زيارة رئيسي لتركيا.. التوقيت والسياقات

زيارة رئيسي لتركيا.. التوقيت والسياقات

أجرى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في 24 يناير/ كانون الثاني زيارة إلى أنقرة كانت مُنتظرة منذ فترة طويلة. ولا يرجع الاهتمام الواسع الذي حظيت به إلى كونها مُجرد أول زيارة لرئيسي إلى تركيا منذ تولّيه منصبه قبل عامين ونصف العام فحسب، بل أيضًا لأنها جاءت في لحظة اضطراب شرق أوسطي غير مسبوقة أحدثت هزة كبيرة في الجغرافيا السياسية الإقليمية.

وعلى الرغم من أن هذا الاضطراب يفرض نفسه على قائمة أجندات السياسات الإقليمية وحتى العالمية في الوقت الحالي، فإن بعض الديناميكيات الأساسية المُحركة للعلاقات التركية – الإيرانية ترتكز على سياقات كانت قائمة منذ سنوات طويلة، وإن كان بعضها يتأثر الآن بالاضطرابات الناجمة عن الحرب الإسرائيليّة على غزة.

لذلك، يُمكن حصر أهمية الزيارة في إطارَين: الأول يتعلق بعملية إدارة المنافسة الإقليمية بين أنقرة وطهران في ضوء التحوّلات الأخيرة التي طرأت على بعض القضايا التي ينشط فيها البلدان بقوّة، مثل: سوريا، والعراق، وجنوب القوقاز. والثاني يتعلق بالفرص والتحديات التي تجلبها اضطرابات الشرق الأوسط على تركيا وإيران، ودورهما الإقليمي.

على الرغم من أن البلدين يُجمعان على رفض النشاط الانفصالي الكردي المسلح في الدول المجاورة لهما، فإنّ التعاون بينهما في هذا الملف يكاد يكون محدودًا

قبل كل شيء، فإن العلاقات التركية – الإيرانية تُشكل نموذجًا فريدًا في العلاقات الإقليمية. فعلى الرغم من أن البلدين وقفا لسنوات طويلة على طرفَي نقيض في معظم الصراعات الإقليمية المحيطة بهما- إن في الشرق الأوسط أو في جنوب القوقاز – فإنهما استطاعا إدارة خلافاتهما على مبدأ التعاون التنافسي.

وعلاوة على العوامل التاريخية والجغرافية التي تفرض على البلدين إدارة منافستهما، فإن التعاون التنافسي استند إلى حقيقة أن الصراعات المحيطة بهما فرضت عليهما تحديات مشتركة. في سوريا، والعراق على سبيل المثال، تمثلت هذه التحديات بالدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في كلا البلدين، وبصعود الحركات الانفصالية الكردية المسلحة.

وفي جنوب القوقاز، فإنه بقدر ما خلقت المنافسة بين أنقرة وطهران عوامل ضغط إضافية على العلاقات الثنائية، فإنها أوجدت في المقابل فرصًا لكلتيهما لتوظيف الجغرافيا السياسية الجديدة الناشئة في المنطقة لمواءمة مصالحهما بشكل أكثر فاعليّة.

وعلى صعيد السياسات الشرق أوسطية، فإن أنقرة وطهران تتبنيان رؤية مشتركة لجهة الحاجة إلى التعاون بين القوى الفاعلة في المنطقة لتحقيق الاستقرار الإقليمي. وفي ظل هذه البيئة الأمنية المضطربة وفراغ السلطة الذي يُحدثه تراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط، فإن مبدأ التعاون بين القوى الفاعلة في المنطقة يترسخ في المقاربتين: التركية والإيرانية.

مع ذلك، فإن البلدين لا يزالان يجدان صعوبة في مواءمة مصالحهما بشكل أوضح في قضايا سوريا، والعراق لاعتبارات مختلفة. وعلى رأس هذه الاعتبارات المنافسة الثنائية التي تُقوض من قدرة البلدين على التعاون في مجال الأمن الأكثر أهمية لكليهما. وعلى الرغم من أن البلدين يُجمعان على رفض النشاط الانفصالي الكردي المسلح في الدول المجاورة لهما، فإنّ التعاون بينهما في هذا الملف يكاد يكون محدودًا.

