العراق ومنظمة التجارة العالمية: بين طموح الانضمام وواقع الاقتصاد ,,,

العراق ومنظمة التجارة العالمية: بين طموح الانضمام وواقع الاقتصاد ,,,

173

منظمة التجارة العالمية واحدة من أصغر المنظمات العالمية عمراً حيث نشأت 1995على خليفة الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات) العالمية في اعقاب الحرب العالمية الثانية.

وتتألف المنظمة من أعضاء أصليين، وهم الأطراف المتعاقدة التي وقّعت على ميثاق مراكش والاتفاقات التجارية الملحقة به عام 1994، وقامت بالتصديق عليها وهي أكثر من 140 عضوا يمثلون أكثر من 90% من التجارة العالمية ، بينها حوالي (85) دولة نامية.

ومنظمة التجارة العالمية هي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة بين الأمم، ومهمتها الأساسية هي ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية، وبكميات محددة ومعروفة، والسيطرة على المنازعات المتعلقة بالتجارة، ومراجعة السياسيات القومية المتعلقة بالتجارة، ومساعدة الدول النامية في المواضيع المتعلقة بالسياسات التجارية من خلال المساعدات التكنولوجية وبرامج التدريب، والتعاون مع المنظمات الدولية الأخرى.

وشهدت العشرون عاماً الماضية نموا استثنائيا في التجارة العالمية، اذ زادت صادرات البضائع بمتوسط 6% سنوياً وساعدت الجات ومنظمة التجارة العالمية على إنشاء نظام تجاري قوي ومزدهر مما اسهم في نمو غير مسبوق.
وتتخذ المنظمة القرارات بإجماع أصوات الدول الأعضاء ثم يتم إقرارها لاحقاً من خلال برلمانات الدول، وتحول أية خلافات تجارية إلى آلية تسوية المنازعات في المنظمة حيث يتم الاحتكام إلى الاتفاقيات والمعاهدات لضمان أن النظم والسياسات التجارية للدول تتوافق معها.
ومن اهداف منظمة التجارة العالمية:
• إقامة عالم اقتصادي يسوده الرخاء والسلام.
• تحقيق الضمان والثقة، فالمستهلك والمنتج كلاهما يعلم إمكان التمتع بضمان الإمداد المستمر بالسلع مع ضمان اختيار أوسع من المنتجات تامة الصنع ومكوناتها وموادها الخام وكذلك بخدمات إنتاجها. وبذلك يضمن كل من المنتجين والمصدرين أن الأسواق الخارجية ستظل مفتوحة دائما لهم؛ للوصول الى عالم اقتصادي يسوده الرخاء والسلام.
• العمل على رفع مستوى المعيشة والارتقاء بمستويات الدخل القومي للدولة المتعاقدة.
• خلق عالم اقتصادي مزدهر يتمتع بالسلام ومسؤول بصورة أكبر عن اتخاذ القرارات في منظمة التجارة العالمية بإجماع الدول الأعضاء ويتم التصديق عليها بواسطة برلمانات الدول الأعضاء، وعند حدوث اختلافات يتم الاعتراض عن طريق آلية فض المنازعات الخاصة بمنظمة التجارة العالمية وانتهاج أسلوب المفاوضات لتسوية المشكلات الناجمة عنها، حيث يتم التركيز على تفسير الاتفاقيات والتعهدات وكيفية ضمان التزام السياسات التجارية للدول بهما، هنا تضمن عدم مد الخلافات إلى نزاعات سياسية أو عسكرية، وبخفض الحواجز التجارية فإن نظام منظمة التجارة العالمية يزيل أيضاً الحواجز الأخرى بين الأفراد والدول.
• تقليل الحواجز والعوائق الجمركية وازالتها كي لا تعرقل حركة التجارة وفتح الأسواق أمام المنافسة، مما بسهل
حركة انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات الدولية وسهولة وصولها إلى الأسواق ومصادر المواد الأولية.
• الإشراف على تنفيذ الاتفاقات المنظمة للعلاقات التجارية بين الدول الأعضاء.

ومن المبادئ التي تعمل بها منظمة التجارة العالمية:

• مبدأ الشفافية؛ أي الالتزام بعدم فرض قيود غير تعريفية كنظام الحصص الكمية لتقييد المستوردات إلاّ في حدود معيّنة، ومبدأ المعاملة الوطنية؛ أي الالتزام بعدم اللجوء لفرض قيود غير تعريفية لحماية المنتج الوطني والتمييز بينه وبين ما يماثله من المنتجات المستوردة.
• يتوجب على الدولة العضو، التي تمنح أيّ مزية أو معاملة تفضيلية لأيّ طرف آخر، أن تمنح المزية والمعاملة نفسها، حالاً من دون قيد أو شرط، للدول الأعضاء الأخرى كافة، سوى في حال وجود ترتيبات إقليمية كالاتحادات الجمركية والمناطق الحرة.
• اللجوء إلى إجراءات الوقاية في حالات الطوارئ، كما في حالة التدفق المفاجئ والضخم للمستوردات من سلع معيّنة قد يُلحق ضرراً جسيماً بالمنتج المحلي، أو يهدد بوقوع ضرراً كهذا. ويجب تطبيق هذه الإجراءات من دون تمييز والالتزام بإلغائها عند زوال الظروف الطارئة.
• التقييد الكمّي للتجارة في حال وقوع أزمة في ميزان المدفوعات أو لمواجهة انخفاض جسيم في الاحتياطيات النقدية، لكن بشرط تخفيف هذه القيود وإلغائها تدريجياً عند زوال الاسباب ، والعمل بمبدأ التخفيض المتبادل للتعرفة الجمركية وفق مستويات محددة، وتقديم تعويضات للأطراف المتضررة من رفع التعرفة عند اللزوم.
• عدم إغراق الأسواق بالبضائع؛ أي الالتزام بعدم تصدير منتجات بأسعار تقل بصورة غير طبيعية عن أسعارها المحلية وتكاليف الإنتاج؛ مما قد يسبّب أضراراً جسيمة للمنتجين المحليين في الدول المستوردة.
• الامتناع عن دعم الصادرات، كمنح إعانات للصادرات الوطنية؛ بما يلحق ضرراً بطرف متعاقد آخر.
• المعاملة التفضيلية للدول النامية، أو ما يسمى بقاعدة التمكين، حيث يجوز للدول النامية اتخاذ إجراءات حماية إضافية لتحقيق المرونة في تعديل تعرفتها الجمركية والحصول على مزايا تجارية من الدول المتقدمة ـ وفق ترتيبات محددة ـ بما في ذلك الإعفاء من تطبيق بند الأمة الأولى بالرعاية.
• المفاوضات التجارية؛ أي الالتزام بتسوية المنازعات بين الدول الأعضاء عبر التشاور والتفاوض ضمن نطاق المنظمة؛ بهدف التوصل إلى تسوية عادلة وفعالة.

مما لا ريب فيه أن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتطبيق مبادئها بكل شفافية ودقة؛ يسهم على المدى الطويل في استقرار الأسعار وتطوير الإنتاج المحلي؛ نتيجة اتباع سياسة تثبيت الرسوم الجمركية وإلغائها تدريجياً، وهذا ما سيساعد أيضاً على مكافحة التقليد والحفاظ على حقوق الملكية الفكرية وزيادة الكفاءة الإنتاجية بسبب تصاعد وتيرة المنافسة الدولية؛ مما يؤدي إلى انتعاش بعض القطاعات الإنتاجية للدول النامية، وسهولة نفاذ صادراتها إلى الأسواق العالمية،ثمّ زيادة حجم التبادلات الدولية.
ومن السلبيات والإخفاقات لمنظمة التجارة العالمية:
أسهم الانخفاض التدريجي للرسوم الجمركية في زيادة العجز بالموازنة وارتفاع تكاليف الإنتاج، ثمّ زيادة الأسعار. كما أن إجراءات تحرير التجارة الدولية ـ كما نصتّ عليها اتفاقات المنظمة ـ تنصبّ على نسبة محددة من القطاعات التجارية، وتمتد فترات طويلة، وهذا ما أوجد صعوبات أمام الدول النامية من أجل التصدي لمنافسة المنتجات المستوردة ذات الجودة الأفضل والتكلفة الأقل؛ مما زاد من الأعباء الاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة، يضاف إلى ذلك تخفيض الدعم الحكومي لبعض المنتجات والسلع، مما ينعكس سلبياً على ميزان المدفوعات وارتفاع معدل التضخم. وقد استغلت بعض الدول المتقدمة الاستثناءات لفرض قيود تجارية في بعض الحالات؛ بهدف التحايل على ميثاق المنظمة، ولم تلتزم كثير من هذه الدول بمنح معاملة تفضيلية للدول النامية.
منظمة التجارة العالمية وانعكاساتها على اقتصاديات الدول العربية :
تشمل اتفاقيات المنظمة التزامات وحقوقاً متبادلة؛ لذا من المهم النظر لمسألة الانضمام للمنظمة بموجب معيار اقتصادي، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية خاصة الغذائية منها التي تعدّ بعد النفط أهم الصادرات العربية؛ ثمّ ارتفاع تكاليف برامج التنمية، وستتحمّل بعض الدول العربية المستوردة للغذاء صعوبات كبيرة في توفير احتياجاتها من المواد الغذائية في الأسواق العالمية، ومن الممكن أن تواجه مشكلات مالية بسبب فقدان بعض الموارد الناجمة عن تخفيض التعريفات الجمركية والغائها. غير ان إزالة الحواجز وإلغاء نظام الحصص سيمنح فرصة أفضل للتوسع في صناعة البتروكيمياويات والمنسوجات، وذلك على المنافسة الشديدة للمنتجات الآسيوية الرخيصة؛ كل ذلك يتطلب مواجهة متضامنة عبر إقامة تكتلات اقتصادية عربية مشتركة وتنسيق للمواقف العربية التي تسعى في الانضمام للمنظمة.

العراق ومنظمة التجارة العالمية :
انسجاماً مع مقتضيات المرحلة الآنية ضمن التحول التدريجي الذي يشهده العراق في سياسته الاقتصادية والانتقال من الاقتصاد المركزي الموجه إلى اقتصاد السوق، قرر الانضمام الى منظمة التجارة العالمية
– ففي 11 شباط /عام 2004 قدم العراق طلب الانضمام بصفة مراقب في منظمة التجارة العالمية وحصلت موافقة المجلس العام على قبوله.
ولكن هل العراق مؤهل للانضمام الى منظمة التجارة العالمية wto ؟ وما ابرز مزايا الانضمام وعيوبه ، وهل عدم الانضمام سيؤثر في قوة العمل العراقية المغتربة التي تقدر باكثر من مليون ونصف المليون مشتغل في جميع انحاء العالم واحتمال عدم توفير الحماية برؤوس الاموال العراقية المغتربة وتعرضها لاحتمالات ضيق فرصها القانونية في الدفاع عن حقوقها، مظهر محمد صالح الخبير الاقتصادي والمستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء يوضح حقيقية الانضمام لتلك المنظمة
فمنذ العام 2003 والعراق تبنى سياسات انفتاحيه واسعة نحو العالم وسعى الى تأسيس قواعد اقتصادية وتشريعية مهمة تعمل وفق آليات نظام السوق العرض والطلب، ، بعد حصار اقتصادي دام اكثر من عقد وتم تهميشه على خريطة النظام الاقتصادي العالمي وحرمانه من فرص الاستثمار والتقدم والتنمية والمعرفة التكنولوجية التي كان ينبغي ان تعينه على مواجهة المستجدات والتطورات السريعة التي حصلت للسوق الدولية وتغير قدراتها التنافسية بشدة خلال العقدين الماضيين.
عانى العراق عزلة دولية في عالم اجتاحته تيارات اندماج شركاته وتحرير اسواقه وتكاملها، ولاسيما المالية منها وسيادة المذهب الليبرالي الجديد الذي اقتضى تحولات اقتصادية واسعة في مجال المعلوماتية والخدمات المالية التي تنسجم واممية النشاط الانتاجي عبر الدور الذي اخذت تؤديه الشركات المتعددة الجنسيات وازدياد المزية التنافسية للمنتجات التي بدأت تولدها اسواق العالم .
وعلى الرغم من ذلك، نجد في تكامل الاسواق المالية التي امست قيمة اصولها تزيد على 850 تريليون دولار، هي العنوان للعولمة المالية وبؤرة الهيمنة الرئيسة في عالمية الاقتصاد الليبرالي الجديد ، ومقدمة التحول من نطاق اتفاقية الجات GATTالموقعة في العام 1948الى اتفاقية منظمة التجارة العالميةWTO ، حيث انصبت الاخيرة على تنظيم طيف واسع من تجارة الخدمات ولاسيما الخدمات المالية والتي سميت ملاحقها باتفاقية GATS في 1994بالاستناد الى جولات اورغواي.
ففي الوقت الذي لم يتعد فيه الناتج الاجمالي العالمي 70 تريليون دولار سنويا عام 2013، ولم تزد قيمة التجارة العالمية من السلع والخدمات سنويا هي الاخرى الا اقل من ثلث الناتج العالمي المذكور ، نجد ان التجارة في تحويل العملات والمضاربة فيها تزيد على نحو 4 تريليونات ونصف التريليون دولار يوميا في الاسواق النقدية والمالية الدولية وهي تجارة مضاربة مالية يزيد مجموعها السنوي على اكثر من خمسين مرة من مجموع التجارة العالمية في نشاط السلع والخدمات .
وفي ظل التبادلات التجارية والمالية الدولية ، انتقل العراق الى مستويات تنظيمية مهمة في التحول الى اقتصاد السوق لكسر آثار عزلته الدولية و التقدم الحاصل في الخدمات المالية وتحسين بيئة الاستثمار الاجنبي من خلال تشريع قانوني المصارف والاستثمار وقانون البنك المركزي وتعديل قانون الشركات ، بما يسمح للمصارف الاجنبية العمل في العراق ويسمح بانتقال رؤوس الاموال والعملة على نحو يخدم انفتاح العراق على العالم في ظروف اقتصاد ريعي مركزي صعب المراس في تفهم ليبرالية السوق ، التي ادت مع ذلك الى توفير فرص ايجابية واسس قانونية وتنظيمية واعدة لبيئة الاعمال العراقية.
واكد صالح ان ذلك لم يكن كافيا لوضع العراق على مسار المنافسة الاقتصادية الدولية، اذ مازال هناك اكثر من خمسة آلاف نص من النصوص التشريعية المعرقلة للحرية الاقتصادية ونشاط السوق، تتولى الاوساط القانونية اليوم دراستها والتي تقضي الحال تعديلها لكي يتمكن العراق من الاندماج في التجارة والاستثمار الدولي وتهيئته للانضمام الى منظمة التجارة العالمية وفق شروط العضوية فيها كي تحصل بلادنا على شرط الدولة الاكثر رعاية ومبدأ المعاملة الوطنية.

ومشكلات وعوائق انضمام العراق الى منظمة التجارة العالمية:
في الوقت الذي يهيمن فيه الانتاج النفطي على اكثر من 60%من مكونات الناتج المحلي الاجمالي الا انه لا يستخدم سوى 2% من قوة العمل العراقية ، التي لا تشكل سوى 22% من اجمالي السكان من القادرين والراغبين بالعمل ,ما يعني ثمة اختلال شاسع في تركيب الثروة المنتجة البشرية والقدرة على استثمارها ولاسيما قوة العمل النسوية منها التي تشكو الاهمال والجهل والامية على نطاق واسع .
وتشكل صادرات البلاد من النفط الخام وعوائده النسبة العظمى شبه المطلقة من الصادرات الكلية وايرادات الموازنة العامة وحصيلة البلاد من النقد الاجنبي . وازاء ذلك كله ، تستبعد منظمة التجارة العالمية النفط الخام كونه سلعة ضمن مجموعة السلع التي يتاجر بها دولياً ، وهو الامر الذي مازال يشكل جوهر التناقض في انضمام العراق الى تلك المنظمة التي تستبعد النفط الخام .
ولو سمحت منظمة التجارة العالمية بإدخال النفط في الحسبان لترك السعر يتحدد بالعرض والطلب العالمي بعيدا عن كارتيل تجمعات المنتجين الممثلة بمنظمة البلدان المصدرة للنفط ( اوبك)، او تجمعات المستهلكين والممثلة بالمنظمة الدولية للطاقة وخطوطها وبرامجها في ترشيد الطلب على النفط، ودورها في تقنين الانتاج والتأثير على الاسعار ، وهو الامر الذي وضع قيودا سعرية وكمية لسلعة تجارية ولكن استراتيجية سياسية هي القوة المحركة لتجارة العراق الخارجية.
اما القطاع الزراعي الذي يضم ثلث سكان العراق وحوالي 22% من قوة العمل الفعلية فانه يسهم في الناتج المحلي الاجمالي بنسبة لا تتعدى 5-7% في احسن الاحوال ،مما جعل البلاد شبه مستورد ولا تمتلك المقومات الكافية لتوفير الامن الغذائي من الحبوب او مستلزمات الانتاج الزراعية بعد تقلص المساحات الزراعية المنتجة بفعل التصحر والتملح والبنية التحتية الضعيفة فيه التي تغلب على تعطيل اكثر من 80% من الاراضي القابلة للزراعة، وان نسبة الامن الحلي من الحبوب يتعدى40% لمحصول الحنطة في افضل الحالات ويكاد لا يذكر للأصناف الاخرى التي تغطيها الاستيرادات بصورة شبه مطلقة مثل الرز والمحاصيل الحقلية الاخرى.
وهنا يتناقض القطاع الزراعي مع القطاع النفطي هيكلياً في اتجاهات الانفتاح على السوق العالمية وبطريقين مختلفين من حيث تأثير المنافع والتكاليف التجارية .
فقد اصبحت قوى السوق او العرض والطلب العالمية تتحكم بقوة ، سواء في الطلب على النفط وتأثيره على قيمة الصادرات العراقية او في عرض المواد الغذائية وتأثيرها على كلفة استيرادات العراق منها . وعند الرجوع الى فلسفة خفض القيود الجمركية بنسبة 24% والغاء القيود غير الجمركية وهي الشروط التي تفرضها منظمة التجارة العالمية على الدولة العضو في مجموعة البلدان النامية للعمل بها وتطبيقها خلال مدة 6 سنوات من تاريخ الانضمام ، فضلا عن خفض الدعم الزراعي بنسبة 13.3% خلال 10 سنوات من الانضمام فان هذه الشروط تصطدم مع اوضاع السوق الزراعية وبورصة المواد الغذائية.
ان العالم يعيش في احتكارات زراعية يقابلها تدهور في التنمية الزراعية العراقية ، مما يشكل تهديدا حقيقيا للأمن الغذائي، ما لم يسبقه برنامج زراعي للاكتفاء الذاتي والعراق سيكون بحاجة الى ثورة خضراء على غرار ما قامت به المكسيك والكثير من بلدان اميركا اللاتينية، خصوصا ان هنالك ما بين 3 الى 6 شركات احتكارية كبرى في العالم تسيطر على 80 – 90% من تجارة المحاصيل الزراعية والتحكم بالأسعار والكميات مثل الحنطة والسكر والشاي والقهوة والقطن والجوت وغيرها من المنتجات، في وقت مازالت تهيمن عشر شركات متعددة الجنسيات على ثلث انتاج البذور والمبيدات وتجارتها في العالم.
وعلى الرغم مما تقدم فان دخول العراق و الانتظام في الفضاء الاقتصادي العالمي عبر منظمة التجارة العالمية وتعامله مع المجموعات الدولية بشروط تسري على الجميع من الناحية الشكلية في وقت مازال فيه العالم منقسما بين دول الشمال والجنوب او دول المركز الصناعي المتقدم والمحيط النامي ،

