
الباحثة شذا خليل*
لم يعد ما يجري في مضيق هرمز مجرد توتر عسكري عابر، بل أصبح اختبارًا مباشرًا لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام الحروب الجيوسياسية. فبحسب المعلومات التي أرسلتِها، ربطت إيران فتح المضيق بوقف ما وصفته بانتهاكات وقف إطلاق النار والحصار البحري على موانئها، في حين استمرت حوادث احتجاز السفن والاضطراب الملاحي داخل الممر ذاته، ما يؤكد أن الأزمة انتقلت من مستوى التهديد السياسي إلى مستوى تعطيل التدفقات التجارية والطاقة فعليًا.
اقتصاديًا، تكمن خطورة هرمز في أنه ليس ممرًا إقليميًا فقط، بل أهم نقطة اختناق نفطي في العالم. فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية ذكرت أن التدفقات عبر مضيق هرمز في 2024 والربع الأول من 2025 مثلت أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، ونحو خُمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات النفطية، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. هذا يعني أن أي اضطراب فيه لا يرفع أسعار النفط فقط، بل يضرب أيضًا الغاز، والبتروكيماويات، والشحن، والتأمين، وتوقعات الأسواق في وقت واحد.
لكن الخطر الأكبر لا يقف عند هرمز. فاقتصاديًا، إذا امتد الصراع إلى باب المندب، فإن العالم لن يواجه صدمة في إمدادات الطاقة فقط، بل سيواجه شللًا في حلقة الربط بين الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس. باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأي اضطراب فيه يعني أن جزءًا كبيرًا من التجارة المتجهة إلى أوروبا والبحر المتوسط سيفقد أقصر مساراته البحرية. إدارة معلومات الطاقة وصفت باب المندب بأنه ممر استراتيجي لشحنات النفط والغاز، فيما تؤكد بيانات أحدث أن هذا الممر كان يحمل نسبة كبيرة من النفط المنقول بحرًا قبل اضطرابات البحر الأحمر الأخيرة.
هنا تظهر أخطر فرضية اقتصادية: إذا تعطل هرمز وباب المندب معًا، فإن العالم سيدخل مرحلة “الخنق المزدوج”. هرمز يضغط على خروج الطاقة من الخليج، وباب المندب يضغط على عبور هذه الطاقة والسلع نحو أوروبا عبر البحر الأحمر والسويس. النتيجة ليست مجرد ارتفاع في الأسعار، بل إعادة تسعير كاملة للمخاطر العالمية: أسعار نفط أعلى، تكاليف شحن أعلى، أقساط تأمين بحري أعلى، مدد نقل أطول، وضغوط تضخمية أوسع على الاقتصادات المستوردة للطاقة والغذاء والسلع الوسيطة. هذا التحليل لا يبدو مبالغًا فيه إذا تذكرنا أن اضطرابات البحر الأحمر السابقة دفعت الكثير من السفن أصلًا إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما أطال الرحلات ورفع التكاليف. صندوق النقد الدولي أشار إلى ارتفاعات واضحة في تكاليف الشحن بين آسيا وأوروبا بسبب هجمات البحر الأحمر، كما حذر من أن أي صدمات سلعية جديدة في الشرق الأوسط قد تعرقل مسار هبوط التضخم العالمي.
ومن هنا، فإن امتداد الصراع إلى باب المندب ليس مجرد “توسّع عسكري” بل تحول في طبيعة الأزمة من صدمة طاقة إلى صدمة تجارة عالمية شاملة. فحين تضطر السفن إلى الالتفاف حول إفريقيا بدل المرور من البحر الأحمر وقناة السويس، لا ترتفع فقط كلفة الوقود والشحن، بل تتضرر سلاسل الإمداد ذاتها. الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أوضحت أن اضطرابات البحر الأحمر في 2024 وضعت حرية حركة البضائع وسلاسل الإمداد العالمية تحت ضغط كبير، بينما أظهر تقرير كندي رسمي أن أحجام التجارة في البحر الأحمر هبطت بشكل حاد في الأشهر الأولى من 2024 مقارنة بالفترة نفسها من 2023. هذا النوع من الصدمات لا يبقى محصورًا في الموانئ، بل يصل إلى أسعار الغذاء، والمواد الصناعية، ومدخلات الإنتاج، وهو ما يعيد إشعال التضخم حتى في الاقتصادات التي كانت قد بدأت تلتقط أنفاسها.
السبب الاقتصادي الذي يجعل احتمال انتقال الضغط إلى باب المندب واقعيًا هو أن منطق الحرب نفسه تغيّر. عندما يصبح العجز عن حسم الصراع عسكريًا مكلفًا، تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط بديلة. والمعلومات التي أرسلتِها تشير بوضوح إلى أن إيران باتت تنظر إلى السيطرة على حركة العبور كورقة تفاوضية واقتصادية، لا كمسألة أمنية فقط. ومع وجود أطراف إقليمية مسلحة مرتبطة بمحور المواجهة، فإن باب المندب يصبح امتدادًا طبيعيًا لهذا المنطق: إذا تعذر خنق الخصم من هرمز وحده، يمكن توسيع الضغط إلى البحر الأحمر لرفع الكلفة على التجارة العالمية وعلى حلفاء الولايات المتحدة وأوروبا.
اقتصاديًا، أول المتضررين سيكونون آسيا وأوروبا، ولكن التأثير سيمتد أيضًا إلى الدول العربية المستوردة للغذاء والسلع، وإلى الدول النفطية نفسها. صحيح أن ارتفاع الأسعار قد يزيد الإيرادات الاسمية لبعض المنتجين، لكنه في المقابل يرفع كلفة التأمين، ويعطل الصادرات، ويزيد هشاشة الموازنات إذا تحولت الأزمة من ارتفاع أسعار إلى انخفاض كميات التصدير. حتى البدائل اللوجستية ليست كافية بالكامل. رويترز ذكرت أن هناك مسارات وأنابيب بديلة جزئية لتجاوز هرمز، لكنها محدودة السعة ومعرضة بدورها للمخاطر الأمنية، ما يعني أن فكرة “التعويض السهل” ليست واقعية في حال اتسع الصراع.
ولهذا، فإن أخطر ما في المشهد ليس فقط ارتفاع النفط، بل تزامن ثلاث أزمات في وقت واحد:
أزمة طاقة، وأزمة شحن، وأزمة تضخم.
فإذا امتد الصراع إلى باب المندب، سيتحوّل الاقتصاد العالمي من مرحلة “القلق من نقص الإمدادات” إلى مرحلة “التسعير على أساس عدم اليقين الدائم”. وعندها لن تكون المشكلة في برميل النفط وحده، بل في كلفة كل سلعة تمر عبر البحر، وفي زمن وصولها، وفي ثقة الأسواق بقدرة العالم على إبقاء طرق التجارة مفتوحة.
ختاما احتمال امتداد الصراع من هرمز إلى باب المندب هو، اقتصاديًا، أحد أخطر السيناريوهات الممكنة لأنه يهدد بضرب شريانيْن متكاملين في قلب التجارة والطاقة العالمية. هرمز يمسك بخروج النفط والغاز من الخليج، وباب المندب يمسك بعبورهما نحو البحر الأحمر والسويس والأسواق الأوروبية. وإذا اجتمع الضغط على الاثنين، فإن العالم قد يواجه صدمة مركبة تعيد التضخم، ترفع أسعار الطاقة، تعطل التجارة، وتكشف من جديد أن الاقتصاد العالمي ما زال هشًا أمام جغرافيا الممرات البحرية أكثر مما تعترف به الأسواق.
وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية