العراق محور الاستراتيجية الامريكية الاقتصادية بالشرق الاوسط

العراق محور الاستراتيجية الامريكية الاقتصادية بالشرق الاوسط

شذى خليل*

       يحظى الشرق الأوسط بأهمية كبيرة في السياسة الأمريكية؛ ورسم استراتيجياتها المستقبلية؛ لاعتبارات كثيرة، أهمها ثرواته النفطية والمعدنية، وجغرافيته إذ يُعد قلب العالم، وحلقة الوصل بين البحار والمحيطات.
ولم يكن اهتمام الولايـات المتحـدة الخاص بالعراق وليد المرحلة الانية ، بل بدأ منذ ظهـور الـنفط في العراق، واهتمامها بثروته الوفيرة المتعددة وخاصة النفطية، وذلك ليس لقلـة الكميـات الموجـودة في أراضـيها ، وانمـا للتطـور الصـناعي الامريكي الممتـد الـذي أخـذ مـديات واسعة بحيث أكدت الدراسات المستقبلية الحاجة الأمريكية للنفط، ما دعاها الى التفتيش عن مصادر اخرى، تخدم طموحاتها في السيطرة على مصادر الطاقة في العالم .

وبعد احتلال العراق في 2003 من قبل الولايات المتحدة الامريكية ، والحـديث عـن عـراق جديـد –يختلـف عـن السـابق في الفكـر والعقيـدة والتوجـه هذا الامر، مما يعني انه اصبح للعراق دور جديد في علاقـته بأمريكا وتغير شكل التوافق السياسي وتلاقي المصالح استراتيجية التي ترسمها الخطط الموضوعة من قبل وزارة الـدفاع الأمريكيـة، اذ كان للعراق دور محوري فيها بحكم موقعه الاستراتيجي وثرواته التي ستوظفها الولايات المتحدة لمصلحتها.
واخذت الرؤية الأمريكية نحو العراق منحى جديدا وخصوصا بعد أحداث ١١ أيلول وبالذات في عهـد رئاسـة جـورج دبليـو بـوش مصـحوبا بالمحـافظين الجـدد الـذين بشـروا حـتى قبـل تـوليهم الأمـور بقـرن أمريكي جديد تكون السيطرة المطلقة فيه لقوة عظمى واحدة فوق الجميع وهي الولايات المتحدة .

  الاطماع الاقتصادية
ويعد الدافع الاقتصادي، من ابرز الاسباب التي دفعت الولايات المتحدة لاحتلال العراق، الذي يرقد على خزين هائـل مـن النفط ، من المقدر له حسب خبراء النفط الاحتفاظ بالبرميل الأخير في العالم تحـت أراضـيه بعـد مـا يتجاوز المائة عام بعد ان تنضب النفوط العالمية.
وللمعادلة وجهان يصبان في رافد واحد ، بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة ، واخر طامع في السيطرة على نفط غيره، ولتحقيق ذلك على أمريكا ان تحوز على نفط العراق (لتصحح المعادلة ) وفق النظرة الأمريكية.
وتقدر نسـبة الاحتياطـات النفطيـة العراقيـة الثابتـة ب112.5 مليـار برميـل ، وهـو مـا يعـادل ١٢ %مـن مجمـل الاحتيـاطي العـالمي، في حـين يـرى بعـض الخـبراء ان العـراق لـو اسـتأنف التنقيـب عـن الـنفط لأصبح يملــك ضــعف احتياطاتــه الحاليــة ، اذ توقفــت اعمــال التنقيــب بــدءا مــن عــام ١٩٨٠ ، ولم يســتطع العــراق استئناف التنقيب بعد تلك الفترة بسبب حربي الخليج الاولى ، والثانية، والحصار الدولي الذي فرض عليه.
ويتميز النفط العراقي بتكلفـة إنتـاج منخفضة كثـيرا بالقيـاس لغـيره مثـل النفط الأمريكي او نفط بحر الشمال ، فتكلفة إنتاج برميل الـنفط العراقـي تـتراوح بـين (٧،٠– ١) دولار ،في حين تصـل في بحـر قـزوين الى مـا بـين (٧-٨ ) دولارات ، وفي الولايـات المتحـدة تصـل لأكثر مـن ١٠دولارات.
في حين انخفض إنتــاج الولايــات المتحــدة للــنفط بشكل ملحوظ اذ بات يهــدد اقتصـادها وقوتها ، فبعـد ان كانـت تنـتج عـام ١٩٥٠ نحـو ٥٢%مـن الإنتـاج العـالمي، تراجـع في السـنوات القليلـة الماضـية الى ١٠%فقـط ، وصـاحب ذلـك ارتفـاع شـديد في معـدل الاسـتهلاك النفطـي.
وفي المقابل تستورد الولايات المتحدة ما يقرب من ٦٠ %من احتياجها النفطي ،كما تستهلك وحدها ٢٦ %مـن الاسـتهلاك العـالمي للـنفط ،بالمقارنـة مـع اليابـان ٧،%الصـين ٦،%المانيـا٦,٣، %روسـيا٣,٣ %والمملكة المتحدة 2.2% .
ويوصف الاحتياطي النفطي الأمريكي بالقليل ، إذ مـن المقـدر نضوبه بعد ربع قرن ، وبالتالي فان الدولة التي تستهلك سبع الإنتاج العالمي، لا بد ان تبحث عن مصادر طاقة تؤمن حاجتها المتزايدة للنفط في ظل فشل معظم منـابع البحـث عـن طاقـة بديلـة للـنفط لتحـل أزمــة القــوى الغربيــة الــتي تشــعر انها رهينــة لمــوارد الــنفط الموجــود في منــاطق( مناوئــة ) للسياســات الغربيــة والأمريكية .
وهنـا فـان احـتلال العـراق سـيحقق اكثـر مـن هـدف، للولايـات المتحـدة حيث يؤمن لها مصدر نفطيا هائلا ورخيصا ، ويذهب معظم الدخل النفطي للشركات الأمريكية التي حظيت بعقود استثمار في العراق.
وبحساب بسيط اذا كان سعر برميل النفط خمسين دولارا امريكيا فـان قيمـة الـنفط العراقـي ستصـل الى مـا يقـارب ٦ تريليـونات دولار ومعظمهـا مـن المفترض ان يذهب الى رصيد الشركات الأمريكية.
ومن جهة ثانية والاهم على المدى البعيد ، فان السيطرة على العـراق تجعل الولايـات المتحـدة مؤثرا رئيسـا في تحديـد أسـعار الـنفط مـن خلال تعزيز قدرتها في ممارسة الضغوط على الدول الكبرى المنتجة للـنفط في منظمـة الاوبـك ،فهـي تـتحكم في إنتـاج الـنفط العراقـي وبالتـالي تسـتطيع ان ترفعـه مـتى مـا دعـت الحاجـة الى ذلـك او تخفضـه مـتى رغبت.

و ستساوم به الدول الأخرى المنافسة لها وخصوصا الصين التي تشير كل الدراسات الى تصاعد احتياجها النفطي في ظل ارتفاع معدل النمو بما يتراوح بين ٨-١٠، %وهنا فان الصين التي يرتفع استهلاكها السنوي للنفط بمعـدل 1.5-٢ %سـتكون بحاجـة الى مصـادر نفطيـة جديـدة لسـد الاحتياجـات ولذلك نجد انها ابرمت اتفاقيات تجارية مع المملكة العربية السعودية لتامين احتياجها من النفط .
وتبعـا لـذلك فـان السـيطرة علـى الـنفط مسـالة بالغـة الأهميـة للـتراكم العـالمي كمصـدر للطاقـة ووسـيلة للتحكم في المنافسين الدوليين وقيمـة مضـافة للتـداولات محملـة بـالعلم علـى السـلعة الأوليـة.
وهنا شرطان أساسيان لا بد ان يتباينا حتى يفيا بأهداف الاحتلال الأمريكي للعراق ، وهما:
على الصعيد العالمي اذ ستتمكن الولايـات المتحـدة مـن السـيطرة علـى آبـار الـنفط لفـترة مقبلة، وجعلها بوضـع تنافسـي افضـل في مواجهـة شـركائها في العـالم الغـربي.

وهنا يتضح الدور الاستراتيجي للعراق في خطط امريكا بالشرق الاوسط
والذي سيحقق المشــروع الأمريكــي ذاتــه ، والدور الجديــد المرســوم للعــراق كنقطــة ارتكــاز في اســتراتيجيتها ” للقرن الأمريكي الجديد”.
ويرى المحلل الاستراتيجي الأمريكي مايكل هدسون انه سـيكون للعراق دور ايجـابي علـى صـعيد الاسـتراتيجية الأمريكيـة في المنطقـة والعـالم اجمـع، اذ سيكـون نقطــة بــدء وتجربــة تعمــم في الشــرق الأوســط بهدف تحويــل مجتمعاتــه الى (ديمقراطيـة)علــى المســتوى السياســي و(ليبرالية)على المستوى الاقتصادي و ان امريكا لم تأت الى العراق ليومين ثم ترحل او حتى تنهزم او حتى تستسـلم وتسلم الراية للآخرين، هذ ما اكده بـوش في كلمته امام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم ١٩ايلول ٢٠٠٦ اذ قال” : ان مهمتنا لم تنته و نقول للشعب العراقـي اننـا لـن نـترككم ولـن نتخلـى عـنكم في بناء أمة حرة”.
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن: ما الدور الذي يمكن للعـراق الجديـد ان يؤديه في الاستراتيجية الأمريكية ؟
ان تحليلنا يكشف ان الاحتلال الأمريكي للعراق هو بالأساس يعد تطبيقـا لاسـتراتيجية الامـن القـومي الـتي تبنتهـا إدارة الـرئيس بـوش في أيلـول ٢٠٠٢ ، وتطبيق مبدأ الضربات الوقائية ، بحيث يمكن القول ان العراق كان ساحة الاختبار المهمـة لهـذه الاسـتراتيجية الجديــدة ، فــإدارة بــوش تســعى الى اســتغلال احتلالهــا للعــراق في تحقيــق اهــداف تجاوزت الســياق العراقــي الضيق، وسـيحقق لهـا اهـدافا تتـداخل معهـا وفـق العمليـة المعقـدة الملامـح المرسـومة لـدور العـراق الجديـد، وذلك باحتفــاظها بوجــود عســكري فيــ العراق ســيحقق لها اهــدافا سياسية وعسكرية واقتصادية ، و سيكون له دور محوري في تحقيق تلك الأهداف .
ويقـوم جـوهر الرؤيـة الاسـتراتيجية الأمريكيـة على ان التغيير الذي حصل في العراق ، كان مجـرد خطـوة اولى لإعادة ترتيــب الأوضــاع في الشــرق الأوســط.
و يكـون العـراق في هـذه الحالـة نمـوذجا للدول العربية والشرق اوسطية التي تهدد او تتعارض مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة.
وعليه يكون دور العراق مرتكزا لقواعـد أمريكيـة ثابتـة وعلـى المـدى الطويـل قاعـدة مهمـة للانطلاق الأمريكي نحو تحقيق أهدافها في المناطق الاخرى. وبمعنى اخر فان العراق سـوف يشـكل مـوطئ قـدم رئـيس للولايات المتحدة الامريكية.
ويمثل العراق القاعدة الامريكية المهمة في المنطقة ، وللمرة الاولى في تاريخه يرتبط بنوع من التحالف العسكري مع الولايات المتحدة بعـد ان ظـل العـراق بعيـدا عـن الأحـلاف الأمريكيـة.
وهنـا فـان يكون دور العـراق أداة قوة وضـغط بيـد الولايـات المتحـدة على الـدول الأخـرى سواء كانت نفطية ام غير نفطية .
ويرى خبراء مختصون تأثير دور العراقي في تنشــيط الاقتصاد الأمريكي من خلال عمليات إعادة الإعمار والاستثمارات ، ولكـن هـذا الـدور سـيبقى مرتبطـا ومرهونـا بمـدى التقـدم الأمريكـي في العـراق، ومـدى نجـاح الولايـات المتحـدة في إعـادة الأمـن المنشـود وتحقيـق الرفاهيـة الاقتصـادية للعراقيين ، وكسب ودهم ورضاهم من خلال الوفاء بالوعود التي قطعتها الإدارة الأمريكية على نفسها، والا فان المشروع الأمريكـي سيفشـل فشـلا ذريعـا في العـراق، وقـد يلحـق الفشـل في المنـاطق الأخـرى
ويؤكد الخبراء ان بقـاء الأوضـاع كمـا هـي عليـه الان في العـراق سيشـكل عقبـة كـأداء أمـام المشـروع الأمريكـي،وسـيتحول دور العـراق الجديـد مـن دور إيجـابي لخدمـة الاسـتراتيجية الأمريكيـة الى دور سلبي كابح للمشروع الأمريكي ،القـائم علـى الهيمنـة الأمريكيـة المنفـردة علـى العـالم المصـحوبة بالتبعيـة والانقيـاد مـن قبـل الآخــرين للرغبــات الأمريكيــة ،وتحقيــق الأهــداف الكونيــة عــبر القــوة كوســيلة لتحقيــق الهــدف عوضــا عــن الدبلوماسية الفاشلة الـتي يـرى فيهـا المحـافظون الجـدد انها عـائق امـام الهيمنـة الأمريكيـة.
وعليه سيكون مستقبل الوضع الأمريكي في العراق، كما خططوا له ســاحة عمليــات لتطبيــق الاستراتيجية الامريكية الجديدة بالشرق الاوسط ، و اختـير العـراق ليكـون هـو تلـك السـاحة لأكثر من سـبب او حجـة ، ولتحقيـق اكثـر مـن مصـلحة .
فـالعراق بموقعـه الاسـتراتيجي المهـم وبثروتـه الاقتصـادية النفطيـة الهائلـة ، يشـكل مغنمـا مهمـا للولايـات المتحـدة ، ولان هـذه الأخـيرة لا تختـار الا السـاحات المهيـأة عمليـا لتقبـل الصـدمات فقـد اختـارت العـراق المنهـك بسـبب الحصـار الـدولي منـذ ١٩٩١ والمـدمرة أسـلحته بسـبب قـرارات مجلس الأمن بعد حرب الكويت ، فقد نجحت الولايات المتحدة في أولى الخطوات فقامـت بـاحتلال العـراق لتنتقـل الى تحقيق مطامعها التوسعية والاقتصادية في المنطقة.
ومـن هنـا رسـم للعـراق الجديـد هـذا الـدور الجديـد ولكـن هـذا الـدور بقـي مرهونـا بمـدى النجـاح الأمريكـي في الداخل العراقي.

الربيع العربي في بعض الدول العربية يحقق الاستراتيجية الامريكية

استطاع الربيع العربي أن يحقق بعض ملامح الشرق الأوسط الجديد الذي تطمح إليه أمريكا، إذ إن الدول التي طالها الربيع العربي، ما زالت تعاني صراعا داخليا ومشاكل سياسية واقتصادية وأمنية، كما هي الحال في سوريا و ليبيا ومصر مثلاً، وفي ظل هذا الصراع القائم في هذه الدول ستتمكن أمريكا من تسيير سياسات هذه الدول بما يتوافق ومصالحها في المنطقة.
ومع وصول دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية بلغت خطورة السياسة الأمريكية في المنطقة ذروتها؛ لأن ترامب يصنف ضمن اليمين المتطرف، وتكمن خطورة هذا الرجل في اعتماده على استراتيجيتين رئيسيتين: الأولى: وهي الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الأموال الخليجية بشكل مباشر أو غير مباشر كما حصل في صفقة الأسلحة والاتفاقات والاستثمارات التجارية مع السعودية والتي تجاوزت 400 مليار دولار أمريكي.
الثانية : وهي الأخطر والتي تتمثل بإدامة زخم الصراع الطائفي والمذهبي في المنطقة، مما يعني تقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة عملياً من خلال صراع سني سني، وشيعي شيعي، وصراع أوسع شيعي سني.

وحدة الدراسات الاقتصادية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email