خيبة أمل أممية من وضعية الحقوق والحريات في الجزائر

خيبة أمل أممية من وضعية الحقوق والحريات في الجزائر

الجزائر- عبّرت المقررة الأممية لحقوق الإنسان ماري لولر، في ندوة صحفية ختمت بها زيارتها للجزائر، عن خيبة أملها من وضعية حقوق الإنسان في الجزائر، وألمحت إلى تجاوز القمع والتضييق سقف توقعاتها الأولية، قبل مباشرتها زيارة الجزائر، لكنها في المقابل أشادت بالتفاعل الإيجابي للسلطة العمومية مع مهمتها، في إشارة إلى استقبالها من طرف عدة وزراء ومسؤولين في الدولة.

ووجهت ماري لولر انتقادات شديدة للسلطات الجزائرية، بسبب وضعية الحقوق والحريات في البلاد، وذلك إثر معاينتها للعديد من الحالات التي وقفت عليها خلال زيارتها للجزائر التي دامت 10 أيام، لاسيما اللقاءات التي جمعتها مع ناشطين معارضين وسجناء رأي.

وكشفت في الندوة الصحفية التي عرضت فيها حصيلة جولتها للجزائر، أن السلطات الأمنية منعت عددا من الناشطين والمناضلين، كانوا قادمين من محافظة بجاية من أجل الاجتماع بها أثناء تواجدها في المحافظة الجهوية تيزي وزو، وأن هؤلاء أبلغوا بأن “تعليمات فوقية صدرت لمنعهم من الوصول إلى المقررة، وتم احتجازهم لمدة عشر ساعات”.

◙ المقررة الأممية دعت إلى تعديل المواد في قانون العقوبات التي تنص على عقوبات جنائية لكل من يشتم أو يهين الأفراد أو الهيئات أو المؤسسات، لأنه يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان وحرية التعبير

وذكرت بأنها “جاءت إلى الجزائر بورقة بيضاء”، في تلميح إلى عدم استنادها على خلفيات مسبقة، كما يتم تسويقه من طرف الخطاب الرسمي الذي يعتبر المنظمات الحقوقية المحلية والدولية جزءا من مخطط يستهدف البلاد، لكنها عبرت عن “صدمتها من وضعية الحقوق والحريات في الجزائر، وتجاوزها للسقف الذي كانت تتوقعه”.

ويبدو أن المقررة الأممية التي التقت بأحزاب سياسية وجمعيات وناشطين مستقلين، وأدت زيارات لبعض سجناء الرأي في عدة محافظات كالعاصمة وتيارت وأدرار ووهران، توصلت بمعطيات وأوضاع غير مريحة لوضعية الحقوق والحريات، وأن المعنيين يكونون قد أطلعوها بتفاصيل تؤكد الانتقادات التي توجه للسلطة.

والتقت ماري لولر مع وزراء ومسؤولين سامين في الجزائر، ومع رئيس المرصد الوطني لحقوق الإنسان (حكومي)، وشددت في كل مرة على تأكيد الإطار المهني لزيارتها، بينما حاول مستضيفوها كوزراء الاتصال والعدل والشؤون الدينية، إقناعها بالخطوات المبذولة فيما يسمونه تجسيد مبادئ الحقوق والحريات، وفقا للتدابير التي أقرها الدستور المعتمد في 2020.

وكشفت المتحدثة للصحافيين، أنها تلقت وعودا من الحكومة الجزائرية، تقضي بمراجعة البند التشريعي المثير للجدل، والمعروف بـ”البند 87 مكرر” المعتمد منذ العام 2021، والذي أعاد تصنيف وتكييف الأعمال الإرهابية، وأصبحت بموجبه أفعال سياسية سلمية مدرجة في خانة الجرائم الإرهابية، وقد توبع به العديد من الناشطين والمناضلين السياسيين المعارضين للسلطة.

