القصة الكاملة: كيف فجرت أميركا خط أنابيب “نورد ستريم”‏ (2-2)

القصة الكاملة: كيف فجرت أميركا خط أنابيب “نورد ستريم”‏ (2-2)

كانت النرويج هي المكان المثالي لتكوين البعثة.‏ في السنوات القليلة الماضية من الأزمة بين الشرق والغرب، وسع الجيش الأميركي وجوده بشكل كبير في داخل النرويج التي تمتد حدودها الغربية لمسافة 1.400 ميل على طول شمال المحيط الأطلسي وتندمج فوق الدائرة القطبية الشمالية مع روسيا. وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد خلقت وظائف عالية الرواتب وأبرمت عقودًا مجزية، وسط بعض الجدل المحلي، من خلال استثمار مئات الملايين من الدولارات لتحديث وتوسيع منشآت البحرية والقوات الجوية الأميركية في النرويج. وشملت الأعمال الجديدة، أهم من كل شيء آخر، تثبيت رادار متقدم ذي فتحة تركيبية في أقصى الشمال، كان قادرًا على اختراق عمق روسيا ودخل في الخدمة في الوقت الذي فقد فيه مجتمع الاستخبارات الأميركي إمكانية الوصول إلى سلسلة من مواقع التنصت بعيدة المدى داخل الصين.
‏أصبحت قاعدة الغواصات الأميركية التي ‏‏تم تجديدها حديثًا، والتي كانت قيد الإنشاء لسنوات‏، ‏‏جاهزة للعمل،‏‏ وأصبح بإمكان المزيد ‏‏من الغواصات الأميركية الآن العمل عن كثب‏‏ مع زميلاتها النرويجية للمراقبة والتجسس على معقل نووي روسي رئيسي على بعد 250 ميلاً إلى الشرق، في “شبه جزيرة كولا”. كما وسعت أميركا بشكل كبير ‏‏قاعدة جوية نرويجية‏‏ في الشمال وسلمت للقوات الجوية النرويجية أسطولاً من ‏طائرات الدوريات “ف8 بويسيدون” P8 Poseidon التي صنعتها شركة بوينغ‏ لتعزيز تجسسها بعيد المدى على كل ما يتعلق بروسيا.‏
و‏في ‏‏المقابل، أغضبت الحكومة النرويجية الليبراليين وبعض المعتدلين في برلمانها في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي من خلال تمريرها “اتفاقية التعاون الدفاعي التكميلي” (SDCA). وبموجب الاتفاق الجديد‏‏، ‏‏سيكون للنظام القانوني الأميركي ولاية قضائية في بعض “المناطق المتفق عليها”‏‏ في ‏‏الشمال على الجنود الأميركيين المتهمين بارتكاب جرائم خارج القاعدة، وكذلك على المواطنين النرويجيين المتهمين أو المشتبه في تدخلهم في العمل في القاعدة.‏
كانت النرويج من الموقعين الأصليين على معاهدة الناتو في العام 1949، في الأيام الأولى من الحرب الباردة. واليوم، يشغل منصب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، وهو مناهض ملتزم للشيوعية، شغل منصب رئيس وزراء النرويج لمدة ثماني سنوات قبل أن ينتقل إلى منصبه الرفيع في حلف شمال الأطلسي، بدعم أميركي، في العام 2014. وكان متشددًا في كل ما يتعلق ببوتين وروسيا وتعاوَن مع مجتمع الاستخبارات الأميركي منذ حرب فيتنام. وقد تمتع بالثقة الكاملة منذ ذلك الحين. وقال المصدر: “إنه القفاز الذي يناسب اليد الأميركية”.‏
‏هناك، في واشنطن، عرف المخططون أن عليهم الذهاب إلى النرويج. وقال المصدر: “لقد كرهوا الروس، وكانت البحرية النرويجية مليئة بالبحارة والغواصين الرائعين الذين لديهم أجيال من الخبرة في عمليات التنقيب عن النفط والغاز في أعماق البحار المربحة للغاية”. كما يمكن الوثوق بهم للحفاظ على سرية المهمة. (ربما كانت للنرويجيين مصالح أخرى أيضًا. سوف يسمح تدمير “نورد ستريم” -إذا تمكن الأميركيون من تنفيذه- للنرويج ببيع المزيد من الغاز الطبيعي الخاص بها إلى أوروبا).‏
‏في وقت ما من شهر آذار (مارس)، سافر عدد قليل من أعضاء الفريق إلى النرويج للالتقاء بأعضاء من الأجهزة السرية وقوات البحرية النرويجية. وكان أحد الأسئلة الرئيسية التي طُرحت في اللقاء هو أين بالضبط في بحر البلطيق كان أفضل مكان لزرع المتفجرات. وكان خطا “نورد ستريم” 1 و2، ولكل منهما مجموعتان من خطوط الأنابيب، ينفصلان عن بعضها بعضا في جزء كبير من الطريق لمسافة تزيد قليلاً على ميل واحد أثناء دخولهما ميناء غريفسفالد في أقصى شمال شرق ألمانيا.‏
‏كانت البحرية النرويجية سريعة في العثور على المكان الصحيح، في مياه بحر البلطيق الضحلة على بعد أميال قليلة من جزيرة بورنهولم الدنماركية. هناك، امتدت خطوط الأنابيب متباعدة بأكثر من ميل على طول قاع البحر الذي كان عمقه 260 قدمًا فقط. سوف يكون ذلك العمق في نطاق قدرة الغواصين، الذين يتكونون من صيادي ألغام نرويجيين من الفئة “ألتا”، الذين سيغوصون بمزيج من الأكسجين والنيتروجين والهيليوم المتدفق من خزاناتهم، ويزرعون شحنات من C4 مموهة في شكل نباتات على خطوط الأنابيب الأربعة المحمية بأغطية واقية خرسانية. سيكون هذا عملاً شاقًا وخطيرًا ويستغرق وقتًا طويلاً، لكن المياه قبالة بورنهولم تتمتع بميزة أخرى: لم تكن فيها تيارات المد والجزر الكبيرة التي كانت لتجعل مهمة الغوص أكثر صعوبة.‏
وبعد قليل من التداول، كان الأميركيون جميعًا موافقين.‏
كان في هذه المرحلة حين ظهرت مجموعة الغوص العميق الغامضة التابعة للبحرية في بنما سيتي في الصورة مرة أخرى. في العادة، يُنظر إلى مدارس أعماق البحار في بينما سيتي التي كان خريجوها قد شاركوا في عملية “آيفي بيلز”، على أنها مرافق مياه راكدة غير مرغوب فيها من وجهة نظر نخبة خريجي الأكاديمية البحرية في أنابوليس، الذين يسعون عادة إلى المجد الذي يعنيه تعيينهم في قوات البحرية الخاصة “الفقمات” في الجيش الأميركي، أو كطيارين مقاتلين أو ضمن طاقم غواصة. وإذا كان يجب على المرء أن يصبح “حذاء أسود” -أي أن يُعيّن في العمل الأقل جاذبية على متن سفينة سطحية- فهناك دائمًا على الأقل الخدمة على مدمرة أو طراد أو سفينة برمائية. أما الأقل بريقًا على الإطلاق فهو العمل في الألغام البحرية. ولا يظهر الغواصون من هذا النوع أبدًا في أفلام هوليوود أو على أغلفة المجلات الشعبية.‏
وقال المصدر: “أفضل الغواصين ذوي مؤهلات الغوص العميق هم مجتمع ضيق، ويتم تجنيد الأفضل بينهم فقط للعملية ويُطلب منهم الاستعداد لاستدعائهم إلى وكالة المخابرات المركزية في واشنطن”.‏
‏الآن، كان لدى النرويجيين والأميركيين موقع لاستهدافه وعملاء للتنفيذ، ولكن كان هناك مصدر قلق آخر: أي نشاط غير عادي تحت الماء في المياه قبالة بورنهولم قد يلفت انتباه القوات البحرية السويدية أو الدنماركية، التي يمكن أن تقوم بالإبلاغ عنه.
