الليبيون في مفترق الوقود المدعوم ومحاصرة التهريب

الليبيون في مفترق الوقود المدعوم ومحاصرة التهريب

تراقب الأوساط الشعبية الليبية ما ستفضي إليه النقاشات بين السياسيين حول ملف الوقود المدعوم الذي برز إلى الواجهة في الفترة الأخيرة كأحد أدوات محاصرة التهريب الذي أنعش السوق السوداء، رغم التحديات والتداعيات التي تلف هذه القضية المثيرة للجدل.

طرابلس – تتنامى لدى بعض الليبيين مخاوف من أن يبادر رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة إلى تنفيذ قرار قال سابقا إنه “اتخذ ولا تراجع عنه”، وهو الخاص برفع الدعم عن المحروقات في البلاد.

ويترافق هذا الشعور مع تفاقم المشاكل المالية التي تعاني منها حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس مؤخرا، وهبوط الدينار أمام العملات الأجنبية في السوق الموازية إلى أدنى مستوى له منذ عام 2018، فضلا عن النقص الحاد في السيولة النقدية.

وتعتبر ليبيا ثاني أرخص دولة في وقود البنزين بعد فنزويلا وإيران، وجميعها أعضاء في منظمة أوبك، بواقع 0.15 دينار (3 سنتات أميركية)، بينما يباع في دول أخرى بنحو 0.7 دولار، وفق بيانات منصة غلوبال بترول برايس نشرت في يناير الماضي.

وكان عام 2011 قد شهد آخر تعديل لأسعار الوقود، عندما قلص السعر على وقع أحداث الفوضى التي شهدتها البلاد إلى ثلاث سنتات من أربع سنتات بأسعار الصرف الحالية.

ويقول المصرفي والمحلل الاقتصادي محمد سعيد لوكالة الأنباء الألمانية إنه في تلك الفترة كان السعر يوازي نحو 16 سنتا. ومع أنه زهيد أيضا، لكنه يظل أفضل من الحالي، كما أن الدولة حينها كانت تسيطر إلى حد بعيد على تهريب الوقود، وعلى قوة عملتها أيضا.

وتشير بيانات البنك المركزي إلى إنفاق 60 مليار دينار (12.46 مليار دولار) على بند الدعم السلعي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وبواقع 20 مليار دينار للسنة، بينما كشفت الحكومة عن خسائر سنوية تقدر بنحو 3.7 مليار دينار جراء تهريب الوقود.

ومنذ الإطاحة بحكم الزعيم معمر القذافي تكونت عصابات مسلحة اختصت في تهريب الوقود للخارج، وتصاعد نشاطها مع الوقت.

وأكد مهرب سابق رفض الكشف عن هويته أن التهريب بدأ مطلع التسعينات من المنافذ البرية عبر خزانات السيارات والشاحنات لكن بعد 2011 توسعت الشبكات حتى وصل نشاطها إلى تركيا ومالطا واليونان وإيطاليا وإسبانيا، هذا فضلا عن أغلب دول الجوار.

وقال إن فرق السعر الكبير “ساعد العصابات على سرعة توسيع نشاطها وإنشاء محطات للتهريب بصهاريج تخزين ضخمة ومضخات تدفع الوقود إلى السفن التي ترسو عادة بعيدا عن الشواطئ الضحلة”.

وتقوم هذه السفن بدورها بإيصال الوقود إلى مخازن شركات أوروبية ضالعة في التهريب تقوم بإصدار شهادات منشأ مزورة للوقود، وتتولى إجراءات بيعه من جديد لأوروبا العطشى للوقود بعد أزمة أوكرانيا.

ويتابع للوكالة الألمانية “هي شبكة كبيرة، فيها مُتنفذون في دوائر السياسة وداخل مصافي وموانئ النفط وفي المنافذ والبوابات، هذا فضلا عن محطات الوقود الوهمية التي يمتلك السياسيون وقادة الميليشيات جزءا منها”.

وفي مطلع فبراير الماضي أمر النائب العام بإغلاق 450 محطة وقود والقبض على مئتي متهم بتهريب الوقود، ومصادرة 60 جرّافة صيد بحري جرى تحويرها لتقوم بأعمال التهريب، وكذلك مخاطبة الإنتربول بشأن القبض على شخصيات أجنبية متورطة.

ورغم كل ذلك، فشلت الحكومات المتعاقبة على مدار 13 عاما الأخيرة في إدارة ملف الوقود المدعوم والقضاء على التهريب، وكانت آخر المحاولات العملية العسكرية التي أعلنت عنها حكومة طرابلس في مايو الماضي ضد أوكار التهريب بغرب العاصمة.

الحكومات المتعاقبة على مدار 13 عاما الأخيرة فشلت في إدارة ملف الوقود المدعوم والقضاء على التهريب

وقامت من خلالها بقصف مواقع في مدن شملت الزاوية وصبراتة وصرمان والعجيلات وزوارة، إلا أن المهرب السابق يؤكد أن هذه الضربات “لم تكن ذات جدوى”.

ويستدرك قائلا “الحكومة لم تكن جادة في مكافحة التهريب، ولم يتعد الأمر بعض الضربات التحذيرية بعيدا عن الاستهداف المباشر للأشخاص”.

وأضاف أن “محاربة عصابات لها امتدادات وأذرع سياسية وأمنية واجتماعية وفي دولة مخلخلة وعلى شفا الانقسام ليس بالأمر السهل”.

ولعل تَعقّد المشكلة وفشل العملية الأخيرة هو ما دفع الحكومة إلى التفكير خارج الصندوق، فقد شكلت لجنة خاصة أوصت مؤخرا برفع الدعم عن الوقود.

وبشكل مفاجئ، كشف الدبيبة في يناير الماضي عن النوايا الجديدة و”الحازمة”، كاشفا عن تحذير البنك المركزي والأجهزة الرقابية من “استمرار الوضع الراهن بعد أن بلغت قيمة الدعم 50 في المئة من دخل البلاد”.

وأفزعت هذه التصريحات الأوساط الشعبية التي أبدت رفضا لها، كما رسّخت للانقسام السياسي الحاصل عندما رُفِضت بشكل قاطع من حكومة بنغازي الموازية والمكلفة من مجلس النواب.

12.46 مليار دولار حجم مخصصات الدعم الحكومي للسنوات الثلاث الأخيرة

ويُرجع غالبية الليبيين موقفهم ذلك إلى محاذير من سرقة أموال الدعم وسط الفساد المستشري، فضلا عن تسبّبه في زيادة الأعباء المعيشية وارتفاع أسعار النقل في دولة مترامية الأطراف.

وجراء الضغوط اندفع الدبيبة إلى تخفيف الحدة قليلا حين عاد وصرح بأن “إقرار أيّ إجراءات مشروط بقبول الناس، وأن يكون مردودها المالي مباشرا في جيب المواطنين”.

كما لفت إلى استمرار النقاشات مع ذوي الاختصاص بشأن الدعم وبدائله، بغية الوصول إلى صيغة تضمن حق الليبيين من الدعم بعيدا عن مصالح المهرّبين وحلفائهم.

ويوضح سعيد أن البدائل التي تتحدث عنها الحكومة تنحصر في تحويل الدعم إلى نقدي يُوَزّع حسب منظومة الرقم الوطني، أو الإبقاء على الأسعار الحالية شرط تحديد كميات مضبوطة للأفراد والمؤسسات تصرف عن طريق كوبونات خاصة.

وقبل انتقاد أيّ إجراءات، يشدد سعيد على ضرورة متابعة كل سلبيات دعم الوقود، فعدا عن التهريب وتبعاته الاقتصادية، هناك حالة ازدحام طرقي شديدة في المدن تؤكد أن أسعار المشتقات النفطية المبالغ في زهدها هو مسببها الأول.

ولغرض التأكد من ذلك رصدت الوكالة الألمانية حركة السير الصباحي في إحدى الطرق بطرابلس وتبين أن أكثر من نصف السيارات المارة وسط الطريق المزدحم لا تُقلّ سوى السائق، بينما لا يتعدى الركّاب في أغلب السيارات الباقية اثنين أو ثلاثة على الأكثر.

ويرجع سعيد هذا لسببين، الأول يتعلق برخص البنزين، والثاني الغياب شبه التام لوسائل النقل الجماعي منذ تسعينات القرن الماضي.

ومن هذا الباب، يفرض التمهل في مسألة رفع الدعم إلى حين دراسة تداعيات القرار كتلك التي ستؤثر على أسعار الكهرباء والسلع والنقل، هذا بالإضافة إلى إنشاء شبكات نقل جماعي داخل المدن.

ومن زاوية أخرى، وتعليقا على تصريح أخير للدبيبة أكد فيه أن ملف الدعم سيُبتّ فيه قبل نهاية 2024 يبدي الناشط المدني فتحي المعيوفي خشيته من تأثير رفع الدعم على وحدة الدولة، خاصة في ظل رفض حكومة الشرق له.

ويقول إنه في حال تشبثت كل حكومة برأيها سيترسّخ الانقسام، وسيتم تهريب الوقود من شرق البلاد إلى غربها، هذا فضلا عن تأثير تغيير السعر على أسواق الجنوب التونسي التي تعتمد أساسا على المنتجات الليبية.

ويتابع “لا أحد طبعا مع تهريب الوقود إلى تونس أو غيرها، لكن رفع الدعم دون تقدير أن أيّ خلل اقتصادي أو أمني في جنوب تونس سيؤثر سلبا على ليبيا أمر مقلق”.

العرب