تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أهدافها السياسية التي ابتدأت بها المواجهة العسكرية مع إيران بمشاركة القوات الإسرائيلية في توسيع دائرة الاستهداف والتمكين داخل العمق الإيراني وتعزيز سياسة الضغط القصوى في إيقاع أكبر الخسائر لدى جميع صنوف القوات المسلحة الإيرانية، وصولاً إلى هدفها الرئيسي والذي يحدد مستقبل وأيام المواحهة في جلوس القيادة الإيرانية لطاولة التفاوض وبوجود المرشد الجديد ( مجتبى خامنئي).
لا يمكن تحديد موعد لإنهاء أي مواجهة عسكرية بين دولتين أو بين حلفاء الا عن طريقين أحدهما التفاوض والآخر إعلان الاستسلام والهزيمة من قبل إحدى الدولتين، وهذا ما أراد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يوضحه في حديثه بتاريخ التاسع من آذار 2026 إلى مؤسسة (تايمز أوف إسرائيل) بقوله ( إن قرار إنهاء الحرب الجارية مع إيران سيكون قرارا مشتركًا بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع احتفاظه بالكلمة الأخيرة بشأن توقيت إنهاء العمليات).
أن التقدم الميداني في طبيعة الأهداف العسكرية والاقتصادية التي أصبحت إحدى ملامح الاسبوع الثاني من المواجهة الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية والتي بدأت توقع خسائر كبيرة في الاقتصاد الإيراني عبر استهداف خزانات الوقود ومحطات الطاقة مع الاستمرار بتدمير السفن العائمة في مضيق هرمز والتي كان آخرها (سفن زرع الألغام)، والتي أحدثت تطورًا نوعيًا في الميدان والمواجهة.
أن الجانب الأمريكي يدرك جيدًا أن الذي له الدور الأكبر والحاسم في اختيار المرشد الأعلى الجديد، هي القيادات العسكرية والأمنية في الحرس الثوري الإيراني كونه يمثل أبرز مراكز السلطة في إيران والمسؤول عن تنفيذ استراتيجية الدفاع المتقدم في الإقليم و التوسع في مجال المشروع السياسي الإقليمي الإيراني، وبما أن المرشد ( مجتبى خامنئي) هو الأقرب في العلاقة السياسية والأمنية مع هذه القيادات فإنه سيعمل على وحدة القرار الإيراني ومنع أي صراع وخلاف بين أطراف وتيارات المؤسسة الحاكمة وليعزز مكانته في اكتساب ( الشرعية الكاملة) وتوجيه الأجهزة التنفيذية لقيادة العمليات العسكرية الميدانية وتوجيه واشراف مباشر منه، وليثبت أنه على المسار الذي اخطته والده والبدأ بمرحلة تصعيد أوسع.
ومن هنا جاء حديث الرئيس ترامب حول (نهاية الحرب) ليثبت حقيقة انجاز الكثير من الأهداف التي تتبع الجدول الزمني في تحديد ورسم مستلزمات المقاربة الزمنية للحرب، وليؤكد أن النهاية قاربت بضرب معظم الأهداف العسكرية والمواقع الأمنية ومنشآت خزن الأسلحة والمعدات الثقيلة ، ولكنه يرى أن وقف المواجهة يجب أن يتم بعد تجريد إيران من قوتها الردعية وانخفاض في مستوى توجيه الصواريخ الباليستية وتدمير منصاتها وإيقاف استهداف عواصم دول مجلس التعاون الخليجي العربي.
يحاول الرئيس ترامب من حديثه تحديد مسار الحرب ووقت نهايتها وأنه على استعداد للتعامل مع أي قيادة إيرانية جديدة ومعتدلة في آرائها ويسعى إلى طمأننة حلفائه الإقليميين والدوليين بأن مصالحهم سوف لا تتضرر وتهدئة الارتفاع القائم في أسواق الطاقة العالمية بإنهاء أزمة الحصار والسيطرة على مضيق هرمز وانهاء الدور الإيراني فيه،كما أنها رسالة للشعب الأمريكي بأن المواجهة مع إيران تحقق له الاستقرار والحفاظ على مصالحه وقوة ومكانة دولته، ويمثل إعلان الرئيس الأميركي فقدان القدرات الصاروخية الإيرانية وضعفها وأن الحرب أوشكت على نهايتها، في خطوة تمثل تحديًا صريحًا لنفوذ طهران وتحول قادم في ميزان القوى.
وجاء الرد الإيراني مباشرة من قبل وزير الخارجية عباس عراقجي بمواصلة إطلاق الصواريخ الإيرانية على إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، مؤكدًا (أن لا مفاوضات مع واشنطن في الأمد القريب وأن الخطة الأمريكية الأولية للحرب قد فشلت)، وتنفيذ سياسة الحرس الثوري الإيراني بأنه هو من يقرر وينفذ في الميدان، وأن القوة الإيرانية لازالت لديها القدرة على المطاولة وأن الرد الاستباقي والمقابل لامكانيات تشكيلات الحرس الثوري قائمة وفاعلة في الميدان.
عودة إيران للتهديد بضرب منشآت النفط والغاز في الشرق الأوسط واعتبارها أهدافًا قائمة إذا استمرت الضربات التي تستهدف البنية التحتية النفطية داخل إيران، وهو القرار الذي من الممكن أن يسبب أزمة كبيرة تهدد أمن الطاقة والممرات الاقتصادية في عملية غلق تام لها، لهذا جاءت الضربات الأخيرة التي استهدفت السفن الإيرانية في مضيق هرمز والتي هددت بتلغيمه بعديد من المتفجرات، وسبق للقوات الإيرانية وأن استهدفت منشآت نفطية وطرق امداداتها في بداية المواجهة عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة مما أدى إلى وقف إنتاج دولة قطر كليًّا من الغاز الطبيعي المسال كليًا ، بعد التعرض الذي استهدافها في رأس لفان، أحد أكبر مراكز صناعة الغاز المسال في العالم، وأعلنت قطر عن وقف تصدير الغاز نتيجة الهجمات عليها وإغلاق مضيق هرمز، وكذلك عجز الكويت عن تصدير خاماتها وخفض إنتاجها من النفط إلى الحد الذي يلبي احتياجاتها المحلية فقط، وأعلان العراق عن خفض إنتاجه بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا، إضافة إلى تعطل الإنتاج في مصفاة رأس تنورة في السعودية.
إن الاستهدافات الإيرانية للمنشآت الحيوية ومواقع الطاقة في الخليج العربي يمثل تحولًا خطيرًا في السلوك الإيراني ويؤكد حقيقة فقدان إيران لبوصلة القرار السياسي.
تبقى الأسس والركائز التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في مواجهة إيران مستمرة لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والتي كان من أهمها غياب المرشد علي خامنئي وعديد من القيادات السياسية والعسكرية، ولكن مسارات أخرى للمواجهة عبر تقويض قوة وإمكانية إيران الصاروخية وإضعاف زخم وفعالية الطائرات المسيرة، مع تصعيد واضح في رفض القيادة الإيرانية لأي مبادرات إقليمية ودولية للتفاوض وقبول الحلول الدبلوماسية، مع تصعيد دائم في الضربات الصاروخية وعلى جميع الأصعدة والاماكن التي تشمل إسرائيل والاقطار العربية الخليجية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
