كشفت البيانات الحديثة لواردات الصين من النفط الخام خلال الربع الأول من عام 2026، امتداداً لعام 2025، عن تحول استراتيجي لافت؛ حيث سجلت صادرات البرازيل وأنغولا صعوداً قياسياً على حساب الحصص التقليدية للعراق ودول الخليج. ولأول مرة في تاريخ التبادل التجاري، نجحت البرازيل في تجاوز العراق كمورد نفطي رئيسي للصين.
مسببات التفوق: ما وراء أزمة الممرات المائية
لم يكن تراجع الحصة السوقية للعراق ودول المنطقة نتاج “أزمة مضيق هرمز” فحسب، بل تضافرت عدة عوامل هيكلية عززت من موقف المنافسين الجدد:
الجودة والمواصفات الفنية: تمتلك البرازيل وأنغولا خامات نفطية تمتاز بانخفاض نسبة الكبريت وجودة أعلى مقارنة بالنفط العراقي، مما يجعلها الخيار المفضل للمصافي الصينية التي تسعى لتقليل تكاليف التكرير.
التحرر من قيود “أوبك+”: بصفتهما خارج المنظمة، لا تتقيد البرازيل وأنغولا بسقوف إنتاج محددة، مما منحهما مرونة عالية في تلبية الطلب الصيني المتزايد وتوسيع حصصهما السوقية دون عوائق قانونية دولية.
الأمن الجيوسياسي: يوفر مسار الشحن من أمريكا الجنوبية وأفريقيا أماناً أعلى بعيداً عن التوترات في مضائق الشرق الأوسط، مما يعزز استدامة الإمدادات.
الاستثمارات البينية: لعبت الاستثمارات الصينية الضخمة في قطاعات الطاقة بالبرازيل وأنغولا دوراً محورياً في توطيد هذه الشراكة.
صدمة “أبريل ومايو” المنتظرة
رغم احتفاظ العراق حالياً بنسبة 10% من واردات الصين، إلا أن التوقعات تشير إلى هبوط حاد خلال شهري أبريل ومايو. ويعود ذلك إلى أن شحنات شهر مارس كانت قد تعاقدت وتحركت فعلياً في مطلع العام، بينما سيبدأ التأثير الفعلي المباشر لأزمة مضيق هرمز بالظهور بوضوح في بيانات الربع الثاني من العام.
المخاطر الاستراتيجية ومعضلة “بريكس”
تكمن الخطورة الكبرى في “تجذر” هذا التحول؛ فالعلاقات الوثيقة التي تربط الصين بروسيا والبرازيل وأنغولا ضمن تكتل بريكس (BRICS) تمنح هذه الدول أفضلية اقتصادية وسياسية طويلة الأمد.
إذا طال أمد الأزمة، فقد يجد العراق نفسه عاجزاً عن استعادة حصته السوقية حتى بعد استقرار الأوضاع، إلا في حال اللجوء إلى سياسة الخصومات السعرية الكبيرة، وهو خيار سيضع الموازنة العامة العراقية تحت ضغط مالي هائل وقد يؤدي لخسائر اقتصادية فادحة.
المهندس منار العبيدي
