لبنان أمام استحقاق جديد!

لبنان أمام استحقاق جديد!

ساد توتّر أمني في جنوب لبنان أمس، في منطقة كفرشوبا، حيث وقعت مواجهات بين الأهالي اللبنانيين وجنود إسرائيليين، خلال وقفة احتجاج على أعمال تجريف للأراضي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وأزال الأهالي أسلاكا شائكة وضعها الاحتلال، فيما كثّف جنود الاحتلال انتشارهم واستقدموا دبابة «ميركافا» واعتدوا بالقنابل الغازية على اللبنانيين الذين ردوا برمي الحجارة في اتجاههم، قبل أن يغادروا بعد أداء صلاة الجمعة، وسجّل للجيش اللبناني، خلال الحادثة الآنفة، استنفاره إلى جانب الأهالي، واستعداد بعض عناصره لمواجهة مع عناصر جيش الاحتلال.
تأتي الحادثة الأخيرة للتذكير مجددا بعناصر المعادلة اللبنانية المعقدة، وخصوصا في وقت تتصاعد فيه احتمالات مواجهة لبنانية داخلية على خلفية احتمال انتخاب مرشح الرئاسة اللبنانية جهاد أزعور، المدير الحالي لإدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي ووزير المالية الأسبق، الذي تقاطعت مواقف أغلبية برلمانية على انتخاب المذكور، وهي تضم «التيار» (برئاسة جبران باسيل، حليف «حزب الله» السابق) و«القوات اللبنانية» (التي يقودها سمير جعجع) و«اللقاء الديمقراطي» (النواب المحسوبون على تيار وليد جنبلاط) و«الكتائب» (الذي يقوده سامي الجميل) وبعض المستقلين، إضافة إلى بعض النواب السنّة.
علّقت أوساط إعلامية محسوبة على «الثنائي الشيعي» («حزب الله» و«حركة أمل») عن التقارب الحاصل بين الكتل الحزبية اللبنانية في موضوع انتخاب مرشح الرئاسة أزعور، بالقول إن «الثنائي» سيستخدم كل الطرق الممكنة لمنع انتخاب المرشح المذكور.
أحد أولئك الإعلاميين صرّح بأن حدثا مثل انتخاب بشير الجميّل، عام 1982، هو أمر لا يمكن حصوله مجددا، كما أن تغييرا على المعادلة اللبنانية، كالذي حصل عام 2005، بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، لن يحصل أيضا، وأن الإصرار على المرشح المذكور، بدل مرشح «الثنائي» سليمان فرنجية، سيؤدي إلى مواجهة، يمكن أن تشبه ما حصل في 7 أيار/مايو 2008، حين اجتاحت قوات «الثنائي» (مع عناصر من «الحزب السوري القومي الاجتماعي») العاصمة وبعض مناطق جبل لبنان.
تعبّر وقائع 1982، و2005، و2008، عن أشكال كبيرة من الاختلال في المعادلة اللبنانية بعد سكوت مدافع الحرب الأهلية (1975 ـ 1990) والواضح أن اختلال هذا الميزان ما زال مستمرا، وأن التيّارات السياسية في لبنان لم تتوافق حتى الآن على أن المصلحة العامة تكمن في تقبل فكرة الاحتكام إلى الاقتراع الديمقراطي، وعلى وقف اللجوء للتهديد بالقوة لفرض الغلبة، أو الأمل بالاستعانة بقوة خارجية لفرض تغيير لصالحها.
شهد عام 1982 اجتياح القوات الإسرائيلية للبنان، وهو ما أدى لخروج منظمة التحرير الفلسطينية، وإلى فرض بشير الجميل رئيسا، وقد انتهى ذلك الحدث الخطير في التاريخ اللبناني، كما هو معلوم، باغتيال بشير الجميل، وكان اغتيال الحريري (مع 21 شخصا آخرين) ذروة كبرى في سلسلة اغتيالات طالت أيضا شخصيات شهيرة مثل جورج حاوي وجبران غسان تويني وسمير قصير وبيار أمين الجميل وآخرين، مما أدى إلى ما سمّي «ثورة الأرز» التي تزامنت مع ضغوط دولية أدت لخروج الجيش السوري.
استعاد حدث أمس، مجددا، فكرة الحراك الأهلي ضد قوة احتلال فقد وقف المزارع إسماعيل ناصر، الذي جرفت آليات الاحتلال أرضه، للتصدي لجرافة إسرائيلية بجسده حتى كاد يدفن تحت التراب، وتضامن معه أهالي المنطقة، فيما وقف عناصر الجيش اللبناني مستعدين للاشتباك مع قوات الاحتلال.
ترتبط المقاومة الشعبية ضد إسرائيل، بالضرورة، بالاحتجاجات الشعبية 2019 ـ 2021، والتي توسعت لتصبح إدانة للحكم الطائفي، والفساد، والاستقواء على الجماهير بالسلاح والاستبداد الخارجي، ورغم تمكن المنظومة اللبنانية من «دفن» تلك الاحتجاجات، فإن تأكيد الرابط بين الديمقراطية ومناهضة الاحتلال الإسرائيلي والاستبداد العربي، هو الضامن الأساسي لإمكانية خروج لبنان من أيامه العصيبة الحالية.

القدس العربي