إيران.. إمبراطورية المذهب

إيران.. إمبراطورية المذهب

06abb21c-0ea0-40c9-a089-184f55b0ec70

في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 2004، حذر العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في حديث لصحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، من سعي إيران لتشكيل “هلال شيعي” يضم العراق وسوريا ولبنان، مضمنا بذلك التحذير مخاوف قد تطال استقرار دول الخليج التي تقطنها أقليات شيعية.

وقال الملك عبد الله حينها إن أكثر من مليون إيراني دخلوا العراق بتنسيق من حكومة طهران والأحزاب المتعاونة معها في النظام السياسي العراقي الجديد للمشاركة في الانتخابات التي كانت حجر الأساس الأول لانسياح إيراني منظم داخل هذا البلد العربي الكبير، ومن ثم خلخلة التوازن القائم بين شيعته وسنته على أمل تقليص العامل العربي القومي لصالح الطائفي المذهبي.

وفي مارس/آذار 2015، أعلنت إيران رسميا اشتراك قواتها وقادتها في معارك “تحرير” تكريت وأجزاء من محافظة صلاح الدين بعدما هيأت الحكومة العراقية والأحزاب السياسية والمليشيات، المؤيدة لإيران، قاعدة من المبررات المرتبطة بعدم قدرة القطع العراقية على حسم المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وبعد أن مرر النظام العربي بكامله هذا التدخل الإيراني في شأن دولة عربية يعاني شعبها من مشاكل تاريخية وآنية تستهدف تغييرا ديموغرافيا في عقيدته وولائه، خرج إلى العالم محمد يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، ليعلن أن بلاده أصبحت إمبراطورية من جديد وأن بغداد عاصمة هذه الإمبراطورية!

ولتباطؤ العرب أيضا في إبراز ردة فعلهم تجاه طهران وبغداد على حد سواء تجاه هذه التصريحات، خرج رئيس تحرير وكالة “مهر” للأنباء الإيرانية، حسن هاني زاده، بـ”بالون اختبار” للإرادة العربية بشكل عام، وللإرادة العربية العراقية بوجه الخصوص، حيث هاجم بقسوة الدول العربية واصفا إياهم بـ”العربان” وداعيا العراق للوحدة مع إيران لأسباب طائفية وتاريخية، وترك “العروبة المزيفة الجاهلية وتراب الذل العربي” وتغيير ملابسهم بعيدا عن “الدشداشة والكوفية.”

ونتيجة للأحداث التي باتت تتطور بشكل مكثف وسريع خلال الأشهر التي أعقبت سقوط محافظتي نينوى وصلاح الدين وأجزاء من محافظة ديالى والأنبار بيد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في يونيو/حزيران 2014، فقد رفعت الحكومة العراقية، ثم الإيرانية، الحجب التي كانت تغطي الدور الإيراني في العراق، من الناحية العسكرية والعملياتية والمخابراتية، على وجه الخصوص، وبات الحديث عن قائد فيلق القدس الإيراني، قاسمي سليماني، ومشاهدة حضوره في معارك في آمرلي وديالى وجرف الصخر وغيرها، أمرا عاديا.

فقد كان الإعلان الرسمي عن توليه جانبا رئيسيا من قيادة العمليات في تكريت وما حولها أمرا لا جديد فيه، لكن الجديد الذي أدخلته طهران في المشهد، هو صور المئات من الدبابات والآليات المدرعة وراجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة والخفيفة وغيرها، وفي هذا المشهد تحديدا رسائل مكثفة ومباشرة للولايات المتحدة، ثم لدول الخليج العربي عن قدرة طهران على بسط نفوذها بالدم والقوة المسلحة، مقابل عدم جرأة واشنطن للعودة إلى العراق لقتال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

نعود لتحليل هذه التحركات والتصريحات الإيرانية المستفزة، والتي بلغ فيها رئيس تحرير “مهر” ذروة التجاوز على القيم والأعراف السياسية والدبلوماسية، وحتى الإعلامية، ولا أدري هل أن هذه التصريحات التي وسم فيها العرب بأسوأ السمات تأتي من باب “اختبار” ردود الأفعال، أم من باب “لقد أسمعت لو ناديت حيا “. لكنها على أية حال، تأتي في سياق “فرض الأمر الواقع” على العراقيين أولا، من خلال التأكيد على أن أغلبية سكان العراق هم من “الشيعة” وأن العرب (النظام العربي) تعمدوا ترك العراق فريسة للإرهاب والاحتلال و”المظلومية”.

وهذا بالضبط ما ذهب إليه حسن هاني زاده حين قال “على الشعب العراقي أن يتجه نحو الوحدة مع أصدقائه الحقيقيين، وينسلخ من ثوب العروبة المزيفة لأن كل ويلات العراق سببها وجود العربان.. ما فائدة الوجود الشكلي للعراق في الجامعة العربية التي تنظر إلى الشعب العراقي بنظرة طائفية؟ لماذا الدول العربية في مجلس التعاون لا تسمح للعراق أن ينضم إلى هذه المجموعة؟ أليس هذا خير دليل على أن الدول الست في المجلس المشؤوم لا تعتبر العراق بلدا عربيا؟”. وزيادة في الإيغال بتفريق العراقيين العرب عن محيطهم الطبيعي، يتساءل زاده بعد تقديمه لدور قاسمي سليماني في تكريت “أين جنرالات العرب، لماذا لا يذهبون إلى تكريت ليساعدوا إخوتهم في العروبة والإسلام؟”.

ما هو موقف شيعة العراق، المعول عليهم في مواكبة أو رفض الخطط الإيرانية لقضم بلادهم وإرادتهم، وهي التي يمكن أن تكون الحجر الأهم في بناء الأيديولوجية الجيوسياسية المعلنة في طهران وبغداد على حد سواء؟ هؤلاء العراقيون العرب لا يمكن اعتبارهم امتدادا لإيران بأي حال من الأحول، لا بل هناك فروق كبيرة بين شيعة العراق وشيعة إيران، أول هذه الفروق يمثله البعد القومي لكليهما، فمعظم شيعة العراق هم قبائل عربية أصيلة توجد امتدادات سنية لها في ذات المناطق الجغرافية أو حولها.

ومن هنا فجميع قبائل العراق يوجد فيها سنة وشيعة وبنسب متباينة، ثم إن شيعة العراق يغلب على ردود أفعالهم تجاه المواقف المفصلية العنصر الوطني كأسبقية أولى، وهذه الحالة مثبتة عبر تاريخ العراق منذ فترة الحكم العثماني، فالإنجليزي، فالاحتلال الأميركي.

ولعل تجربتي الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) والمقاومة العراقية للوجود الأميركي والبريطاني بعد 2003، تمثلان نموذجين مثاليين لهذا الأمر، أضف إلى ذلك عناصر تتعلق بأصل المذهب ومعتقداته، كما أن أكثر علماء الشيعة في العراق لا يقرون مبدأ ولاية الفقيه وليس عندهم أي ارتباط سياسي بولاية الفقيه القائمة في إيران، لكنهم يتعاطفون مع كل شيعة العالم بدافع نفسي مرتبط بإحساسهم كأقلية في العالم الإسلامي.

إن تطور المشهد الإيراني في المنطقة ببعده المنصوص عليه في مفهوم “الثورة الإسلامية الشيعية” -التي دعا إليها الخميني عام 1979-1980- لم يكن ضمن محركات البحث والتعقب العربية بالشكل الذي يجب أن تكون عليه قضية بهذه الأهمية.
ففي أولى خطواته بحكم إيران، قال الخميني وأتباعه إن البحرين جزء تابع لإيران، وكذلك فعلت بالجزر الإماراتية الثلاث ثم عززت من قبضتها في مسيرة “الثورة” بجعل حزب الله اللبناني عمودا رئيسيا يمثل إيران وولاية الفقيه في الخيمة اللبنانية، وهكذا بالنسبة لقضايا ومؤشرات كثيرة لا يتسع لها موضوع هذا المقال، لكنها -أي إيران- توجت كل خططها التغلغلية في الجسد العربي والإسلامي عبر بوابة الاحتلال الأميركي للعراق، فكان الاندياح بأرض الرافدين ميسرا في ظل “حكومات” عراقية موالية بشكل مطلق لطهران سواء كان هذا الوصف لمؤسسات حزبية أو تنظيمات دينية أو أشخاص.

وضمن خطة مبرمجة بشكل دقيق، ونتيجة لغياب الدور العربي المطلق، فقد استمالت طهران موقف شيعة العراق عبر بوابة الشعائر الدينية المرتبطة بعقائد الشيعة والتي تتركز معظمها في العراق، فقامت بتحويل أشهر وأيام العراق إلى مواسم للحزن والنحيب والزيارات المليونية للمراقد وغيرها، وهذا الإجراء بشكل عام أعطى جرعات تخديرية لسكان المدن الشيعية، ثم باتت تلك المواسم مصدر رزق وتجارة كبيرة جدا للمدن المقدسة مثل النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية ببغداد.

إن علْم طهران بتناغم شيعة العالم مع خطابها المدافع عن مصالحهم، ثم توسع نفوذها في العراق تحديدا، ثم في لبنان وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان، يدفعها الآن لتتويج جهودها منذ عام 1979 وحتى الآن بإعلان إمبراطوريتها، المرتكزة على المذهب “الشيعي” والبعد الجغرافي والتنظيمات السياسية (الشيعية وغير الشيعية) التي تمولها بشكل مباشر أو عبر وسيط، وحتى هذه اللحظة يبدو هذا الحلم منظورا لدى قادة طهران، لكنه في حقيقة الأمر، وإذا ما تم تداركه عربيا وإسلاميا لن يتحقق، ولن يكون إلا ما هو كائن فعلا في حدود العلاقات الدولية والاجتماعية.

نحن نقول إن جل ما تخشاه إيران في مشروع “الإمبراطورية الشيعية” هو دور شيعة العراق العرب، ذاك أن شيعة العراق هم قبائل عربية كما أسلفنا، تعرضوا منذ عام 2003 ومازالوا لشتى أنواع الظلم والتعسف والإرهاب من قبل مليشيات وعناصر المخابرات الإيرانية، وحرموا في محافظاتهم (البصرة، ذي قار، ميسان، المثنى) من كل أنواع الخدمات، وكلفت طهران رئيس الوزراء العراقي السابق تشديد قبضته على سكان هذه المناطق خلال فترة حكمه لإذلالهم أولا، ولتطويعهم لصالح المشروع الإيراني في العراق وفي المنطقة ثانيا.

ولكن نتائج كل هذه الضغوط ما زالت لصالح القومية العربية والوطنية العراقية، وما زال أغلبية الشيعة العرب في العراق في تقاطع تام عاطفيا ووطنيا وعشائريا ضد فكرة أن يكون العراق تحت ظل ولاية الفقيه (طهران) لكنهم، أيضا، بحاجة فعلية لمواقف عربية لصالح العراق، وليس لصالح شيعة العراق، فالمغدور في المعادلة كلها هو العراق والعراقيون، ثم المنطقة بأسرها.

سنة العراق من جانبهم، في حالة صراع دموي وفكري وعقائدي مستمر ضد المشروع الإيراني، ورغم أنهم في حالة تواصل عشائري مع إخوانهم من الشيعة العراقيين، فإنهم أيضا يحتاجون لموقف عربي واضح يدعم نضالهم ضد كل ما يجري على أرض وطنهم العراق، ويرون أن إيران، مع قوى عديدة، تحاول أيضا قطع أوصالهم من خلال العنف والإرهاب لإجبارهم على الهجرة من العراق أو القبول بفكرة الحرب الطائفية، وعند ذاك تكون إيران أبرز المدافعين عن حق “الشيعة”. وهو ما لم يحصل حتى هذه اللحظة نتيجة للأبعاد الثقافية والاجتماعية والتنظيمية التي جُبل عليها العراقيون فيما بينهم منذ مئات السنين.

نعود إذن لتصريحات يونسي وزاده وغيرهما، حول موضوع الإمبراطورية ودعوة العراقيين للاتحاد مع إيران، فنؤكد أن طهران اكتشفت من جديد أن العراقيين لم يروَضوا بعد للدرجة التي يقبلون بها أي مشروع استتباعي يقدَم لهم من خلال رفض العشائر العربية الشيعية وكذلك المراجع العراقية الشيعية والسنية المطلق لمثل هذه المشاريع.

كما انتبهت طهران أيضا، أن للعرب أيضا صوتا ما زال مسموعا، وقد يكون مؤثرا، من خلال تصريحات ومواقف رافضة لتصريحات المسؤولين الإيرانيين، إضافة لقرار وزراء خارجية جامعة الدول العربية في التاسع من مارس/آذار بشأن دعم الجيش العراقي في حربه ضد الإرهاب، كان كل ذلك في حقيقة الأمر إيذانا عراقيا ثم عربيا للحكومة العراقية والإيرانية بإمكانية إجماع عربي على إدارة الشأن العراقي كملف “عربي” بما يعنيه من مساعٍ حثيثة توفر للعراقيين (شيعة وسنة) مصادر تعينهم على مقاومة للمشروع الإيراني.

ويبقى السؤال المطروح: هل سيكون هناك حقا، إجماع عربي لمواجهة المشروع الإيراني بدءاً من العراق؟

فارس الخطاب

نقلا عن الجزيرة