‏كانت الدنمارك أيضًا من المُوقِّعين الأصليين على معاهدة حلف الناتو، وكانت معروفة في مجتمع الاستخبارات بعلاقاتها الخاصة مع المملكة المتحدة. وقد تقدمت السويد في الآونة الأخيرة بطلب للانضمام إلى عضوية منظمة حلف شمال الأطلسي، وأظهرت مهارتها الكبيرة في إدارة أنظمة الاستشعار الصوتية والمغناطيسية تحت الماء، التي نجحت في تعقب الغواصات الروسية التي كانت تظهر أحيانا في المياه النائية للأرخبيل السويدي وإجبارها على الصعود إلى السطح.‏
‏وهكذا، انضم النرويجيون إلى الأميركيين في الإصرار على ضرورة إطلاع بعض كبار المسؤولين في الدنمارك والسويد بشكل عام على نشاط الغوص المحتمل في المنطقة. وبهذه الطريقة، يمكن لشخص أعلى أن يتدخل ويبقي تقريرًا ما خارج سلسلة القيادة بحيث يتم بالتالي عزل عملية خط الأنابيب. وقال لي المصدر: “ما قيل لهم وما عرفوه كان مختلفًا، عن قصد”. (طُلب من السفارة النرويجية التعليق على هذه القصة، ولم تستجب).‏
كان النرويجيون مفتاحًا لحل العقبات الأخرى. من المعروف أن البحرية الروسية تمتلك تكنولوجيا مراقبة قادرة على اكتشاف وتفجير الألغام تحت الماء. ولذلك، كانت المتفجرات الأميركية تحتاج إلى التمويه بطريقة تجعلها تبدو للنظام الروسي جزءًا من الخلفية الطبيعية -وهو أمر يتطلب التكيف مع درجة الملوحة المحددة للمياه. وكان لدى النرويجيين حل.‏
‏وكان لدى النرويجيين أيضًا حل للمسألة الحاسمة الأخرى: “‏‏متى”‏‏ يجب أن تتم العملية. في شهر حزيران (يونيو) من كل عام، على مدى السنوات الـ21 الماضية، قام الأسطول السادس الأميركي الذي يقع مقر قيادته في جيتا، إيطاليا، جنوب روما، برعاية مناورة كبيرة لقوات حلف الناتو في بحر البلطيق، والتي شاركت فيها عشرات سفن الحلفاء في جميع أنحاء المنطقة. وسوف تُعرف المناورات الحالية، التي أقيمت في حزيران (يونيو)‏‏، ‏‏باسم “عمليات البلطيق 22”. واقترح النرويجيون أن هذا النشاط سيكون الغطاء المثالي لزراعة الألغام.
ومن جهتهم، قدم الأميركيون عنصرًا حاسمًا واحدًا: أقنعوا مخططي الأسطول السادس بإضافة تمرين حول البحث والتطوير إلى البرنامج. وشارك في التمرين، بالشكل الذي ‏‏أعلنته البحرية‏‏‏، الأسطول السادس بالتعاون مع “مراكز الأبحاث والحرب” التابعة للبحرية. وسوف يُقام الحدث في البحر قبالة ساحل جزيرة بورنهولم، وستشارك فيه فرق “الناتو” من الغواصين الذين يزرعون الألغام، بينما تستخدم الفرق المتنافسة أحدث التقنيات تحت الماء للعثور عليها وتدميرها.‏
‏كان ذلك تمرينًا مفيدًا وغطاء بارعًا. سيقوم أولاد بنما سيتي بعملهم، وستكون متفجرات C4 قد زُرعت في مكانها بحلول نهاية “عمليات البلطيق 22″، مع وصل ساعة توقيت لتأخير التفجير لمدة 48 ساعة. وسيكون جميع الأميركيين والنرويجيين قد غادروا المكان منذ فترة طويلة قبل الانفجار الأول.
كانت الأيام في عد تنازلي. وقال المصدر: “كانت الساعة تدق، وكنا نقترب من إنجاز المهمة”.‏
‏ثم، ظهرت لدى واشنطن أفكار أخرى. سوف تظل القنابل المزروعة خلال تمرين “عمليات البلطيق” في مكانها، لكن البيت الأبيض كان قلقًا من أن نافذة يومين لتفجيرها ستكون قريبة جدًا من نهاية التمرين، وسيجعل ذلك من الواضح أن أميركا متورطة.‏
‏بدلاً من ذلك، أصبح لدى البيت الأبيض طلب جديد: “هل يمكن للرجال في الميدان التوصل إلى طريقة ما لتفجير خطوط الأنابيب في وقت لاحق عند طلب القيادة؟‏”.
‏كان بعض أعضاء فريق التخطيط غاضبين ومحبطين من تردد الرئيس الظاهر. لقد تدرب غواصو بنما سيتي مرارًا وتكرارًا على زراعة متفجرات C4 على خطوط الأنابيب، كما كانوا يفعلون خلال تدريبات “البلطيق”، ولكن الآن أصبح على الفريق في النرويج التوصل إلى طريقة لمنح بايدن ما يريد -القدرة على إصدار أمر تنفيذ ناجح في الوقت الذي يختاره.
‏كان أمر تكليفك بإحداث تغيير تعسّفي، في اللحظة الأخيرة، شيئًا اعتادت وكالة المخابرات المركزية إدارته. لكن هذا التطور جدد أيضًا المخاوف التي يتقاسمها البعض بشأن مدى ضرورة -وقانونية- العملية برمتها.‏
كما أثارت أوامر الرئيس السرية أيضًا معضلة كانت وكالة المخابرات المركزية قد واجهتها في أيام حرب فيتنام، عندما أصدر الرئيس جونسون، الذي واجه في ذلك الحين مشاعر متزايدة مناهضة لحرب فيتنام، إلى الوكالة أمرًا بانتهاك ميثاقها -الذي كان يمنعها على وجه التحديد من العمل داخل أميركا- من خلال التجسس على قادة الحركات المناهضة للحرب لتحديد ما إذا كانوا خاضعين لسيطرة روسيا الشيوعية.‏
‏أذعنت الوكالة في نهاية المطاف، وطوال عقد السبعينيات، أصبح من الواضح إلى أي مدى كانت على استعداد للذهاب. وظهرت اكتشافات صحفية لاحقة في أعقاب فضائح “ووترغيت” حول تجسس الوكالة على المواطنين الأميركيين، وتورطها في اغتيال قادة أجانب، وتقويضها للحكومة الاشتراكية لسلفادور أليندي.
وأدت هذه الاكتشافات إلى سلسلة دراماتيكية من جلسات الاستماع في منتصف السبعينيات في مجلس الشيوخ، بقيادة السيناتور فرانك تشيرش من أيداهو، والتي أوضحت أن ريتشارد هيلمز، مدير الوكالة في ذلك الوقت، قبل بفكرة أنه ملزم بعمل ما يريده الرئيس، حتى لو كان ذلك يعني انتهاك القانون.‏
‏في شهادة سرية غير منشورة، أوضح هيلمز بحزن أنه “يكاد يكون لديك ’حبَل بلا دنس‘ عندما تفعل شيئًا” بموجب أوامر سرية من الرئيس. “سواء كان من الصواب أن تفعل، أو من الخطأ أن تفعل، فإن (وكالة المخابرات المركزية) تعمل بموجب قواعد أساسية ومختلفة عن أي جزء آخر من الحكومة”. بذلك، كان يخبر أعضاء مجلس الشيوخ بشكل أساسي بأنه فهم، بصفته رئيسًا لوكالة المخابرات المركزية، أنه يعمل لصالح “التاج”، وليس الدستور.‏
‏عمل الأميركيون المكلفون بالعملية في النرويج في ظل الدينامية نفسها، وبدأوا العمل بإخلاص على حل المشكلة الجديدة -كيفية تفجير متفجرات C4 عن بعد بناء على طلب بايدن ولدى الطلب. وكانت هذه مهمة أكثر تطلبًا بكثير مما فهمه أولئك في واشنطن. لم تكن هناك طريقة ليعرف الفريق في النرويج متى قد يضغط الرئيس على الزر. هل سيكون ذلك في غضون أسابيع قليلة، في أشهر عدة أم في نصف عام أو أكثر؟‏
سوف يتم تفجير شحنات C4 المتصلة بخطوط الأنابيب بواسطة عوامة سونار تقوم بإسقاطها طائرة في وقت قصير، لكن الإجراء تضمن استخدام أكثر تقنيات معالجة الإشارات تقدمًا. بمجرد وضعها في المكان، يمكن تشغيل أجهزة التوقيت المتأخرة المتصلة بأي من خطوط الأنابيب الأربعة عن طريق الخطأ نتيجة لمزيج معقد من ضوضاء خلفية المحيط في جميع أنحاء بحر البلطيق الذي يشهد حركة مرور بحرية نشطة -من السفن القريبة والبعيدة، والحفر تحت الماء، والأحداث الزلزالية، والأمواج، وحتى الكائنات البحرية. ولتجنب ذلك، فإن عوامة السونار، بمجرد وضعها في مكانها، ستصدر سلسلة من الأصوات النغمية الفريدة منخفضة التردد -التي تشبه إلى حد كبير تلك المنبعثة من آلة الفلوت أو البيانو- والتي سيتعرف عليها ويميزها جهاز التوقيت، وبعد ساعات تأخير محددة مسبقا، تنطلق المتفجرات. (“إنك تريد إشارة قوية بما فيه الكفاية بحيث لا يمكن لأي إشارة أخرى أن ترسل عن طريق الخطأ نبضة تقوم بتفجير المتفجرات”، كما أخبرني الدكتور ثيودور بوستول، الأستاذ الفخري للعلوم والتكنولوجيا وسياسة الأمن القومي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وقال بوستول، الذي عمل مستشارًا علميًا لرئيس العمليات البحرية في البنتاغون، إن القضية التي تواجه المجموعة في النرويج بسبب تأخير بايدن كانت تعتمد على الصدفة: “كلما طالت مدة بقاء المتفجرات في الماء، زاد خطر انبعاث إشارة عشوائية تطلق زناد القنابل”).‏
