فورين بوليسي: إنشاء المناطق الآمنة في سورية هو بداية الحل

فورين بوليسي: إنشاء المناطق الآمنة في سورية هو بداية الحل

crop,750x427,3339936297

إن “الحرب السورية” تعتبر بالفعل من بين أسوأ الكوارث الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، وعلى وشك أن تزداد سوءاً، فالمأساة الضخمة أودت بحياة أكثر من 400.000 ألف شخص وشردت أكثر من 12 مليون شخص وزعزعت استقرار ليس فقط الشرق الأوسط بل أوروبا أيضاً، ووفقاً للسفير الألماني في الولايات المتحدة، بيتر فيتيغ، أصبحت “الأزمة السورية” تمثل تهديداً وجودياً لأوروبا.
وفي كانون الأول عام 2015، بدا أن وزير الخارجية الاميركي جون كيري يقترب من موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالسماح للرئيس السوري بشار الأسد بالبقاء في السلطة،  ولكن أولئك الذين يعتقدون أن الأسد يمكنه تحقيق الاستقرار في سوريا تحت ستار “الديكتاتور العلماني”، أو الاعتماد عليه لإنهاء الأزمة، إنما يخدعون أنفسهم_  فالفظائع التي ارتكبها الأسد قد انتشرت بدلاً من احتواء الثورة الأولى في درعا، ويبقى وجوده أعظم أداة لتجنيد المتطرفين في تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وبالتأكيد حقيقة أنه لا يزال يقوم بتجويع أكثر من 40.00 ألف شخص في منطقة “مضايا” بالإضافة إلى الفظائع الكبيرة التي يرتكبها في قصف حلب، يجعله بعيداً كل البعد عن أي خطاب سياسي مهذب.
ويستمر السياسيون الأمريكيون والأوروبيون في مناقشة الاستجابة المثلى للطوفان البشري من اللاجئين السوريين، ولكن ما يجب التركيز عليه هو سبب ومصدر هذا التدفق للاجئين، فأي مناقشة جادة لإنهاء الحرب السورية يجب أن تبدأ مع تخفيف الأزمة الإنسانية، الأمر الذي سيقلل حافز السوريين على الفرار.
فحتى يشعر السوريون بأنهم بأمان، يجب أن تكون احتياجاتهم الأساسية للبقاء على قيد الحياة متوفرة، من غذاء وماء ومأوى وعلاج طبي، وبالتي يكون لديهم سبب وجيه للبقاء، ناهيك عن تشكيل حكومة انتقالية، حيث لا يمكن مناقشة هذه الانتقال السياسي إلا في ظل ضمان السلام والأمن.
كما يجب أن تشمل هذه الضمانات بالضرورة إنشاء مناطق آمنة في شمال وربما جنوب سوريا،  والأهم من ذلك يجب أن تصمم هذه المناطق لحماية المدنيين_ليس فقط من الأسد، ولكن أيضاً من تنظيم الدولة وروسيا.
في الواقع، قالت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل يوم 8 شباط أنها  “ليست فقط  مصدومة بل تشعر بالرعب” جراء الغارات الجوية الروسية التي تستهدف المدنيين السوريين وتتسبب بتشريد عشرات الآلاف خارج البلاد.
وقد جادل السفراء الأمريكيون  “جيمس ف جيفري “و”نيكولاس بيرنز” في الآونة الأخيرة، أنه يجب فرض مناطق آمنة عسكرياً من خلال منطقة حظر طيران، ولكن يحتاج ذلك إلى قيادة حاسمة للولايات المتحدة لتعزيز تحالف من الحلفاء الأوروبيون ومن الشرق الأوسط للحفاظ عليها.
فالأسد يشكل التهديد الرئيسي للمدنيين في سورية، وقبل أيلول 2014، عندما بدأت الولايات المتحدة غاراتها الجوية في سوريا، كانت القوات الجوية الوحيدة التي تحلق فوق سوريا تابعة لنظام الأسد، وبدلاً من قصف عاصمة تنظيم الدولة في “الرقة” كان يستخدم طيرانه حصراً لاستهداف المدنيين السوريين بالبراميل المتفجرة، وكان هذا جزءاً من استراتيجية متعمدة تهدف إلى ترويع السكان ودفعهم للجوء خارج البلاد.
إذاً، الأسد هو المسؤول الأول عن غالبية الضحايا من المدنيين فضلاً عن تدفق اللاجئين خارج البلاد، وفي الواقع، وجدت دراسة حديثة عن اللاجئين السوريين في ألمانيا أن ما يقرب من 70 % منهم قد فروا من إجرام الأسد.
وفي تقرير لمجلس حقوق الإنسان الدولي صدر مؤخراً، مبني على أكثر من 600 مقابلة مع سوريين، وصف بتفصيلات شنيعة التعذيب الذي مارسه نظام الأسد على المعتقلين بالإضافة إلى قتلهم منذ نيسان 2011، أي بعد شهر من اندلاع الاحتجاجات الاولى المناهضة للأسد، والتي كانت سلمية في ذلك الوقت.
ووفقاً للتقرير، استهدف النظام الجميع، بما في ذلك النساء والأطفال – البعض منهم لم يتجاوز السبع سنوات من العمر – وذهب إلى أبعد من ذلك، من إخفاء الانتهاكات، في بعض الحالات عن طريق إجبار أسر الضحايا على التوقيع على إفادات بأن “الإرهابيين”  هم من قتلوا ابناءهم.
