اقتصاد على حافة الاختلال: دور السوق الموازية في استنزاف الدولار العراقي

اقتصاد على حافة الاختلال: دور السوق الموازية في استنزاف الدولار العراقي

الباحثة شذا خليل

يشهد الاقتصاد العراقي في المرحلة الراهنة ضغوطاً متزايدة على استقراره النقدي، نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية، أبرزها تداعيات العقوبات الأمريكية على إيران. فقد أدى التقييد الرسمي للتعامل بالدولار مع طهران إلى ظهور قنوات غير رسمية تهدف إلى الحصول على العملة الصعبة من السوق العراقية، الأمر الذي انعكس مباشرة على سعر صرف الدينار وأدى إلى تراجعه.

من الناحية الاقتصادية، يمكن تفسير هذه الظاهرة على أنها شكل من أشكال هروب رأس المال غير المنظم، حيث يتم سحب الدولار من داخل الاقتصاد دون وجود مقابل إنتاجي حقيقي. هذا السلوك يؤدي إلى اختلال في ميزان العرض والطلب على العملة الأجنبية، حيث يرتفع الطلب على الدولار في السوق الموازية، في حين يبقى العرض محدوداً ضمن القنوات الرسمية التي يضبطها البنك المركزي. نتيجة لذلك، يتعرض الدينار لضغوط مستمرة تؤدي إلى انخفاض قيمته.

ولا يقتصر التأثير على سعر الصرف فقط، بل يمتد إلى فعالية السياسة النقدية نفسها. فوجود سوق موازية نشطة يقلل من قدرة البنك المركزي على التحكم بالسيولة وإدارة الاستقرار النقدي. ومع توسع هذه القنوات غير الرسمية، يصبح جزء كبير من النشاط المالي خارج نطاق الرقابة، مما يضعف أدوات السياسة الاقتصادية ويزيد من حالة عدم اليقين.

إضافة إلى ذلك، تعزز هذه الظاهرة نمو ما يُعرف بـ اقتصاد الظل، وهو اقتصاد يعمل خارج الإطار القانوني والتنظيمي. هذا النوع من الاقتصاد لا يساهم في الإيرادات الحكومية، ولا يخضع للرقابة، مما يؤدي إلى تراجع الشفافية المالية وزيادة احتمالات الفساد والتهريب. كما أن تداول الدولار خارج النظام المصرفي يخلق بيئة محفوفة بالمخاطر، قد تشمل أنشطة غير مشروعة مثل التزوير أو غسل الأموال.

ومن أبرز التداعيات المباشرة لهذه الأزمة هو ارتفاع معدلات التضخم المستورد. يعتمد العراق بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته الأساسية، ومع انخفاض قيمة الدينار، ترتفع تكلفة السلع المستوردة، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار في السوق المحلية. هذا التأثير ينعكس بشكل أكبر على الفئات ذات الدخل المحدود، ويزيد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية.

على المستوى الإقليمي، يظهر الاقتصاد العراقي كحلقة ضعيفة في شبكة التفاعلات الاقتصادية، حيث يمكن أن يتأثر بشكل كبير بالضغوط السياسية والعقوبات المفروضة على دول مجاورة. هذا الواقع يبرز مدى اعتماد العراق على الدولار وعلى العلاقات التجارية غير المتوازنة، مما يجعله عرضة للصدمات الخارجية.

في ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري تبني سياسات اقتصادية أكثر صرامة وشمولاً. يتطلب ذلك تعزيز الرقابة على سوق الصرف، وتنظيم عمليات بيع الدولار، ومكافحة القنوات غير الرسمية. كما أن الحل طويل الأمد يكمن في تنويع الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على الاستيراد والدولار، من خلال دعم الإنتاج المحلي وتحفيز القطاعات غير النفطية.

في الختام، فإن أزمة تراجع الدينار ليست مجرد مشكلة نقدية مؤقتة، بل هي انعكاس لاختلالات هيكلية أعمق في الاقتصاد العراقي. ومع استمرار الضغوط الإقليمية، فإن تحقيق الاستقرار يتطلب إصلاحات جذرية توازن بين الاستقرار النقدي والتنمية الاقتصادية المستدامة.

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية