مذكرة التفاهم.. رغبة في التهدئة ام مناورة للتصعيد

مذكرة التفاهم.. رغبة في التهدئة ام مناورة للتصعيد

اياد العناز 

سعت القيادة الباكستانية بجهود متواصلة ودبلوماسية فاعلة للقيام بتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ومحاولة فك حالة الجمود التي هيمنت على أوجه الصراع القائم في منطقة الخليج العربي بعد القرار الإيراني بغلق مضيق هرمز وفرض رسوم كمركية على السفن والناقلات أثناء عبورها من خلاله خلافًا للقوانين الدولية الخاصة بالمضايق والممرات البحرية وما تلاها من إجراء أمريكي بفرض الحصار البحري على الموانئ والسواحل الإيرانية ومنع أي عمليات للوصول إليها مما زاد في حدة الضغوط الأقصوى للعقوبات الاقتصادية على إيران وزيادة حجم المعاناة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الإيراني.
كان لوصول رئيس أركان الجيش الباكستاني ( عاصم منير) للعاصمة الإيرانية ( طهران) يوم 22 آيار 2026 دلالة واضحة للأهمية السياسية التي تسعها إليها باكستان بوضع النقاط الرئيسية لمذكرة تفاهم ثنائية تحظى بقبول واشنطن وطهران وبمساعي عربية خليجية وإقليمية تركية وبدعم دولي صيني، وحسم معظم القضايا المتعلقة ودفع مسار التفاوض للأمام والابتعاد على المسار العسكري والعودة للقتال والمواجهة العسكرية.
حددت إيران أهدافها بوقف القتال وعدم العودة لأي مواجهة عسكرية بضمانة دولية وانهاء الحصار البحري لموانئها وتامين عملية استقرار وانسيابة العمل في مضيق هرمز واعتباره من أولويات أي تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وأن المدخل الرئيسي للعودة للحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي هي إيقاف إجراءات الحرب على كل الجبهات وهي تعني ( وقف العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني) ضد حزب الله وقواعده من قبل القوات الإسرائيلية، والسعي لازالة حالة عدم الثقة وتحقيق أجواء إيجابية ترافق الحراك الدبلوماسي للوساطة الباكستانية.
تداولت الإدارة الأمريكية مذكرة التفاهم والنقاط الرئيسية فيها والخاصة بتحديد مهلة زمنية امدها عشرة سنوات تلتزم فيها إيران بتخصيب اليورانيوم عند نسبة 3،67٪ والإفراج عن 25 مليار دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج وارجاء النقاش حول برنامج تخصيب ومخزونه بنسبة 60٪ وبكمية (400) كغم لفترة تتراوح بين 30-60 يوم، وترى الولايات المتحدة الأمريكية أن هناك شكوكاً حيال محاولات إيران فصل ملف فتح مضيق هرمز عن البرنامج الملف النووي وتأجيل الالتزامات الإيرانية التي حددتها الشروط الأمريكية عبر اصرار الرئيس دونالد ترامب على ربط التهدئة النهائية بتسليم طهران لمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
ان الإعلان عن مذكرة التفاهم ودراستها من قبل الإدارة الأمريكية إنما هي محاولة لترحيل القضايا الأساسية لمستقبل قد يمتد لنهاية عام 2026 والذي فيه تستطيع إيران إعادة هيكلية نظامها السياسي وترتيب أوضاعها العسكرية والنظر في أزماتها الاقتصادية والاجتماعية إذا ما تم رفع الحجز عن ( 25) مليار دولار الذي وضعته كبداية للمفاوضات وتثبيت حسن النوايا، كما أن الرئيس ترامب ينظر إلى هذه الفترة باهتمام عالمي يتعلق بعودة الهدوء إلى أسواق الطاقة ( النفط والغاز) واسعار الاسهم العالمية وانسيابية التجارة العالمية والحفاظ على المصالح الدولية والإقليمية بعد فك الحصار البحري وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية والاستعداد للانتخابات النصفية الأمريكية بأريحية ودعم داخلي.
لا زالت إيران ترى في مضيق هرمز عامل بارز ومهم في إسعاف طلباتها في المفاوضات القادمة واعتماده نقطة أساسية في مذكرة التفاهم مع تمسكها بخزينها من اليورانيوم المخصب، في حين أن للولايات المتحدة الأمريكية سياستها في ضبط الإيقاع عبر استخدامها للضغوط العسكرية والسياسية لدفع إيران لتنازلات ميدانية،وهذا ما أكده الرئيس ترامب بقوله ( أن إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا على الإطلاق والقادة في طهران يعلمون ذلك جيدًا).
يبقى الملف الأكثر حضورًا هو كيفية التعامل مع الأصول المالية الإيرانية وما مقدار الأموال التي تسمح باطلاقها واشنطن والمجمدة في بنوك أجنبية، والتي ستكون في صدارة وأولويات إيران عند حضورها لأي جلسات لحوار ثنائي مع واشنطن، لحاجتها الماسة لها ولتدارك أوضاعها الداخلية ومعالجة أزماتها الاجتماعية وتأكيد عدم رغبتها في معاودة القتال والحفاظ على بقاء نظامها السياسي، ولكن الإدارة الأمريكية تعلم أن قيمة هذه الأموال تزيد عن (100) مليار دولار وأنها المتنفس الوحيد للازمة الاقتصادية الإيرانية ولهذا فهي تبدي موقفًا متصلبًا في التعامل مع هذه النقطة المهمة وترهن الإفراج عن أي مبالغ محددة بتقدم ملموس وواضح لها وخاصة فيما يتعلق بالملف النووي ونسب اليورانيوم المخصب.
وسبق عملية التحرك الدبلوماسي الباكستاني ان أعلن المرشد مجتبى خامنئي عن توجيه مركزي للمسؤولين الإيرانيين بعدم نقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب والقريب من درجة النقاءالمستخدمة في تصنيع الأسلحة النووية إلى خارج إيران، وهي احد المواقف المتشددة تجاه الشروط الأمريكية، وهذا ماتم الإشارة إليه في المكالمة الهاتفية التي جمعت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي حددت مفهومًا واضحاً لكيفية التعامل مع مخزون اليورانيوم الإيراني بأن أي إتفاق سلام يحصل يجب أن يتضمن بندًا واضحاً بهذا الشأن،خاصة بعد الإشارة التي أعلنتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن امتلاك طهران نحو 440 كغم مخصب بنسبة 60٪ وهي الكمية التي تكفى تقنيًا لإنتاج نحو 10 قنابل نووية إذا ما رُفع تخصيبها إلى 90٪، ويعتقد أن إيران أعادت توزيع هذا المخزون بعد الضربة الأمريكية على 3 منشآت رئيسية هي فوردو وأصفهان ونطنز، مع ترجيحات بوجود كميات في مواقع سرية أخرى لتعقيد أي محاولة للوصول إليه، وهذا ما يعني اصرارًا امريكيًا للتمسك بإخراج اليورانيوم لإتمام أي تسوية قادمة بعد إقرار مذكرة التفاهم، والتي إذا لم يتم التعامل معها بجدية وبموقف إيراني مسؤول فقد تلغي الاتفاق ويكون المسار العسكري هو الأرجح في العلاقة بين واشنطن وطهران.
تسعى جميع الأطراف العربية والإقليمية الي توظيف الضغوط الأمريكية لتنفيذ مذكرة التفاهم وإعداد صياغة فاعلة لإنهاء القتال ورفع الحصار البحري وفتح مضيق هرمز والبدأ بمفاوضات جادة، وهي النقاط والمحاور الرئيسية التي كانت في أولويات الاتصالات الهاتفية التي اجراها الرئيس ترامب مع عدد من قادة دول مجلس التعاون الخليجي العربي وتركيا وباكستان، والجميع ينتظر القرار الأمريكي والنتائج المرحلة لما ستؤول إليه الأحداث القادمة في الإقليم.

وحدة الدراسات الإيرانية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية