الاقتصاد الجانب الخفي وراء أزمة مسلمي الروهينغا

الاقتصاد الجانب الخفي وراء أزمة مسلمي الروهينغا

155

 

    تعيش ميانمار الواقعة جنوب شرقي آسيا على وقع أزمة تعصف بشعب الروهينغا ، التي راح ضحيتها عشرات المسلمين الأبرياء، وهجّر مئات الآلاف من القرويين الذين فقدوا كل شيء، خلال عملية التهجير القسرية التي قادتهم إلى معسكرات اللجوء في بنغلادش بشكل أساس، ومن المثير للاهتمام أن بعض دول العالم، مثل الصين والهند وروسيا، رفضت توجيه الإدانة ولو المحددة ضد العنف المستمر بحق أبناء تلك الطائفة.
أثارت هذه الأزمة الكثير من الأسئلة، عن سبب اندلاعها، وحول تاريخها، ومن يقف وراءها، و المصالح الاقتصادية والتجارية ، إلى جانب المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية الأخرى، التي تواصل تشكيل سياسات الصين والهند وروسيا حيال ميانمار وغض طرفهاعن الانتهاكات العسكرية لحقوق الإنسان في ميانمار.
لميانمار موقع مهم وحيوي؛ لكونها منطقة عازلة بين الصين والهند، وتوفراحدى مناطقها( راخين) إمكانات اقتصادية هائلة لكلا البلدين، بتنفيذ مشروعات البنية التحتية، وخطوط الأنابيب في وفيها أراض زراعية شاسعة وتتوافر فيها الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز الطبيعي والموارد البحرية من خليج البنغال.

ما تقدم يعني أن الانتماء العرقي ليس السبب الوحيد لما تقوم به سلطات ميانمار من حملة تطهير بحق الروهينغا، فالمصالح الاقتصادية “النفطية للصين” وميانمار لها دور رئيس أيضا فيما يشهده إقليم أراكان الحدودي مع بنغلادش، والغني بالموارد الاقتصادية، والذي يشهد وجود أحد أهم أنابيب الغاز والنفط الصينية.
ويعد الأنبوب الواقع في بلدة “نغافي” بمنطقة “ماغواي”، أحد أركان التعاون الأول بين ميانمار والصين في إقليم أراكان، والذي عرقلته لفترات التوترات في الإقليم على خلفية الانتهاكات التي تمارس ضد مسلمي الروهينغا.
في 2004، تم اكتشاف حقل غاز ضخم في خليج البنغال قرب السواحل الميانمارية، وفي 2008، حصلت مؤسسة البترول الوطنية الصينية (ثالث أكبر شركة نفط بالعالم وفق تصنيف فورتين غلوبال 2016)، على حقوق الانتفاع لحقل الغاز، الذي بدأ العمل فيه بعد عام، لإنشاء أنابيب نفط وغاز من إقليم أراكان، موطن الروهينغا، وصولًا إلى ولاية “يونان” جنوب غربي الصين.
وتقول تقارير غير حكومية في ميانمار إن أغلب المسلمين في البلاد وعددهم ما بين 5 و8 ملايين نسمة من أصل 55 مليونا، يعيشون في إقليم أراكان ويواجهون حملة “التطهير العرقي” كما وصفها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس.

عقود النفط
ووفق الصفقة المبرمة والمتفق على استمرارها لنحو 30 عامًا، يتعين أن تحصل ميانمار سنويًا من الصين على 13 مليون دولار أميركي، عائدا عن استئجار الأراضي، حيث تبنت الصين مشروع إنشاء أنابيب لنقل النفط والغاز، اللذين يصلان إلى ميانمار بحرًا من منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا، مما يقلص من الوقت المطلوب لإتمامها نحو 30% من وقتها الأصلي (كان يتم النقل عبر التحرك جنوبًا إلى خليج ملقا بين ماليزيا وسنغافورة).
وأنشئ أنبوب النفط في منطقة قريبة من ميناء كيوكفيو، في شبه جزيرة بخليج البنغال، وقرب امتداد أنبوب الغاز، وفق تقارير إعلامية صينية.
ووصلت أول دفعة من النفط الخام من ميانمار عبر خط أنابيب النفط بين البلدين في 19 مايو/أيار 2017، بينما تم إنشاء خط أنابيب الغاز بين البلدين في 30 سبتمبر/أيلول 2013، حسب وسائل إعلام صينية.
ومن المقرر أن تنقل سنويًا أنابيب الغاز نحو 12 مليار متر مكعب من الغاز إلى الصين، بينما تنقل أنابيب النفط المجاور 22 مليون طن (ما يعادل 260 ألف برميل يوميًا)، وفق بيانات رسمية.
ومنذ أن جرى التوقيع على إنشاء أنابيب النفط والغاز في 2009، اندلعت تظاهرات من قبل المواطنين في أراكان لمناهضة خطط الحكومة الميانمارية وشريكتها “مؤسسة البترول الوطنية الصينية”.
وتذكر مصادر صحفية امريكية : إن “المواطنين في أراكان قدموا شكاوى متعددة للجهات الحكومية حول تسبب المشروع الصيني في تلوث مياه الأنهار وتدمير الممتلكات العامة”.
وتمر أنابيب النفط والغاز بـ 23 مدينة مركزية، إضافة إلى 56 نهرا، و76 جبلا، في ميانمار والصين، ووفق المصدر نفسه، فان المؤسسة الصينية لم توفر الكهرباء للمنطقة، علاوة على تنصلها من خلق فرص عمل للعمال المحليين.

وعلى خلفية هذه الحالة من التوتر المجتمعي المستمر من جانب، وعدم التوصل إلى اتفاق تجاري يرضي الطرفين، أرجأت ميانمار والصين البدء في تشغيل أنبوب الغاز حتى 2014، والعمل في أنبوب النفط ، اذ في 2011، رضخت الحكومة الميانمارية لضغط عنيف من المعارضة المحلية، واضطرت إلى تعليق مشروع “خزان مايتسون” الصيني في ولاية كاشين (شمال) بعدما أدركت دور المناهضين لها في تكبدها خسارة تصل حد ملايين الدولارات.
وهذا يفسر لجوء الجيش الميانماري إلى عدد من حملات العنف ضد الروهينغا، بحجة الانتقام من أي تمرد محلي على خطط الدولة الاستثمارية، ما يأخذ بُعدا آخر غير البعد الطائفي للقضية.

وشرعت ميانمار في القيام بإصلاحات اقتصادية وسياسية ما يسمى بـ” الحدود النهائية لقارة آسيا”، مع تشريع الحكومة في ميانمار عدة قوانين تتعلق بإدارة وتوزيع الأراضي الزراعية، لضمان خطط الاستثمار الأجنبي، وتفادي أي خسارة.
وحينئذ، واجهت تلك الخطط الحكومية انتقادات واسعة لأهدافها الربحية والرامية إلى تعزيز قدرات الحكومة على الاستيلاء على الأراضي.
وترجع الأطماع الصينية، منذ تسعينيات القرن الماضي، اذ يستولي الجيش الميانماري على أراضي المالكين الصغار لصالح الصين دون الالتزام بدفع أي تعويضات مالية، أو النظر إلى الانتماءات العرقية أو الدينية، وفق ما أشار موقع “ذا كونفرزيشن” البريطاني في 12 سبتمبر/ أيلول الحالي، وبررت الحكومات المتعاقبة في يانغون عمليات الاستيلاء على الأراضي بأنها في إطار “خطط التنمية” التي اشتملت على بناء قواعد عسكرية، واستثمار الموارد الطبيعية أو حتى إقامة مشروعات زراعية ضخمة، أو أخرى متعلقة بالبنى التحتية والسياحة.
لكن تلك الأطماع الاقتصادية نتج عنها، وفق خبراء، إجبار مئات المواطنين على النزوح بالقوة من منازلهم سواء بالتوجه داخليًا إلى مخيمات للإيواء أو اللجوء إلى دول الجوار وعلى رأسها بنغلادش، والهند، وتايلاند.
وبرز الاهتمام الصيني بميانمار كموقع استراتيجي وأرض غنية بالمواد الاقتصادية، حين توجه عدد من الشركات الصينية لاستغلال الأنهار، والمواد المعدنية في ولاية “شان” ( شمال)، ما ولّد صراعات بين الجيش الميانماري وجماعات مسلحة من جيش استقلال كاشين والعرقيات الحليفة لها شمال، وشرقي الولاية الحدودية مع الصين.
ويوجد في إقليم أراكان حقل غاز “شوي” وأنبوب النفط الموازي، ذي الأهمية الاستراتيجية للمصالح الجيوسياسية الصينية، لذا لن تسمح بخسارتها لا بكين ولا يانغون بسبب اعتراض محلي من أقليات الإقليم، أو اندلاع أعمال عنف على أساس الاختلافات العقائدية بين الأغلبية البوذية في ميانمار وأقلية الروهينغا المسلمة في أراكان، التي تزيد حدة التوترات في الإقليم الاقتصادي.
وبمجرد دخول خط أنبوب “شوي” للنفط قيد العمل، لم يعد للصينيين ما يدعو للقلق بشأن إمكانية فرض الولايات المتحدة حصارًا على الغالبية العظمى من واردات النفط الصينية، وهو يمنح بكين امتيازا شديد الأهمية خلال فترات علاقتها المضطربة مع واشنطن، كما لم يعد لميانمار مخرج للحفاظ على ملايين الدولارات التي قد تجنيها من صفقاتها مع الصين إلا القضاء على أي مصدر يهدد استقرار ذلك التعاون
وهنا يتوضح دعم الصين الى بورما في أزمة الروهينغا حرصا على مصالحها في هذا البلد، حيث تقوم الصين على حماية المشاريع الضخمة التي اطلقتها في منطقة النزاع والواقعة على احد “طرق الحرير الجديدة”.

ومن جملة المشاريع في ميانمار ، “المنطقة الاقتصادية الخاصة في كياوكبيو” المدينة في ولاية راخين التي تبعد 200 كلم جنوب المنطقة التي نزح عنها مئات الاف الروهينغا في الاسابيع الاخيرة هربا من العملية العسكرية التي يشنها الجيش الميانماري، وقالت الامم المتحدة انها “تطهير اتني”.
وعززت الصين التي تعد المستثمر الاول في ميانمار ، في السنوات الاخيرة موقعها في هذه المنطقة من غرب البلاد حيث تعيش أقلية الروهينغا المسلمة، وتعتبر المنشآت في راخين حيوية بالنسبة الى الصين التي تسعى الى ضمان أمن الانابيب التي تنقل النفط والغاز الطبيعي من الشرق الاوسط الى اقليم يونان (جنوب غرب الصين)، بحيث يتم تفادي مضيق ملقة بين ماليزيا واندونيسيا.

و انشئ انبوب نفط ضخم يربط بين راخين ويونان ، بتكلفة 2,45 مليار دولار بحسب “سي آي تي آي سي” التي تولت الاشراف على الاعمار، ساهمت بورما ب1,20 مليارا منها بينما تكفلت الصين ب1,24 مليارا الباقية.
وتضم ميانمار ثروات جوفية هائلة خصوصا الغاز ولذلك لا يستغرب بعض الخبراء ان يكون للتحديات الاقتصادية دور في الازمة الحالية.
وتعد الصين أيضا أكبر مستثمر أجنبي في ميانمار، مع إجمالي حجم الأعمال البالغ 25.3 مليار دولار، ويرتبط اقتصاد ميانمار ارتباطا وثيقا بالصين التي تعززت علاقات التجارة والطاقة والدفاع معها، وإجمالا للقول، فإن الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الصين تمثل نحو ربع إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ميانمار.
اذ وصلت استثمارات الصين بين عامي 1988 و2014 أكثر من 15 مليار دولار في الدولة التي يديرها الحكم العسكري، وأغلب هذه الاستثمارات كانت في قطاعي التعدين والطاقة. كما تواصل الصين إمداد النظام العسكري الحاكم في البلاد بالأسلحة والعتاد.
وتصدر ميانمار أكثر من نصف إنتاجها الزراعي عبر الحدود، مما يجعل من الصين أحد أكبر شركائها التجاريين. وهناك منطقة حرة قيد التطوير بالقرب من ميوز، على الحدود المشتركة بين الصين وميانمار.
وبالنسبة لولاية راخين، فقد ضخت الصين مليارات الدولارات للاستثمار في الموانئ، والغاز الطبيعي والنفط في الولاية التي تعصف بها الأعمال العدائية.
وهناك مشروع تجاري عملاق في ولاية راخين، يقع على مساحة 1700 هكتار وبتكلفة تبلغ 2.3 مليار دولار بالتعاون مع الصين. وفور الانتهاء من هذا المشروع – خلال 20 إلى 30 عاما – فإن المنطقة التجارية سوف تغطي نحو 100 هكتار.
وعلى الرغم من أن الاستثمارات الأصلية قد تمت على مستوى الحكومات، فإن الشركات الخاصة شاركت في المشاريع منذ ذلك الحين ايضا ، اذ حاز المستثمر الصيني على النصيب الاكبر من خلال اتحاد يضم خمسة أطراف بقيادة مجموعة سيتيك.
كما تملك الصين كذلك ميناء بحريا عميقا ومنطقة اقتصادية كبيرة بتكلفة 9 مليارات دولار في كياوكبيو إلى الجنوب من راخين، وهي منطقة مخصصة للصين حتى عام 2038.
وتعد ميانمار بالنسبة الى الهند واحدة من أقرب الجيران الى نيودلهي ومصدرا كبيرا من مصادر الغاز الطبيعي، ومع ارتفاع المكانة الصينية في المناطق المجاورة للهند، ومع الصين التي تبيع كل شيء ممكن من الأسلحة إلى الحبوب الغذائية هناك، إلى إظهار القوة في منطقة المحيط الهندي، أكدت حكومة الهند ان ميانمار من الأطراف المهمة في الخطة الهندية الرئيسة لاتصال دول رابطة الآسيان. والهند، وفق تطورها الاقتصادي والتكنولوجي والتنمية في قطاع الطاقة فضلا عن المزايا الجيوسياسية الأخرى، التي تعمل على توسيع وجودها في ميانمار. وتهدف الى مضاعفة التبادل التجاري الذي يبلغ ملياري دولار إلى نحو 4 أو 5 مليارات دولار في الفترة المقبلة .
لو قارنا الاستثمارات الصينية في ميانمار بمثيلتها الهندية لوجنا تفوقا صينيا فخلال السنة المالية 2015 – 2016، استثمرت الصين نحو 3.3 مليار دولار في ميانمار، في حين أن الاستثمارات الهندية هناك لم تتجاوز 224 مليون دولار فقط. وتتكرر القصة نفسها في بلدان أخرى بمنطقة جنوب شرقي آسيا.
ومع اعتبار حجم واقتراب هذين الاقتصادين الكبيرين، فإن التبادل التجاري بين الهند وميانمار لا يزال متأخرا كثيرا عن الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايلاند هناك. ولا نغفل سنغافورة التي تحظى باستثمارات في ميانمار بنحو ملياري دولار.

ويذكر أن ميانمار هي الدولة الوحيدة في رابطة الآسيان التي تشترك في الحدود البرية والبحرية مع الهند. ويشترك الجانبان في حدود برية بطول 1643 كيلومترا. وتساند الهند الطريق الآسيوي السريع الذي يربط ميانمار وكمبوديا وفيتنام، كما تشارك الشركات الهندية أيضا في بناء وصيانة ميناء سيتوي ومحطة باليتوا للنقل المائي الداخلي.
وتسعى الهند أيضا وبقوة إلى تنفيذ مشروع كالادان متعدد الوسائط، وهو مشروع ميناء بري ونهري لنقل البضائع، وبالطبع هناك مبادرة «بيمستيك»، وهي مبادرة خليج البنغال للتعاون التكنولوجي والاقتصادي متعدد القطاعات.
وتتألف صادرات ميانمار إلى الهند المحاصيل الزراعية والأسماك. وفي الوقت الحالي، أكثر من 80 % من إجمالي الإنتاج المحلي من المحاصيل البقولية والحبوب البالغة 1.2 مليون طن يذهب إلى الهند. وفي الأثناء ذاتها، تستورد البلاد أيضا المنتجات الدوائية، والصلب، والآلات والماكينات من الهند.

وعربيا هناك صمت عربي بخصوص المجازر العرقية في ميانمار ضد الأقلية المسلمة، الروهينغا، في حين أن دولًا أخرى دافعت عن قضية مسلمي الروهينغا وحركت العالم لأجل القضية.

وذلك الصمت نابع من مصالح تجارية واقتصادية بالدرجة الأولى، فهناك خط أنابيب افتتح مؤخرًا في ميانمار يوصل النفط من الدول العربية والقوقاز إلى مقاطعة يوننان الصينية.
بينما على النفيض دخلت تركيا بثقلها على خط الأزمة منذ البداية سياسيًا وإغاثيًا، فلا يفتأ الرئيس التركي يصف ما يحصل هناك بالإبادة الجماعية وأثار هذه القضية في كلمته بالأمم المتحدة، وكذا الدبلوماسية التركية تذكر قضية الروهينغا في المحافل التي يحضرون فيها.

 

شذى خليل*

باحثة في الوحدة الاقتصادية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية 

Print Friendly, PDF & Email