النفط تحت النار: لماذا فقدت أوبك السيطرة وأصبح هرمز هو من يسعّر العالم؟

النفط تحت النار: لماذا فقدت أوبك السيطرة وأصبح هرمز هو من يسعّر العالم؟

الباحثة شذا خليل*

لم يعد سوق النفط العالمي يتحرك وفق قواعد العرض والطلب التقليدية، ولا حتى وفق قرارات تحالف أوبك+ وحدها. ما يحدث اليوم هو انتقال مركز القرار من قاعات الاجتماعات في فيينا إلى المياه الضيقة لمضيق هرمز، حيث باتت الجغرافيا السياسية هي من يحدد سعر البرميل، ويعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.

في الظروف الطبيعية، أي إعلان من أوبك+ عن زيادة الإنتاج كان كفيلاً بتهدئة الأسواق وخفض الأسعار. لكن المشهد الحالي مختلف جذرياً. فقد وافق التحالف على زيادة إنتاجية تقارب 206 آلاف برميل يومياً، إلا أن هذه الزيادة تبدو أقرب إلى رقم سياسي منها إلى تدفق فعلي قادر على تهدئة السوق. السبب بسيط: النفط الذي لا يستطيع الوصول إلى المشترين لا قيمة فورية له، حتى لو كان موجوداً تحت الأرض أو على الورق.

الأزمة الحقيقية ليست في نقص الإنتاج فقط، بل في اختناق طرق الإمداد. مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء محوري من تجارة الطاقة العالمية، تحول من شريان اقتصادي إلى نقطة توتر عالمية. وعندما يتعرض هذا الممر للاضطراب، ترتفع الأسعار فوراً لأن السوق يدرك أن المشكلة ليست في عدد البراميل المنتجة، بل في عدد البراميل التي يمكن تسليمها فعلياً.

وهنا يظهر الخلل البنيوي في السوق الحالية. كثير من الدول داخل أوبك+ تمتلك طاقة إنتاجية محدودة أو تواجه قيوداً تشغيلية وسياسية. روسيا تواجه ضغوط العقوبات والبنية التحتية، وبعض المنتجين الآخرين لا يملكون فائضاً كافياً للتعويض السريع. أما الدول الخليجية القادرة على زيادة الإنتاج، فهي نفسها الأكثر ارتباطاً بممرات التصدير المهددة. لذلك فإن أي زيادة معلنة تبقى محدودة التأثير ما لم تُحل أزمة النقل.

اقتصادياً، هذه البيئة تعني شيئاً بالغ الخطورة: النفط المرتفع لن يبقى مشكلة قطاع الطاقة فقط، بل سيتحول إلى موجة تضخمية عالمية جديدة. ارتفاع الخام يرفع كلفة النقل والشحن والتصنيع والكهرباء والغذاء. كل سلعة تقريباً تحمل في سعرها جزءاً من سعر الطاقة، ولهذا فإن المستهلك النهائي في أوروبا وآسيا وأمريكا سيدفع الثمن، حتى لو كان بعيداً آلاف الكيلومترات عن الخليج.

أما الأسواق المالية، فهي تقرأ المشهد بوضوح. المستثمرون لم يعودوا يراهنون فقط على بيانات المخزون الأمريكي أو قرارات الفائدة، بل على احتمالات الحرب، أمن الملاحة، وسلامة البنية التحتية النفطية. وهذا يعني أن عنصر الخوف أصبح مكوناً دائماً في سعر البرميل.

ماذا بعد؟

إذا عاد هرمز للعمل الكامل، قد تنخفض الأسعار تدريجياً مع استعادة الثقة وعودة الإمدادات المؤجلة. لكن إذا استمر التعطل أو توسعت المواجهة، فقد يدخل النفط مرحلة أسعار مرتفعة طويلة نسبياً، مع ما يرافقها من تباطؤ اقتصادي عالمي وضغوط معيشية واسعة.

الخلاصة

الرسالة الأهم اليوم أن أوبك+ لم تفقد قدرتها على الإنتاج، لكنها فقدت قدرتها على تهدئة السوق بمفردها. فحين تصبح الممرات البحرية أخطر من الحقول النفطية، يتحول التسعير من قرار اقتصادي إلى معادلة أمنية. وفي هذه المرحلة، لم يعد السؤال: كم ستنتج أوبك؟ بل السؤال الحقيقي: هل سيصل النفط إلى العالم؟

وحدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية