تبون يزور أول محافظة خارج العاصمة منذ انتخابه في 2019

تبون يزور أول محافظة خارج العاصمة منذ انتخابه في 2019

الجزائر- قاد الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أول خروج ميداني له إلى محافظة الجلفة، لتكون الزيارة الأولى له خارج العاصمة منذ انتخابه رئيسا للبلاد في نهاية عام 2019، وبذلك كسر سلسلة انتقادات طالته حول أسباب إحجامه عن الاحتكاك بالشارع الجزائري، رغم مرور أربع سنوات عليه في قصر المرادية. وينتظر أن تكون زيارة المحافظة، المعروفة بانخراطها في حسابات السلطة، بداية مسار داخلي يمهد لولاية رئاسية ثانية.

وأعطى الرئيس تبون خلال زيارة محافظة الجلفة (300 كلم جنوبي العاصمة) إشارة انطلاق عدة مشاريع تنموية، وتعهد بالمزيد لسكان المحافظة الذين التقى بممثليهم وأعيانهم وجمعياتهم، في لقاء ضمّنه رسائل سياسية داخلية وخارجية، خاصة وأن الزيارة تأجلت لعدة أيام بسبب الوضع في قطاع غزة.

وظهرت من برنامج الزيارة المحدود نتائج توجه السياسات الحكومية منذ عام 2019 نحو تخصيص الجزء الأكبر من الموازنات السنوية لقطاع التسيير الذي يغطي كتلة الرواتب والزيادات ومعاشات التقاعد والمنح الاجتماعية وتحويلات دعم المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع، بينما تم تقليص الاستثمارات الحكومية القادرة على خلق مناصب الشغل والقيمة المضافة.

واكتفى الرئيس تبون بإعطاء إشارة انطلاق القطار على خط بوغزول – الجلفة – الأغواط، على مسافة 250 كلم، وهو ما سيساهم في المزيد من فك العزلة عن الجنوب، ويعتبر جزءا من المشروع الضخم الرابط بين الجزائر العاصمة وتمنراست في أقصى الجنوب، ثم دولة النيجر على مسافة 2439 كلم.

وأعلن انطلاق العمل بكل من مركز مكافحة السرطان، وكلية الطب بجامعة الجلفة، وبعث مشروع السد الأخضر الذي يستهدف في مرحلته الأولى تشجير مساحة 400 ألف هكتار في غضون السنوات الثلاث القادمة، ليكون بذلك رهان الجزائر على التحكم في التغيرات المناخية والحيلولة دون زحف الصحراء نحو الشمال.

ويعود مشروع السد الأخضر إلى سبعينات القرن الماضي، حيث أطلقه الرئيس الراحل هواري بومدين، وكان حينها يتضمن تشجير قرابة خمسة ملايين هكتار في 13 محافظة، وأوكل آنذاك إلى وحدات الجيش، قبل أن يتوقف في الثمانينات بسبب التحولات الحاصلة في مهام المؤسسة العسكرية وتراجع الأولويات البيئية للدولة، ثم تقرر بعثه من جديد من طرف الرئيس الحالي بسبب الإكراهات التي باتت تفرضها التغيرات المناخية وموجة الجفاف وزحف الصحراء باتجاه الشمال.

وكان الرئيس تبون مرفوقا خلال الزيارة بقائد أركان الجيش الجنرال سعيد شنقريحة وبعض وزراء حكومته، الأمر الذي انطوى على رسالتين متضاربتين، تتمثل الأولى في تغول المؤسسة العسكرية وتوسع نفوذها إلى درجة مزاحمة رئيس الجمهورية علانية في مهامه الدستورية، خاصة وأن الجنرال المذكور يضطلع بمهام عملياتية وليست سياسية، لكن الرسالة الثانية ترى أن ظهور الرجلين في مشهد واحد غرضه تأكيد الانسجام والتناغم بين مؤسستي الرئاسة والجيش، ودحض ما يتردد من أقاويل تفيد بوجود خلافات بين الطرفين.

وباستثناء الحصة السكنية المعلن عنها لسكان المحافظة خلال موازنة العام القادم، فإن الاستثمارات الحكومية والخاصة الكفيلة باستقطاب اليد العاملة وخلق الثروة تبقى غائبة، الأمر الذي يبقي وتيرة التنمية سواء في المحافظة أو في عموم البلاد دون مستوى الحاجيات المحلية المتصاعدة في مجالات الشغل.

وتعتبر محافظة الجلفة من المحافظات الزراعية والرعوية، فهي مصدر أساسي لتربية المواشي في البلاد، لكن زيارة الرجل الأول في الدولة لم تبرز أي جهد استثماري في هذا المجال، وحتى المشروع الذي تردد منذ أشهر حول بناء مصنع لإنتاج الحليب والألبان بين الجزائر وقطر لم تظهر عنه أي مستجدات.

وتوصف الجلفة بـ”الحليف التقليدي” للسلطة، حيث تسجل دائما نسب مشاركة قياسية في المحطات الانتخابية المختلفة، حتى في ذروة التجاذبات السياسية ودعوات المقاطعة التي تبرز في بعض المناطق، ولذلك ظلت تعتبر وعاء انتخابيا وسياسيا للسلطة.

وكان الرئيس تبون قد تعهد، في حملته الانتخابية خلال عام 2019، بأن تكون الجلفة أولى محطاته في زياراته الداخلية. ورغم الإحجام الغامض للرجل عن النشاط الداخلي أثناء السنوات الأربع الماضية، إلا أن دنو موعد الانتخابات الرئاسية في نهاية العام القادم دفع الرجل إلى الوفاء بتعهده، وباستنفار القواعد الشعبية للسلطة في المحافظة.

وحسب مصدر مقرب من قصر المرادية، فإنه ينتظر رؤية الرئيس تبون قريبا في عدد من المحافظات، ويرجح أن تكون تيزي وزو هي المحافظة الثانية التي سيزورها، ليكون بذلك أول احتكاك بين السلطة ومنطقة القبائل بعد سنوات من القطيعة بين الطرفين، وينتظر أن تكون اختبارا حقيقيا للسلطة في اختراق جدار الرفض الذي يعتريها هناك.

العرب