في سوريا، وعلى الرغم من أن الحوار الذي دخلته أنقرة مع دمشق قبل عام برعاية روسية وإيرانية، وتقاطع مصالح أنقرة وطهران ودمشق وموسكو في تقويض الوجود العسكري الأميركي في هذا البلد، ساعدا في خلق أرضية مشتركة بين تركيا وإيران للعمل المشترك في الملف السوري، إلا أن المعضلة المتمثلة بانسداد أفق التسوية السياسية لإنهاء الصراع السوري لا تزال تُشكل عقبة أساسية أمام كل من تركيا، وإيران، وروسيا لتطوير شراكتها في سوريا إلى مستوى العمل على إنهاء الصراع والتعاون في مواجهة الطموحات الانفصالية لوحدات حماية الشعب الكردية.

وفي العراق، فإن التنافس الطويل بين تركيا وإيران على النفوذ في إقليم كردستان العراق، وتعزيز طهران لعلاقاتها مع حزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” المنافس الرئيسي لحزب “الاتحاد الديمقراطي الكردستاني” الذي تربطه علاقة جيدة بتركيا، فضلًا عن تقاطع مصالح حلفاء إيران في العراق مع حزب “العمال الكردستاني” في مقاطعة سنجار، علاوة على تزويد حزب “الحياة الحرة الكردستاني” الإيراني لحزب “العمال الكردستاني” بالمقاتلين، كلّها عوامل حالت دون تعاون تركي- إيراني مشترك ضد الأحزاب الانفصالية.

لذلك، لم يكن مفاجئًا أن يتصدر ملف الأحزاب الانفصالية قائمة محادثات رئيسي وأردوغان في أنقرة. وفي الواقع، فإن التفاعلات التركية – الإيرانية الجديدة فيما يتعلق بالموقف من الحالة الكردية الانفصالية في المنطقة تكتسب زخمًا إقليميًا أوسع.

يُمكن النظر إلى الزيارة الأخيرة لرئيس جهاز المخابرات التركية إبراهيم كالين إلى العراق، والمسار التفاوضي التركي – الروسي – الإيراني – السوري، والزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تركيا في فبراير/ شباط المقبل، على أنها تندرج في إطار جهد خماسي مشترك للتعاون الجماعي في سوريا، والعراق.

وبالنسبة للحرب على غزة، فإنّ المعارضة التركية والإيرانية المشتركة للحرب، شكّلت أرضية مشتركة للبلدين في مقاربة الحرب. مع ذلك، فإنه في الجوهر، يتبنى البلدان سياسات غير منسجمة تمامًا، وتلتقي فقط في الموقف السياسي المعارض للحرب.

فبينما انخرطت طهران في الحرب عبر شبكة وكلائها في المنطقة، وطالبت دول المنطقة بقطع علاقاتها وروابطها الاقتصادية مع إسرائيل، فإن تركيا لا تزال تتمسك بعلاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل على غرار دول المنطقة الأخرى. كما أنها- وعلى الرغم من الموقف المندد بشدة بإسرائيل، والإشادة بحركة حماس كمنظمة تحرر وطني – تنشط بفاعليّة في دبلوماسية القنوات الخلفية لوقف الحرب.

كما عرضت استعدادها للانخراط في الهيكل الأمني المحتمل لغزة ما بعد الحرب. إن الهاجس الرئيسي المشترك لكل من تركيا وإيران بخصوص اضطرابات الشرق الأوسط الراهنة، يتمثل بالقلق من مساعي الولايات المتحدة لإعادة تعزيز حضورها العسكري في المنطقة. وهذا الهاجس يُشكل حافزًا مهمًا للبلدين للتعاون في السياسات الإقليمية لتقويض الدور الأميركيّ في سوريا والعراق.

وعلى مستوى جنوب القوقاز، اكتسبت زيارة رئيسي لتركيا أهمية في ضوء التحولات التي طرأت مؤخرًا على منطقة جنوب القوقاز بعد نجاح أذربيجان في استعادة السيطرة الكاملة على إقليم قره باغ.

تحولت قضية قره باغ منذ عام 2020 إلى أكبر تحدٍّ يواجه العلاقات التركية- الإيرانية. لذلك، فإن زيارة رئيسي لتركيا والزيارة المرتقبة لبوتين إلى تركيا أيضًا ستختبران مدى قدرة الدول الثلاث على تطوير تفاعلاتها في جنوب القوقاز للانخراط في جهد مشترك لتحقيق السلام بين أذربيجان وأرمينيا، وتنفيذ مشاريع خطوط النقل الجديدة في المنطقة.

وبالنظر إلى النفوذ الذي تمتلكه تركيا على أذربيجان والنفوذ الذي تمتلكه كل من إيران وروسيا على أرمينيا، فإن التعاون المشترك بين الدول الثلاث يُمكن أن يخلق عصرًا جديدًا في جنوب القوقاز.