‏في 26 أيلول (سبتمبر) 2022، قامت طائرة مراقبة من طراز “بي-8” تابعة للبحرية النرويجية برحلة روتينية على ما يبدو، وأسقطت عوامة سونار. وانتشرت الإشارة تحت الماء، في البداية إلى “نورد ستريم 2″، ثم إلى “نورد ستريم 1”. وبعد ساعات قليلة، انطلقت متفجرات C4 عالية الطاقة، وتم إيقاف تشغيل ثلاثة من خطوط الأنابيب الأربعة. وفي غضون بضع دقائق، أصبح بالإمكان رؤية برك غاز الميثان التي بقيت في خطوط الأنابيب المغلقة وهي تنتشر على سطح الماء، وعلم العالم أن شيئًا لا يمكن نقضه ولا رجعة فيه قد حدث.‏
التداعيات‏
‏في أعقاب تفجير خط الأنابيب مباشرة، تعاملت وسائل الإعلام الأميركية مع الأمر على أنه لغز لم يتم حله. تم ‏‏ذكر روسيا مرارًا وتكرارًا على أنها الجاني المحتمل‏‏، ‏‏وكان ذلك مدفوعًا بتسريبات محسوبة من البيت الأبيض -ولكن من دون تحديد دافع واضح للقيام بمثل هذا العمل من التخريب الذاتي، بما يتجاوز الانتقام البسيط. وبعد بضعة أشهر، عندما تبين أن السلطات الروسية كانت تحصل بهدوء على تقديرات لتكلفة إصلاح خطوط الأنابيب، ‏‏وصفت صحيفة “نيويورك تايمز‏”‏ هذه الأخبار بأنها “تعقد النظريات حول من هو الطرف الذي كان وراء الهجوم”. ولم تنقب أي صحيفة أميركية كبرى في التهديدات السابقة لخطوط الأنابيب التي أطلقها بايدن ووكيلة وزارة خارجيته، نولاند.‏
في حين أنه لم يكن من الواضح أبدًا لماذا قد تقدم روسيا إلى تدمير خط أنابيبها المربح، جاء الأساس المنطقي الأكثر دلالة لعمل الرئيس من وزير الخارجية بلينكن.‏
‏ردًا على سؤال في مؤتمر صحفي في أيلول (سبتمبر) الماضي حول عواقب تفاقم أزمة الطاقة في أوروبا الغربية، ‏‏وصف بلينكن‏‏ اللحظة بأنها قد تكون جيدة:‏
‏”إنها فرصة هائلة للتخلص من الاعتماد على الطاقة الروسية مرة واحدة وإلى الأبد، وبالتالي سحب وسيلة تسليح الطاقة من فلاديمير بوتين كوسيلة لتعزيز مخططاته الإمبريالية. هذا أمر مهم للغاية ويوفر فرصة استراتيجية هائلة للسنوات القادمة، ولكن في الوقت نفسه نحن مصممون على بذل كل ما في وسعنا للتأكد من أن عواقب كل هذا لا يتحملها المواطنون في بلداننا أو، في جميع أنحاء العالم”.‏
‏وفي وقت أقرب بعد ذلك، أعربت فيكتوريا نولاند عن ارتياحها لخراب أحدث خطوط الأنابيب. وفي شهادتها في جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في أواخر كانون الثاني (يناير)، قالت للسيناتور تيد كروز: “مثلك، أنا، أعتقد أن الإدارة ممتنة جدًا لمعرفة أن ’نورد ستريم 2‘ هو الآن، كما تحب أن تقول، مجرد قطعة كبيرة من المعدن في قاع البحر”.‏
‏كانت لدى المصدر وجهة نظر أكثر وضوحًا بشان قرار بايدن بتخريب أكثر من 1.500 ميل من خط أنابيب “غازبروم” مع اقتراب فصل الشتاء. “حسنا”، قال المصدر متحدثًا عن الرئيس، “يجب أن أعترف أن الرجل لديه الكثير من الجرأة. قال إنه سيفعل ذلك، وقد فعله”.
وردًا على سؤال حول سبب اعتقاده بأن الروس فشلوا في الرد، قال بسخرية: “ربما يفتقرون إلى القدرة على فعل الأشياء نفسها التي فعلتها الولايات المتحدة”.‏
‏وتابع قائلاً: “كانت هذه قصة غلاف جميلة. وراء كل ذلك كانت عملية سرية وضعت خبراء في الميدان والمعدات التي عملت على إشارة سرية”.‏
‏”العيب الوحيد كان قرار القيام بتنفيذها”.‏

الغد