قرار إسرائيلي بالرد على إيران.. تحديات الاختيار بين الإستراتيجية والانتقام ورد الصاع صاعين

قرار إسرائيلي بالرد على إيران.. تحديات الاختيار بين الإستراتيجية والانتقام ورد الصاع صاعين

في ظل الإجماع في إسرائيل على ضرورة الرد على الهجمة الإيرانية، يتصاعد الجدل الداخلي بين من يؤيد رداً فورياً ومباشراً داخل إيران من أجل استعادة الهيبة وقوة الردع، ومن يدعو للتريث والبحث عن ردّ إستراتيجي لا تكتيكي أو انتقامي، والقيام باستثمار دبلوماسي مفيد.

وقالت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية إن مجلس الحرب قد قرر، أمس، القيام برد على هجمة إيرانية، وإن إسرائيل تنتظر “الفرصة” لتنفيذه، دون أن تكشف عن تفاصيل أخرى حول مكانه، زمانه، وطبيعته.

ياعلون: هناك وزراء يسعون لإشعال حرب يأجوج ومأجوج في المنطقة، هل تنقصنا الآن حرب مع إيران ومع لبنان؟ علاوة على غزة؟!

في نطاق السجال الداخلي حول كيفية التعامل مع “الوقاحة الإيرانية”، يفيد استطلاع رأي جديد في جامعة تل أبيب أن 51% من الإسرائيليين يؤيدون رداً إسرائيلياً على الهجمة الإيرانية، لكنهم يفضلون العدول عنه بحال كان هذا مطلب الحلفاء والأصدقاء. وربما يعكس هذا الموقف استشعار الإسرائيليين في فطرتهم عدم قدرة إسرائيل وحدها على مواجهة إيران دون دعم أمريكي مباشر، خاصة أنهم يسمعون تحذيرات عدد من الجنرالات في الاحتياط، وأنهم باتوا متشككين حيال ما يصدر عن المؤسسة الأمنية، بعد الفشل الذريع في السابع من أكتوبر، وبعد الفشل في توقع الاستخبارات العسكرية الضربة الإيرانية.

يشار إلى أن الاستخبارات العسكرية في إسرائيل (طبقاً لمصادر إسرائيلية صحفية كثيرة) كانت قد قدمت تقديرات للمستوى السياسي ترجح فيها أن إيران لن تطبق تهديداتها، ولن ترد على اغتيال جنرالها في دمشق.

التنفس بعمق وشرب الماء
وفي الجانب المتحفظ من هجمة إسرائيلية مضادة يقف وزير الأمن الأسبق موشيه ياعلون، الذي قال، ضمن تحذيره في حديث للإذاعة العبرية العامة اليوم، إن إيران نجحت، في السنوات الأخيرة، في بناء قدرات عسكرية متنوعة هجومية، منبهاً لأهمية ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة أولاً، داعياً للإصغاء لواشنطن المطالبة، منذ السابع من أكتوبر، بانضمام إسرائيل لتحالف إقليمي.

وفي نطاق تحذيراته تابع ياعلون بالتساؤل: “هناك وزراء يسعون لإشعال حرب يأجوج ومأجوج في المنطقة، هل تنقصنا الآن حرب مع إيران ومع لبنان؟ علاوة على غزة؟

ورداً على سؤال عمّا إذا كان يؤيد نظرية بايدن حول دولة فلسطينية، قال ياعلون: “لا وهم عندي بتسوية الصراع، ولكن علينا استبدال “حماس”، وعلينا التعاون مع أمريكا. نحن عالقون للأسف، لأن بقاء نتنياهو في الحكم مرهون ببقاء الحرب، وبوزراء غيبيين، ولذا لا توجد صفقة مع حماس”.

ورداً على اتهام الإذاعة لـ “حماس” بأنها هي التي تفشل مساعي الصفقة، قال ياعلون: “استمعنا، قبل أيام، لاثنين من طاقم المفاوضات الإسرائيلي وهما يتحدثان لبرنامج “الحقيقة” في القناة 12 العبرية عن قيام نتنياهو بعرقلة مفاوضات الصفقة بشكل واضح”.

بدون تحالف دولي إقليمي لا تستطيع إسرائيل مواجهة إيران
وسبقه في ذلك مستشار الأمن السابق عوزي أرد، الذي قال للقناة 13 العبرية، ليلة أمس، إنه قلق جداً من قرارات نتنياهو لسببين أولهما ارتكابه أخطاء، والثاني خلطه الحسابات الخاصة بمصالح الأمن القومي ومصالحه السياسية.

وفي التزامن، كان قائد الجيش وقائد سلاح الجو سابقاً الجنرال في الاحتياط دان حالوتس قد أبدى، في حديث للقناة المذكورة، قلقه هو الآخر، وقال، باقتضاب وبشكل قاطع، إن الإيرانيين أخفوا، في السنوات الأخيرة، منشآتهم في باطن الأرض ما يصعب على إسرائيل الرد، معرباً عن خشيته من دفع “حزب الله” للمشاركة مع إيران في تصعيد خطير، ما يعني تحدياً خطيراً لإسرائيل وللجبهة الداخلية فيها.

