي الإمبراطوري ذروته أواخر ثلاثينيات القرن الماضي عندما شنت ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية حروباً عدوانية ضمن إقليميهما، ومع إضافة الاتحاد السوفياتي والإمبراطورية البريطانية المترامية الأطراف إلى القائمة، ظهر المستقبل وكأن العالم ينقسم فيه بشكل دائم إلى كتل ومجالات نفوذ ومناطق إمبريالية لها ثقلها.

في هذا الوضع القاتم في منتصف القرن الـ 20، اضطرت الولايات المتحدة إلى التفكير في نوع النظام الذي تريد تحقيقه، وكان السؤال الذي واجهه الاستراتيجيون الأميركيون، بخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على العمل كقوة عظمى في عالم تمزقه الإمبراطوريات، وإذا هيمنت التكتلات الإمبراطورية على مساحات شاسعة من أوراسيا فهل يمكن أن تكون الولايات المتحدة قوة عظمى بينما تعمل في نصف الكرة الغربي وحسب؟

كلا، لقد اتفق صناع القرار والمحللون على أنه لا يمكنها ذلك، ولكي تكون الولايات المتحدة قوة عالمية فستحتاج إلى الوصول للأسواق والموارد في جميع أنحاء العالم، وما قاد هذا الحكم هو الضرورات الاقتصادية والأمنية، بقدر المبادئ السامية.

لم تُشر المصالح والطموحات الأميركية إلى عالم تنضم فيه الولايات المتحدة ببساطة إلى القوى العظمى الأخرى في إدارة إمبراطورية، بل إلى عالم سيجري فيه التخلص من الإمبراطوريات وتنفتح جميع المناطق أمام إمكان وصول متعدد الأطراف.

بهذه الطريقة كانت الولايات المتحدة فريدة من نوعها بين أقرانها في استخدام قوتها وموقعها من أجل تقويض النظام العالمي الإمبريالي، وقد أبرمت تحالفات وصفقات مع دول إمبريالية في لحظات مختلفة وأطلقت مسيرة مهنية قصيرة بصفتها إمبراطورية [لعبت دور إمبراطورية لفترة قصيرة] في مطلع القرن الـ 20 في أعقاب الحرب الإسبانية – الأميركية، لكن الدافع المهيمن لاستراتيجية الولايات المتحدة خلال تلك العقود كان السعي إلى نظام علاقات بين القوى العظمى في فترة ما بعد الإمبريالية، وبناء نظام دولي يكون منفتحاً وودياً ومستقراً، منفتحاً بمعنى إمكان التجارة والتبادل عبر المناطق، وودياً بمعنى أنه لن تكون أي من هذه المناطق تحت سيطرة قوة عظمى غير ليبرالية منافسة تسعى إلى إغلاق مجال نفوذها في وجه العالم الخارجي، ومستقراً بمعنى أن نظام ما بعد الإمبريالية هذا سوف يرتكز على مجموعة من القواعد والمؤسسات المتعددة الأطراف التي من شأنها أن تمنحه شرعية واسعة وقدرة على التكيف مع التغيير وقوة البقاء والصمود في المستقبل.

ويشار إلى أن موقع الولايات المتحدة الجغرافي وتوليها زمام السلطة في عالم من الإمبراطوريات، وفّرا الإطار المناسب لاستراتيجية مميزة في بناء النظام، إذاً كانت ميزتها النسبية هي موقعها الخارجي وقدرتها على إقامة تحالفات وشراكات من أجل تقويض مساعي الهيمنة التي تبذلها القوى العظمى الاستبدادية والفاشية والسلطوية في شرق آسيا وأوروبا، وما يقلق عدداً من البلدان في تلك المناطق الآن هو تخلي الولايات المتحدة عنها أكثر من هيمنتها عليها، ونتيجة لذلك فإن التحالفات التي ترافقها أصول ثابتة مثل القواعد العسكرية وعمليات نشر القوات في المواقع الأمامية، لا توافر للشركاء الأمن وحسب، بل توافر أيضاً درجة أكبر من اليقين في شأن التزام الولايات المتحدة.

هذا التلاقي بين الظروف الجغرافية والسمات السياسية الليبرالية قام بمنح الولايات المتحدة قدرة فريدة على العمل مع الدول الأخرى، وفي الواقع فلدى واشنطن أكثر من 60 شراكة أمنية في جميع مناطق العالم، في حين أن الصين لا تملك سوى علاقات أمنية متفرقة مع جيبوتي وكوريا الشمالية وعدد قليل من البلدان الأخرى.

القوة الجماعية

لا تكمن مزايا النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في ما صنعته واشنطن وحسب، بل أيضاً في الطريقة التي خلقت فيها هذا النظام، إذ لم تصبح الولايات المتحدة قوة عظمى من خلال الغزو، وعوضاً عن ذلك انتهزت الفرص ودخلت في الفراغات الجيوسياسية التي نشأت في نهايات الحروب الكبرى من أجل تشكيل السلام، وقد حدثت هذه اللحظات بعد الحربين العالميتين والحرب الباردة، عندما كانت الاضطرابات في علاقات القوى العظمى قد تركت النظام العالمي وعالم الإمبراطوريات القديم في حال يرثى لها، وخلال هذه المرحلة الحاسمة أظهرت الولايات المتحدة قدرتها على بناء تحالفات بين الدول من أجل التوصل إلى شروط جديدة لتشكيل النظام العالمي، وخلال القرن الـ 20 طغى هذا النهج القائم على التسويات والائتلافات، المُعتمَد في بناء النظام، على الجهود العدوانية التي بذلتها القوى العظمى غير الليبرالية المتنافسة من أجل تشكيل المستقبل، وعملت الولايات المتحدة مع الديمقراطيات الأخرى من أجل تحقيق نتائج جيوسياسية إيجابية.

في الواقع يستمر أسلوب القيادة هذا في منح الولايات المتحدة أفضلية في تشكيل شروط النظام العالمي اليوم، وفي ثلاث لحظات محورية خلال القرن الماضي، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ومرة ​​أخرى في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وجدت الولايات المتحدة نفسها ضمن الطرف الفائز في الصراعات الكبرى، وكان النظام القديم في حال خراب، وكان لا بد من بناء شيء جديد.

في كل وضع كانت واشنطن تسعى إلى القيام بأمور تتجاوز حدود استعادة توازن القوى، ولقد رأت الولايات المتحدة نفسها في صراع مع القوى العظمى المعتدية غير الليبرالية، إذ إنها عارضت مبادئ النظام العالمي ودافعت عن طريقة الحياة الديمقراطية الليبرالية، وفي كل حال اعتبر الحشد من أجل الحرب ومنافسة القوى العظمى بمثابة صراع أفكار ورؤى.

وفي ذلك الإطار وجه قادة الولايات المتحدة رسالة إلى مواطنيهم، إذا دفعتم الثمن وتحملتم أعباء هذا الصراع فسنسعى إلى بناء ولايات متحدة أفضل ونظام عالمي أكثر ملاءمة.

لقد سعت الولايات المتحدة إلى تنظيم العالم بشكل أفضل عندما انقلب العالم نفسه رأساً على عقب.

لا يستطيع العالم تحمل نهاية الحقبة الأميركية

اختارت الولايات المتحدة ممارسة سلطتها في هذه اللحظات الحاسمة من خلال العمل مع الديمقراطيات الأخرى، وفي الأعوام 1919 و1945 و1989 اعتبرت الولايات المتحدة العضو الأبرز في تحالف الدول (الحلفاء والأمم المتحدة و”العالم الحر” على التوالي) الذي انتصر في الحرب وتفاوض على شروط السلام اللاحق، وقدمت القيادة والقوة المادية اللتين غيرتا مسار كل حرب، وقد أكد المسؤولون الأميركيون أهمية بناء تحالفات بين الدول الديمقراطية الليبرالية وتعزيزه، وفي ذلك السياق جادل عدد كبير من رؤساء الولايات المتحدة، بمن فيهم ويلسون وروزفلت وهاري ترومان وجورج دبليو بوش، بأن صمود البلاد ورفاهها يجب أن يكونا مستندين إلى بناء كتلة كبيرة من الشركاء والحلفاء الذين يشاركونهم التفكير نفسه [الذين يرغبون أيضاً في إقامة هذه التحالفات].

في عالم من الخصوم الاستبداديين والعدائيين والأقوياء، خلصت الولايات المتحدة والديمقراطيات الليبرالية الأخرى مراراً وتكراراً إلى أنها ستكون أكثر أماناً إذا ما عملت كمجموعة لا إن عملت بمفردها، وكما قال روزفلت في يناير (كانون الثاني) 1944، “لقد انضممنا إلى الأشخاص ذوي التفكير المماثل من أجل الدفاع عن أنفسنا في عالم تعرض لتهديد حكم العصابات الخطر”، لكن هذا لا ينفي أن الدول الليبرالية كانت على استعداد دائماً للتحالف مع الدول غير الديمقراطية ضمن ائتلافات أكبر، وخلال الحرب الباردة ومرة ​​أخرى اليوم، تحالفت الولايات المتحدة مع دول عميلة استبدادية في جميع أنحاء العالم ودخلت في شراكة معها، وعلى رغم ذلك، في تلك الفترات، كان الدافع الأساس من ذلك هو بناء استراتيجية أميركية كبرى حول نواة ديناميكية من الدول الليبرالية في شرق آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية وأوقيانوسيا.

في الحقيقة فإن التضامن الديمقراطي يخلق أيضاً بيئة مناسبة لتوليد الأفكار التقدمية وجذب الدعم العالمي، فالأمن الجماعي (الذي حدده ويلسون في خطابه الشهير عن ’المبادئ الـ 14‘ على أنه “ضمانات متبادلة تتعلق بالاستقلال السياسي وسلامة أراضي الدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء”)، والحريات الأربع (أهداف روزفلت لنظام ما بعد الحرب، حرية التعبير وحرية العبادة والتحرر من العوز والتحرر من الخوف)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، على سبيل المثال، كلها أفكار عظيمة تبلورت نتيجة منافسات القوى العظمى، إذاً فالصراع حول النظام العالمي الذي يجري بين الولايات المتحدة ومنافستيها المستبدتين الصين وروسيا، يقدم فرصة جديدة من أجل تعزيز المبادئ الديمقراطية الليبرالية في جميع أنحاء العالم.

موطن عالمي

لا تعتبر الولايات المتحدة مجرد قوة عظمى فريدة من نوعها، بل هي أيضاً مجتمع فريد من نوعه، وخلافاً لمنافسيها من القوى العظمى فإن الولايات المتحدة هي بلد مهاجرين متعدد الثقافات والأعراق، أو ما أطلق عليه المؤرخ فرانك نينكوفيتش “جمهورية عالمية”.

لقد جاء العالم إلى الولايات المتحدة، ونتيجة لذلك فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجميع مناطق العالم من خلال الروابط الأسرية والعرقية والثقافية، وهذه العلاقات المعقدة والواسعة النطاق التي تعمل خارج مجال الحكومة والدبلوماسية، تجعل الولايات المتحدة وثيقة الصلة ومنخرطة في جميع أنحاء العالم، فالولايات المتحدة أكثر دراية بالعالم الخارجي، والعالم الخارجي يتأثر بشدة بما يحدث داخل الولايات المتحدة، ويشار إلى أن التقاليد المتعلقة بالهجرة في الولايات المتحدة كانت مفيدة أيضاً في بناء قاعدة رأس المال البشري في البلاد، ومن دون تلك الثقافة المرتبطة بالهجرة ستكون الولايات المتحدة أقل ثراء وتميزاً في المجالات المعرفية الرائدة، بما في ذلك الطب والعلوم والتكنولوجيا والتجارة والفنون، فمن بين الأميركيين الـ 104 الذين حصلوا على جوائز نوبل في الكيمياء والطب والفيزياء منذ عام 2000، كان 40 منهم من المهاجرين، وفي سياق متصل يرغب الطلاب الصينيون في القدوم إلى الولايات المتحدة لتلقي تعليمهم الجامعي، وفي المقابل لا يتزاحم الطلاب الأجانب على الجامعات الصينية بمعدلات مماثلة.

الولايات المتحدة جمهورية عالمية بشكل فريد

تماماً كما يربطها تنوع سكانها بالعالم، فإن الولايات المتحدة تتضمن مزيجاً من مجموعات المجتمع المدني يبني شبكة ذات نفوذ منتشرة عالمياً، وخلال القرن الماضي أصبح المجتمع المدني الأميركي يشكل بشكل متزايد جزءاً من مجتمع مدني عالمي شامل، وغالباً ما يُعتبر هذا المجتمع المدني العابر للحدود والمترامي الأطراف مصدراً للنفوذ الأميركي متغاضى عنه في كثير من الأحيان، وهو يعزز التعاون والتضامن عبر العالم الديمقراطي الليبرالي.

وفي المقابل فلدى الصين وروسيا أيضاً شبكاتهما السياسية والجاليات الخاصة بهما، بيد أن المجتمع المدني العالمي يميل إلى تعزيز المبادئ الليبرالية مما يضخم مركزية الولايات المتحدة في المواجهات العالمية حول النظام العالمي.

واستكمالاً، يأتي المجتمع المدني في مظاهر عدة، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية والجامعات ومراكز البحوث والجمعيات المهنية والهيئات الإعلامية والمؤسسات الخيرية والفئات الاجتماعية والجماعات الدينية، وخلال العقود الأخيرة تكاثرت مجموعات المجتمع المدني وانتشرت في جميع أنحاء العالم، وتنخرط أبرز هذه المجموعات في مناصرة المسائل العابرة للحدود التي تركز على قضايا مثل البيئة وحقوق الإنسان والمساعدة الإنسانية وحماية الأقليات والتربية المدنية وما إلى ذلك، وفي الواقع فهذه الجماعات الناشطة هي على الأقل جزئياً نتاج النظام الدولي الليبرالي ما بعد الحرب، ومن خلال عمل تلك المجموعات داخل وحول الأمم المتحدة والمؤسسات العالمية الأخرى فإنها استفادت من المبادئ والمعايير المثالية التي تتبناها الدول الليبرالية، وهي تناضل من أجل مساءلة تلك الدول ومحاسبتها.

غالباً ما يستهدف النشاط المدني العالمي الحكومات الغربية، ولكن مع تركيزه على حقوق الإنسان والحريات المدنية تجد الحكومات الاستبدادية والسلطوية نفسها تحت الضغط، وبحسب التعريف تسعى مجموعات المجتمع المدني إلى العمل خارج نطاق الدولة.

إذاً ليس من المستغرب أن تقوم كل من الصين وروسيا بقمع أنشطة مجموعات المجتمع المدني الدولية داخل حدودهما، ففي عهد بوتين سعت روسيا إلى بسط سيطرة الدولة على المجتمع المدني، فشوهت سمعة الجماعات الممولة من الخارج واستخدمت الأدوات الحكومية لإضعاف الجهات المدنية الفاعلة وتعزيز المنظمات الموالية للحكومة، وعلى نحو مشابه تصرفت الصين بطريقة عدوانية من أجل تقييد أنشطة الجماعات المدنية وقمع نشطاء الديمقراطية في هونغ كونغ، وفي الأمم المتحدة استخدمت الصين عضويتها في مجلس حقوق الإنسان من أجل عرقلة دور المنظمات غير الحكومية الحقوقية وإضعافها.

في الواقع يميل المجتمع المدني العالمي إلى تحفيز الإصلاح داخل الديمقراطيات الليبرالية ويهدد في الوقت نفسه الأنظمة الاستبدادية والسلطوية، وفي مقلب مغاير يعتبر مجتمع المهاجرين المتعدد الثقافات أكثر تعقيداً وربما أقل استقراراً من المجتمعات الأكثر تجانساً مثل الصين، لكن الصين موطن لعدد من الأقليات العرقية والدينية، وعلى رغم التزام الدولة الشيوعي المزعوم بالمساواة والعدالة، فإن هذه الأقليات تعاني التمييز والقمع الشديد، وعلى رغم أن الولايات المتحدة يجب أن تعمل بجهد أكبر من الصين لتكون مجتمعاً مستقراً ومتكاملاً، إلا أن تنوعها هائل من حيث الإبداع والتعاون وخلق المعرفة وجذب المواهب العالمية. من الصعب تخيل الصين بمجتمعها المدني المتقلص والمنغلق على العالم، مركزاً مستقبلياً للنظام العالمي.

عمل قيد التنفيذ

بالنظر إلى الاضطرابات المحلية الأخيرة في البلاد، قد تبدو هذه الدعوات إلى مركزية الولايات المتحدة خلال القرن المقبل غريبة، وحاضراً يبدو أن الولايات المتحدة تعاني مشكلات أكثر من أي وقت مضى منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وفي خضم الاستقطاب والخلل الوظيفي اللذين ينهكان مجتمعها، فمن السهل تقديم سرد عن الانحدار الأميركي، لكن ما يبقي الولايات المتحدة واقفة على قدميها، على رغم معاناتها، هو دوافعها التقدمية، وما كان يحرك العالم خلال القرن الماضي هو مجرد فكرة الولايات المتحدة، أكثر من الدولة نفسها، إذ ألهمت المثل الليبرالية للبلاد قادة حركات التحرير في أماكن أخرى، من المهاتما غاندي في الهند إلى فاتسلاف هافيل في تشيكوسلوفاكيا ونيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، والشباب في هونغ كونغ الذين يحتجون ضد الحكومة الصينية يلوحون بشكل روتيني بالأعلام الأميركية.

لم توفر أية دولة أخرى تطمح إلى قوة عالمية، بما في ذلك الصين، رؤية أكثر جاذبية لمجتمع يتقبل فيه الأفراد الأحرار مؤسساتهم السياسية، مما وفرته الولايات المتحدة، فالقصة التي تقدمها الولايات المتحدة للعالم هي قصة مشروع مستمر لمواجهة العوائق المؤلمة أمام “اتحاد أكثر كمالاً” والتغلب عليها، بدءاً من خطيئتها الأصلية المتمثلة في العبودية.

إذاً فالولايات المتحدة هي عمل مستمر في التقدم، ولقد حبس الناس في جميع أنحاء العالم أنفاسهم عندما صوت الأميركيون خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2020 ومرة ​​أخرى خلال هجوم أنصار الرئيس دونالد ترمب في السادس من يناير (كانون الثاني) على مبنى الكابيتول الأميركي، فقد كانت الرهانات العالمية عميقة في تلك اللحظات.

على النقيض من ذلك، في عام 2018، عندما ألغى شي القواعد القديمة للحزب الشيوعي الصيني ووضع أسساً ليجعل من نفسه، في الواقع، ديكتاتوراً مدى الحياة، لم يعط العالم أهمية لذلك، ويبدو أن الناس في أنحاء كثيرة من العالم يتوقعون من الولايات المتحدة أكثر مما يتوقعونه من الصين، ويقيسون دائماً إجراءات الولايات المتحدة مقارنة بمعايير المبادئ والمثل الأميركية المعلنة، وكما لاحظ العالم السياسي صموئيل هنتنغتون ذات مرة، “أميركا ليست كذبة، بل هي خيبة أمل، لكن يمكن لها أن تكون مخيبة للآمال فقط لأنها أيضاً مصدر للأمل”.

ما سيبقي الولايات المتحدة في قلب السياسة العالمية هو قدرتها على القيام بعمل أفضل، ولم تلتزم الدولة مطلقاً بمُثلها الليبرالية بالكامل، وعندما توصي بهذه المثل العليا للآخرين فإنها تبدو منافقة للغاية، لكن النفاق هو سمة من سمات النظام الليبرالي وليس خللاً، ولا يجب أن يكون عائقاً أمام تحسين النظام الليبرالي، فالنظام الذي ترأسته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية دفع العالم إلى الأمام، وإذا أراد الناس في جميع أنحاء العالم أن يصبح العالم نظاماً عالمياً أفضل يدعم قدراً أكبر من التعاون والتقدم الاجتماعي والاقتصادي، فسوف يرغبون في تحسين هذا النظام بقيادة الولايات المتحدة، عوضاً عن الاستغناء عنه.

وتؤكد أزمات تايوان وأوكرانيا هذه الحقيقة، ففي كلتا الحالين تسعى الصين وروسيا إلى جذب مجتمعات منفتحة غير راغبة في ذلك إلى فلكهما، وليس من المستغرب أن شعب تايوان ينظر إلى محنة هونغ كونغ ويشعر بالرعب من احتمال دمجه في بلد تحكمه ديكتاتورية صينية.