ولا ننسى ان وضع العراق تحت طائلة الفصل السابع منذ 1990 من ميثاق الامم المتحدة حتى الانتهاء منه في 30 حزيران2013، جعل العراق في بيئة اقتصادية سالبة معادية للتنمية وربما معرقلة للاندماج الطبيعي في السوق العالمية. حيث حظر ذلك الفصل طوال العقود الماضية بسبب فرض قيود على العراق حتى وقت قريب جداً بكونها من البلدان عالية المخاطر ومهددة للسلم العالمي واباحة استخدام القوة ضده على الرغم من زوال الاسباب الموضوعية التي فرضت العقوبات الاقتصادية بموجبها على العراق في وقتها .
وان انضمام العراق الى مناطق اقتصادية اقليمية ، كمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وغيرها من الاتفاقات الاقتصادية في نطاق الجامعة العربية او غيرها من اشكال التكامل والاندماج الاقليمي ، لابد من ان تضع في الاعتبار تنفيذ الاحكام الواردة في اتفاقية منظمة التجارة العالمية ومن قبلها اتفاقية الجات والتي اصبح كلاهما قيدين ملزمين على تنفيذ الاتفاقيات التجارية .
لذا فان اية تسهيلات تجارية في اطار الاتفاقيات الاقليمية تصبح دون فائدة او قيمة اذا كانت هي ما دون التسهيلات المقدمة في اطار منظمة التجارة العالمية .
ومن جهته اخرى فان بقاء العراق منعزلا عن محيطه الدولي دون توافر مناخ للتفاعل مع الاسواق وتنظيماتها الدولية، ولاسيما منظمة التجارة العالمية، سيكلفه الكثير بسبب فقدانه للمزايا والفرص التنظيمية والمنافع التكنولوجية والقانونية والمجالات الاخرى في الاستثمار والتحكيم وضمان حقوق الملكية الفكرية والتصدي للإغراق السلعي وغيرها، وهي الفرص التي لا يوفرها له الانعزال عن العالم المنظم ولا يمكنه من التحول التدريجي الى مجموعة البلدان المستقرة والقليلة المخاطر والمتطلعة الى التحول نحو الانفتاح على العالم ، لا يمكن تحقيقه الا بتوافر القدرة على الاندماج الرسمي للعراق في النظام التجاري العالمي و مؤسساته الممثلة بمنظمة التجارة العالمية ووفق اسس تفاوضية عادلة.

نستنتج مما سبق أن منظمة التجارة العالمية تعمل في زمن التفرد القطبي وهيمنة الولايات المتحدة على الأوضاع السياسية والاقتصادية العالمية، جعلها تصب في خدمة الولايات المتحدة وحلفائها. لأن أهداف المنظمة الرامية إلى حرية التجارة ورفع الدعم الحكومي عن القطاعات الاقتصادية، ورفع الحماية وتخفيض وإزالة الرسوم الجمركية، سوف لن تخدم اقتصاديات الدول النامية لأنها لا تملك المنتجات الصناعية والزراعية الجيدة والمنخفضة الأسعار لكي تنافس البضائع والسلع القادمة من الدول المتقدمة والدول الحديثة التصنيع كالصين وكوريا الجنوبية وتايوان.. وغيرها، كما تبين ان الدخول في عضوية المنظمة يتطلب إجراءات وإصلاحات سياسية واقتصادية تمس بسيادة الدولة. ومن أجل تحقيق العدالة والنهوض بالاقتصاد العالمي، على الدول المتقدمة أن تراعي الأوضاع السياسية والاقتصادية للدول النامية وخاصة العراق وما يمر به من ظروف اقتصادية وسياسية صعبة، تساعده في الحصول على مقومات التنمية، وتعطيها المرونة في مجال حماية منتجاتها الزراعية والصناعية الناشئة.

شذى خليل 

باحثة في الوحدة الاقتصادية 

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية 

Print Friendly, PDF & Email