إيران تتوخى الحذر من حرب أوسع في الشرق الأوسط

إيران تتوخى الحذر من حرب أوسع في الشرق الأوسط

يندر قيام إيران بأعمال عسكرية مباشرة خارج حدودها، على رغم الخطاب العدواني الذي تمارسه في كثير من الأحيان. والسبب أنها بنت سلسلة من الميليشيات التي تحارب بالوكالة عنها في جميع أنحاء الشرق الأوسط عندما تقتضي الحاجة.

ومن ثم فإن سلسلة الضربات التي شنتها إيران على ثلاث من الدول المجاورة لها – العراق وسوريا وباكستان – في الأيام القليلة الماضية هي تصعيد غير عادي أبداً، وأدت إلى زيادة القلق في شأن اندلاع صراع دام في جميع أنحاء المنطقة وخارجها.

وفقاً لطهران، فإن اثنين من الهجمات، في سوريا وباكستان، كانا يستهدفان الجماعات المتطرفة السنية التي ارتكبت فظائع في إيران.

في وقت سابق من هذا الشهر، أسفرت التفجيرات الانتحارية في مدينة كرمان خلال إحياء ذكرى موت قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، الذي قتل بغارة أميركية بطائرة مسيرة قبل أربع سنوات. وكذلك في الشهر الماضي، قتل العشرات من ضباط الشرطة في انفجارات هزت قاعدتهم في مدينة راسك قرب الحدود الباكستانية.

أعلن تنظيم “داعش” مسؤوليته عن تفجير كرمان. ويعتقد أن انفجارات راسك نفذتها جماعة “جيش العدل”، وهي جماعة سلفية أخرى.

ومع ذلك قال الإيرانيون إن الهجوم في الإقليم الكردي شبه المستقل في العراق استهدف “مقر تجسس إسرائيلي” يقع قرب القنصلية الأميركية في أربيل. يذكر أن القائد في الحرس الثوري الإيراني، سيد رضي موسوي، كان قد اغتيل في أواخر ديسمبر (كانون الأول) بغارة جوية إسرائيلية – وهي الواقعة التي تعهدت طهران “بالانتقام على أثرها”، قائلة: “ستدفع إسرائيل ثمن هذه الجريمة”.

22.jpg
فريق دفاع مدني ينفذ عمليات بحث وإنقاذ في مبنى متضرر بعد ضربة صاروخية أطلقها الحرس الثوري الإيراني في إقليم كردستان العراق (أ ف ب/غيتي)

أثر هذه الضربات غير واضح. فالهدف في إدلب، بسوريا، كان مقراً لجبهة “النصرة” ذات يوم، وهي جماعة تابعة لتنظيم “القاعدة”. إلا أن السكان المحليين أفادوا بأن المبنى لم يكن قيد الاستخدام منذ سنوات. وفي العراق، قال مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، إن منزل رجل أعمال تعرض للقصف في أربيل، مما أسفر عن مقتله وثلاثة آخرين. في غضون ذلك، ذكرت الحكومة الباكستانية أن طفلين قتلا وأصيب اثنان آخران في الهجوم هناك.

ربما كانت الغارات الجوية الإيرانية مخصصة للاستهلاك المحلي. فالفشل في منع تنفيذ تفجيرات من قبل جماعات أجنبية، إلى جانب قيام إسرائيل بقتل علماء مشاركين بالبرنامج النووي، كانا سببين قادا إلى زيادة الانتقادات الموجهة لحكومة طهران، على رغم قمع الأخيرة الاحتجاجات الداخلية بعنف.

كان متوقعاً انتقاد الغرب هجمات إيران، بل وربما تنظر إليه طهران بشكل إيجابي في ضوء الغضب الذي يجتاح معظم أنحاء العالم الإسلامي، وبخاصة تجاه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إزاء ما ينظر إليه على أنه فشل في الإدانة الوافية للحملة الإسرائيلية المستمرة في غزة، والتي يقال إنها أودت بحياة 24 ألف شخص حتى الآن. وبالمثل، يبدو أن الحوثيين في اليمن يعتقدون أن صراعهم مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في البحر الأحمر إنما يعزز صدقيتهم ومكانتهم في العالم العربي. هذا وقد أعادت الولايات المتحدة، الأربعاء الماضي، إدراج الحوثيين كمنظمة إرهابية.

كانت علاقات إيران مع باكستان متوترة في بعض الأحيان، وشهدت غارات عبر الحدود شنتها كل من الجماعات الجهادية والانفصاليين البلوش على إيران. لكن باكستان، التي تمر حالياً بفصل آخر من الاضطرابات السياسية والاقتصادية الداخلية، من غير المرجح أن ترد بما يتجاوز الإدانات اللفظية وبعض التحركات الدبلوماسية. واستدعت إسلام آباد سفيرها في طهران ووصفت الضربة بأنها “انتهاك صارخ وغير مبرر لسيادة باكستان”.

44.jpg
تظاهرة في باكستان للتنديد بالضربة الإيرانية (أ ب)

إلا أن استعداد طهران لتوتير العلاقات مع العراق في مثل هذا الوقت الحرج يثير الدهشة، فقد استدعت بغداد سفيرها في طهران وقالت إنها سترفع القضية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ويبدو أن الأحداث الأخيرة في العراق، الدولة ذات الغالبية الشيعية، كانت تسير في صالح إيران. في البرلمان، الذي يضم عديداً من النواب الذين لهم صلات بإيران، صوت أخيراً على قرار يقضي بمغادرة القوات الأميركية المتمركزة في البلاد. وشكل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لجنة لوضع جدول لهذا الانسحاب. وعلى رغم دحض الأعرجي، مستشار الأمن القومي، مبررات إيران حول الضربات الجوية، يعمل بنشاط في الجهود المبذولة لبناء علاقات مع طهران.

قد تشعر إيران أن العلاقات مع العراق يمكن إصلاحها، وهي تعلم أن الدول المجاورة تشترك في عدم رغبتها في الحرب في الوقت الحاضر. كانت آخر مرة انخرطت فيها طهران رسمياً في الصراع خلال الحرب الأهلية السورية، عندما انضم الآلاف من قوات الحرس الثوري الإيراني وميليشيات الباسيج إلى “حزب الله” اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية والقوات الروسية في الدفاع عن نظام بشار الأسد ضد “داعش”.

وقد تحدثت في ذلك الوقت إلى بعض أولئك الذين عادوا للتو إلى إيران من سوريا. عبدالله زاري، أحد مقاتلي الباسيج، تحدث عن اعتزازه بالمشاركة في الحرب ضد “داعش”. كان قد تطوع للعودة للجبهة على رغم تعرضه لإصابات خطرة في ساقيه وعموده الفقري، وتلف في الكبد والرئة، خلال معركة ضارية في خان طومان في شمال سوريا. وقال إن رفاقه كانوا حريصين أيضاً على العودة للقتال، لحماية المجتمعات والمزارات الشيعية.

33.jpg
سوريون في منشأة طبية مهجورة أصابتها صواريخ إيرانية في قرية تلتيتة (أ ب)

غير أن مسؤولاً رفيعاً في وزارة الخارجية الإيرانية أخبرني أن الهدف هو سحب القوات بدلاً من إرسال تعزيزات. وما زالت ذكريات الحرب التي دامت عقداً من الزمان مع عراق صدام حسين والخسائر المروعة في الأرواح التي تكبدتها عالقة في الأذهان. من المرجح أن أي قوات ترسل خارج البلاد تكون في معظمها من لواء “فاطميون”، وهو فصيل قوامه شيعة العالم المغتربون في إيران.

ناقشنا تعقيدات الحروب في المنطقة. زودت الوحدة التي قاتل فيها زاري، إلى جانب الميليشيات الشيعية السورية والعراقية، بغطاء جوي من قبل الطائرات الحربية الأميركية والبريطانية. في الوقت نفسه كان الرئيس المنتخب حديثاً دونالد ترمب يهاجم إيران خلال زيارة إلى الرياض متهماً إياها “بتصدير الإرهاب” في المنطقة، بينما كان يوقع صفقة أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار (85 مليار جنيه استرليني) مع المملكة العربية السعودية لمواجهة التهديد الشيعي المفترض.

أعلن النصر في تلك العملية العسكرية بالذات في كوجو، قائد “لواء بدر”، هادي العامري، وهي جماعة عراقية نافذة. كان بعضنا قد التقاه في البصرة أثناء الهدنات في القتال بين مقاتليه والقوات الأميركية والبريطانية خلال الاحتلال. ذهب العامري بعد ذلك إلى البيت الأبيض ضمن وفد وزاري عراقي.

كان المسؤول الإيراني يرى أن الديناميات الشديدة التغير في الشرق الأوسط كانت أحد الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تقاوم الضغط الإسرائيلي من أجل صراع مفتوح مع إيران.

وهذه هي الحال، كما أكدت شخصيات بارزة في إدارة بايدن. هذا الأسبوع، قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، أثناء تذمره من الميليشيات الوكيلة لطهران: “إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى الصراع مع إيران. لا نريد أن تتسع هذه الحرب: ولا يزال موقفنا على هذا النحو”.

وعلق المسؤول السابق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية أليستير بيرت قائلاً: “إن هناك تصميماً واضحاً على تجنب أي شيء من شأنه أن يبدو وكأنه تهديد بالحرب. أعتقد أن إيران تدرك ذلك جيداً، هي تعي حدود الأمر تماماً… حسب علمي فإن خطوط الاتصال [مع طهران] لا تزال مفتوحة. ومن المهم جداً في هذه الظروف أن يتمكن الجميع من التحدث مع بعضهم بعضاً ومحاولة تجنب الأخطار التي يمكن أن تؤدي إلى اندلاع النزاعات الخطرة”.

لكن بيرت أضاف: “علينا أن ندرك بالطبع أن خطر سوء التقدير ماثل بشدة”.