وفي المقابل يرى شعب أوكرانيا الديمقراطية المحاصرة مستقبلاً أكثر إشراقاً في اندماج أكبر في الاتحاد الأوروبي والغرب، وفكرة أن الصين قامت بتكثيف ضغوطها على تايوان وأن روسيا سعت إلى إيقاع أوكرانيا في دائرة نفوذها لا يشير إلى التراجع الأميركي أو انهيار النظام الليبرالي، بل على النقيض من ذلك فإن الأزمات موجودة لأن المجتمعات التايوانية والأوكرانية تريد أن تكون جزءاً من نظام ليبرالي عالمي، ومن المعروف أن بوتين اشتكى من أن الفكرة الليبرالية قد عفا عليها الزمن، ولكن في الحقيقة لا يزال أمام الفكرة الليبرالية حياة طويلة.

إمبراطورية بالدعوة

تدخل الولايات المتحدة في الصراع القائم اليوم من أجل تشكيل القرن الـ 21 متمتعة بمزايا مهمة، فهي لا تزال تمتلك الجزء الأكبر من القدرات المادية التي كانت تمتلكها خلال العقود السابقة، ولا تزال تتمتع بموقع جغرافي فريد يخولها لعب دور القوة العظمى في كل من شرق آسيا وأوروبا.

إن قدرتها على العمل مع الديمقراطيات الليبرالية الأخرى من أجل صياغة القواعد والمؤسسات العالمية تتجلى بالفعل في استجابتها للغزو الروسي لأوكرانيا، وسيكون لها دور نافع جداً في أي رد جماعي مستقبلي على العدوان الصيني في شرق آسيا، وعلى رغم أن الصين وروسيا تسعيان إلى تحريك العالم في اتجاه التكتلات الإقليمية ومناطق النفوذ، فقد قدمت الولايات المتحدة رؤية للنظام العالمي تستند إلى مجموعة من المبادئ بدلاً من التنافس على الأراضي، فالنظام الدولي الليبرالي هو وسيلة لتنظيم عالم مترابط، وهو كما سمّاه المؤرخ النرويجي غير لوندستاد، “إمبراطورية من طريق الدعوة”، نجاحها يعتمد على شرعيتها وجاذبيتها وليس على قدرة رعاياها على فرض الطاعة، وإذا ظلت الولايات المتحدة في صميم السياسة العالمية خلال العقود المقبلة، فسيكون السبب وراء ذلك هو أن هذا النوع من النظام يولد مزيداً من المؤيدين والمناصرين حول العالم أكثر مما توفره الصين وروسيا.

إن المواجهة الأميركية مع الصين وروسيا عام 2022 هي صدى لاضطرابات القوى العظمى في الأعوام 1919 و1945 و1989، وكما في هذه المراحل السابقة تجد الولايات المتحدة نفسها تعمل مع الديمقراطيات الأخرى في مقاومة التحركات العدوانية للقوى العظمى غير الليبرالية، والحرب الروسية في أوكرانيا تتعلق بما هو أبعد بكثير من مستقبل أوكرانيا، فهي تدور أيضاً حول القواعد والمعايير الأساس للعلاقات الدولية.

لقد وضعت استراتيجية بوتين الولايات المتحدة والديمقراطيات في أوروبا وأماكن أخرى في موقف دفاعي، لكنها أعطت الولايات المتحدة أيضاً فرصة من أجل إعادة التفكير والدفاع عن قضيتها المتمثلة في نظام عالمي مفتوح ومتعدد الأطراف، وإذا استرشدنا بالماضي واستفدنا من دروسه فمن المفترض ألا تحاول الولايات المتحدة أن تعزز ببساطة النظام القديم بل أن تعيد تشكيله. يجب أن يسعى القادة الأميركيون إلى توسيع التحالف الديمقراطي وإعادة التأكيد على القيم والمصالح الأساس، وتقديم رؤية لنظام دولي معاد تشكيله يجمع الدول والشعوب معاً في أشكال جديدة من التعاون، على غرار حل مشكلات تغير المناخ والصحة العامة العالمية والتنمية المستدامة.

لا توجد قوة عظمى أخرى مؤهلة على نحو أفضل لبناء الشراكات الضرورية ولعب دور رائد في معالجة المشكلات الرئيسة في القرن الـ 21، وربما هناك قوى أخرى في طور النهوض، لكن العالم لا يستطيع تحمل نهاية الحقبة الأميركية.

اندبندت عربي