وتسلط هذه النتائج الضوء على العديد من المحللين الذين قالوا لسنوات بأن: الأسد ليس شريكاً في مكافحة الإرهاب، ولا هو شخص من شأنه أن يسهم في التوصل إلى حل سلمي في سوريا ما لم يتنحى، فوحشيته من شانها تقوية المتطرفين في سوية كما ستعزز من الأزمة الإنسانية.
وكان ينبغي على المجتمع الدولي إنشاء مناطق آمنة منذ عام 2013، عندما أطلق اوباما تهديده بالخط الأحمر، حين استخدم الأسد الأسلحة الكيمائية على شعبه في شهر آذار من ذلك العام ، إن لم يكن في وقت سابق!
ونعم، كان الأسد يملك في ذلك الوقت نظام دفاع جوي قوي نسبياً – ولكن مما لا شك فيه أن القوات الغربية كانت تستطيع تحييد طيرانه لو أتيحت لها الفرصة، ومنذ ذلك الحين تفاقمت الأزمة بشكل كبير، وأدى إلى الحد من خيارات الولايات المتحدة، ومن ثم جاء التدخل الروسي في أيلول 2015 ليجعل إنشاء المنطقة الآمنة أمراً أكثر صعوبة من خلال زيادة احتمال وقوع اشتباكات غير مقصودة مع القوات الجوية الروسية، ولأن الروس قد أنشأوا منطقة حظر طيران خاصة بهم لحماية القاعدة الجوية الروسية في سوريا.
ومع ذلك ما يزال إنشاء المناطق الآمنة شيئاً ممكناً، فلقد أنشئت سابقاً في عام 1991 من خلال عملية وفرها أعضاء حلف الأطلسي، بما في ذلك تركيا، للتعاون لحماية النازحين الاكراد العراقيين ومنع تدفق المزيد من اللاجئين إلى تركيا، ومع أن تنفيذ مناطق آمنة سياسياً وعسكرياً سيكون امراً صعباً، إلا انه من دونها ستزداد الكارثة الإنسانية في سورية وسيترتب عليها ليس فقط انهيار الشرق الأوسط بل زعزعة استقرار أوروبا.
وهذا هو بالضبط ما يريده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فمنذ أيلول 2015، أنقذت الغارات الجوية الروسية الأسد من هزيمة عسكرية أكيدة، وعلى الرغم من ادعاءات موسكو عكس ذلك، فقد قوت أيضاً هذه الهجمات من قوة تنظيم الدولة، وأدت لمقتل 1000 مدني على الأقل، من بينهم أكثر من 200 طفل، نتيجة القصف الروسي، ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، تستهدف الغارات الروسية أيضاً المستشفيات والمدارس وغيرها من البنى التحتية الأساسية.
ولماذا يقوم الروس بذلك؟ الجواب بسيط: بوتين يريد أن يفر المدنيون السوريون  إلى خارج البلاد، بحيث تصب التدفقات الهائلة للاجئين في أوروبا وتساهم في صعود الحركة اليمينية المتشددة هناك والتي يدعهما بوتين منذ سنوات، ولذلك يجب إقامة مناطق آمنة لحماية المدنيين ليس فقط من الأسد، بل أيضاً من الكرملين.
هدف بوتين الأوسع في سوريا هو تقديم خيار من صنعه للغرب: إما تنظيم الدولة أو الأسد، فبوتين بلطجي وزعيم الجريمة المنظمة، ولذلك هو يصنع للغرب خياراً لا يستطيعون رفضه، فمن وجهة نظره _ هكذا ببساطة تعمل السياسة الدولية.
وقد يقول المنتقدون أن المناطق الآمنة تتطلب قدراً أكبر من الالتزام العسكري، وهناك خطر التصادم مع روسيا، فقد يقرر بوتين على سبيل المثال اختبار منطقة حظر الطيران من خلال التعدي عليها، كما فعل لسنوات مع المجال الجوي لحلفاء الناتو في دول البلطيق، ومؤخراً في تركيا، وهؤلاء النقاد قد يكونوا محقين.
لكن الضعف والتردد نادراً ما منع العدوان، بل إنه بدلاً من ذلك شجع عليه، وفي هذه المرحلة_ إمكانية زيادة المواجهة العسكرية هي خيار أفضل من البديل، وخطر المواجهة هو أمر على الغرب الاستعداد لاتخاذه، فبوتين ليس بغير عقلاني، بل هو يتخذ خطوات تدريجية لاختبار الغرب وكم يستطيع الإفلات بما يقوم به، ولذلك فهو سيتابع ما يقوم به إن لم يواجه بمقاومة، والسيناريو الأكثر ترجيحاً هو أنه سوف يشارك في عمليات صغيرة ومنخفضة المخاطر، فضلاً عن حملة التضليل لتقويض المناطق الآمنة في سورية، ولذلك على الغرب التعامل مع تجاوزات بوتين، وأن يكون على استعداد للقيام بذلك.
وحتى إذا أنشأ الغرب المناطق الآمنة في سورية بنجاح، فإن حماية المدنيين ما هي إلا الخطوة الأولى في البحث عن حل لهذا الوضع المعقد جداً، والذي يزداد سوءاً بسبب سنوات من الغياب الغربي، والذي سمح لروسيا وإيران بالتدخل وتقويض ثقة الحلفاء الإقليميين الغربيين، ولذلك_ من هذه المناطق الآمنة يبدأ البحث عن حل كلي للحرب السورية.

مجلة فورين بوليسي

ترجمة بلدي نيوز