ومع إشادتها بالتفاعل الإيجابي للجهات الرسمية مع زيارتها، في إشارة إلى التجاوب الذي لقيته من طرف وزراء معنيين بملف الحقوق والحريات، فقد دعت الحكومة الجزائرية إلى “الإفراج عن الناشطين الحقوقيين وعدم استهدافهم بسبب نشاطهم مع تعديل القوانين التي تجرّم عملهم”.

وأوصت الخبيرة الأممية في ندوتها الصحفية، السلطات الجزائرية بـ”الإفراج عن جميع المدافعين عن حقوق الإنسان المسجونين بسبب ممارستهم حرية التعبير والرأي وتكوين الجمعيات”.

وفي هذا الشأن تذكر مصادر حقوقية أن 250 ناشطا يتواجدون رهن التوقيف المؤقت أو السجن النهائي، وأن ستة آلاف آخرين متابعون من طرف القضاء، بسبب التعبير عن أفكارهم وآرائهم في شبكات التواصل الاجتماعي، بينما تتحدث تنسيقية الدفاع عن معتقلي الرأي، عن “تواجد العشرات في السجون، على خلفية الحراك المطالب بالديمقراطية أو الدفاع عن الحريات الفردية”.

ويرى هؤلاء أن حضور المقررة الأممية لجلسة محاكمة عدد من الناشطين في محكمة الجنايات بالعاصمة، سمح بصدور أحكام براءة لصالحهم، كما هو الشأن بالنسبة لقدور شويشة وزوجته جميلة لوكيل، والصحافي سعيد بودور، وطاهر بوتاش، ومصطفى قيرة وغيرهم.

ويبدو أن السلطة، التي فتحت أبواب السجون والمحاكم أمام المقررة الأممية، ووضعت مؤسساتها في خدمتها، تريد تغيير الصورة التي ارتبطت بها في السنوات الأخيرة، بشأن ملف الحقوق والحريات، غير أن انتقادات المقررة جاءت فوق ما كانت تنتظره منها، رغم الإشادة التي خصتها بها في مؤتمرها الصحفي.

وذكرت ماري لولر أن “معظم الذين قابلتهم إما سجنوا مرة واحدة على الأقل في حياتهم أو يواجهون اتهامات جنائية”، ويستند في ذلك القضاء إلى البند 87 مكرر الذي أعاد تصنيف وتعريف العمل الإرهابي.

ودعت في هذا الشأن إلى “تعديل المواد في قانون العقوبات التي تنص على عقوبات جنائية لكل من يشتم أو يهين الأفراد أو الهيئات أو المؤسسات، لأنه يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان وحرية التعبير”.

ولفتت إلى أن “المدافعين عن حقوق الإنسان الذين اختاروا العمل خارج إطار المجتمع المدني الذي صممته الحكومة يواجهون صعوبات خطيرة مما يؤثر أيضا على أسرهم، وأن بعضهم رفضوا أو ألغوا مقابلاتهم في اللحظة الأخيرة خوفا من المضايقات، على غرار الناشط أحمد منصري الذي اعتقل بعد لقائه المقرر الخاص المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات في سبتمبر الماضي”.

كما تطرقت إلى حالات “تقييد حرية تنقل المدافعين عن حقوق الإنسان، داخل الجزائر ومنعهم من السفر إلى الخارج”، وتأسفت عما وصفته بـ”حرمان الناشطين الحقوقيين من إمكانية الوصول إلى موارد مالية من الخارج تحت طائلة السجن، ما يفاقم عزلتهم”.

ورأت أن “القوانين السارية حاليا تستخدم للحد من عمل المدافعين عن حقوق الإنسان ومعاقبتهم، لاسيما استخدام بند من القانون الجنائي ارتبط بالمسائل الإرهابية بهدف قمع الناشطين، وأن تحديد مفهوم الإرهاب في هذا البند مبهم وواسع إلى حد أنه يترك للأجهزة الأمنية هامش تصرف كبير لتوقيف المدافعين عن حقوق الإنسان”.

العرب