كما قال قائد سابق لسلاح الجو الإسرائيلي، إلياهو بن إيتان، في حديث للقناة 12 العبرية، إن إسرائيل لا تستطيع القيام برد حقيقي، وفي مواجهة إيران لوحدها”.

الرد خطير
وأوجز مستشار الأمن السابق الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند المحاذير الإسرائيلية المتزايدة من ضربة انتقامية من إيران بالقول، في مقال تنشره “يديعوت أحرونوت” اليوم، إن الاعتبارات الداعية للرد على إيران مفهومة، بل منطقية، لكن من المفضل عدم الرد العلني على الأراضي الإيرانية. وعلّل ذلك بالقول إنه بحال كانت الضربة “سخيفة” أو “خفيفة” ستكون فقط لإسقاط واجب، وعندها سيكون الضرر أكبر من المنفعة. أما بحال كان الرد مكثفاً ستستدرج إيران، على ما يبدو، لرد على الرد يدخل إسرائيل في معركة طويلة دون أن تريد.

وأمس، أكد رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود براك، في تصريحات إعلامية، أنه لا بدّ من ردّ يعيد الاعتبار لإسرائيل، لكن ليس بالضرورة الآن، وعلانية، داعياً للاهتمام بمواقف الولايات المتحدة نحو التحالف الإقليمي والدولي لعزل إيران، والبحث عن مكاسب إستراتيجية تشمل تطبيعاً مع السعودية بدلاً من رد تكتيكي.

حالوتس: الإيرانيون أخفوا، في السنوات الأخيرة، منشآتهم في باطن الأرض ما يصعب على إسرائيل الرد

يشار إلى أن واشنطن لم تفرض فيتو على إسرائيل، وتحفّظها من رد ليس قاطعاً، وطبقاً لتسريبات صحفية، فإنها تدعو للحذر والتصرف بمنطق، لا بشكل انفعالي.

إسرائيل لم تتوقع
وهذا ما يراه محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل، الذي يقول إن إيران قررت الرد لأنها استشعرت ضعفاً إسرائيلياً، أو لأن الاغتيال في دمشق كان بالنسبة لها القشة التي قصمت ظهر البعير، أو لأنها بالغت في تقدير قدراتها الذاتية، ولكن في كل الأحوال على إسرائيل أن تتوخى الحذر، وأن تأخذ بالحسبان قوة الهجمة الإيرانية. موضحاً أن هجمة المسيرات والصواريخ فشلت، لكن الوزراء وقادة الجيش في إسرائيل أخطأوا في تقييد أنفسهم برد، معتبراً أن الموقف الأمريكي، وتأثير الرد الإسرائيلي المحتمل على أهداف الحرب على غزة يمليان موعده وطبيعته.

تشرتشل أم تشمبرلن؟
في المقابل، هناك دعوات في إسرائيل،على لسان وزراء وجنرالات في الاحتياط أيضاً، تدعو للرد وعدم التسليم بالمعادلة الإستراتيجية الجديدة التي شكلتها ايران وتجاوزت خطاً أحمر، منبهين إلى أن عدم الرد يعني ضرباً لقوة ردع وهيبة إسرائيل، ولأمنها القومي.

ويواصل بن غفير وسموتريتش، وعددٌ من وزراء الليكود أيضاً، الحثّ لـ “رد الصاع صاعين”، وإلا ستورط إسرائيل نفسها في تهديد وجودي نظراً لتجرؤ الأعداء على المزيد من المساس بها.

هارئيل: إيران قررت الرد لأنها استشعرت ضعفاً إسرائيلياً، أو لأن الاغتيال في دمشق كان القشة التي قصمت ظهر البعير، أو لأنها بالغت في تقدير قدراتها الذاتية

غير أن غانتس وغالانت وغيرهما يتحدثون بالتلميح والتصريح عن ضرورة الرد على من مَسّ ويمس بإسرائيل، لكنهم، في الساعات الأخيرة، يستنكفون عن الإسهاب في تصريحاتهم وعن الخوض في أي تفاصيل.

ومقابل هذه الضغوط والاجتهادات المتناقضة، يسعى نتنياهو للتوفيق بين الاتجاهات المتباينة، وهناك من يخشى أنه يقحم حساباته الشخصية في موضوع حساس جداً كونه مسكوناً بالتاريخ، ويرى بنفسه “تشرتشل إسرائيل”، ويخشى من اتهام المعارضة له بأنه ظهر في نهاية المطاف كـ “تشمبرلن إسرائيل” (رئيس حكومة بريطانيا التاريخي الذي تعامل مع ألمانيا النازية بليونة زائدة فتحت شهيتها على المزيد من البلطجة، مثل احتلال إقليم السوديت في تشيكوسلوفاكيا، عشية الحرب العالمية الثانية).