تراجع ملحوظ: لماذا حصدت الدول العربية مراكز متأخرة في مؤشر السعادة؟

تراجع ملحوظ: لماذا حصدت الدول العربية مراكز متأخرة في مؤشر السعادة؟

3392

تعددت التقارير العالمية التي تهتم بتقييم ورصد اتجاهات المواطنين حول المجتمعات التي يعيشون فيها، وتأتي نتائج بعض هذه التقارير معبرةً عن التطورات والأحداث التي تشهدها هذه المجتمعات، بينما يُمكن ملاحظة تعارضها مع الواقع في بعض الأحيان أيضًا، نظرًا لاعتماد هذه التقارير على معايير مادية بحتة، تُطبق على دول العالم بأسره دون النظر لاعتبارات الاختلاف بين الغرب المتقدم المستقر إلى حدٍّ ما، والشرق النامي المضطرب بشكل كبير.

غير أن هذه التقارير، ومن بينها مؤشر “السعادة العالمي” الصادر عن منظمة الأمم المتحدة، والذي تُعده “شبكة حلول التنمية المستدامة”، وهي إحدى المبادرات التي تُشرف عليها الأمم المتحدة، معتمدة على استطلاعات رأي تجريها مؤسسة “جالوب” لأبحاث الرأي العام، من شأنها إلقاء الضوء على العلاقة بين المواطنين والدولة، والأهمية التي تُوليها النظم السياسية الحاكمة لرأي المواطن، ورصد مدى رضاه وسعادته عما تقدمه من خدمات، ومعرفة هواجسه ومخاوفه، وأكثر القضايا التي تشغل حيزًا من اهتماماته. وعلى الرغم من أن الثورات والاحتجاجات العربية عبرت بشكل كبير عن الفجوة بين إدراك الدولة لدورها، وما يريده المواطن منها، فإن ثمة إجراءات، وإن كانت محدودة، بدأت بعض الدول في إبداء مزيد من الاهتمام بها، في سياق قياس رأي المواطن بشكل دوري لمدى رضاه عما تقدمه من خدمات.

ترتيب الدول العربية:

احتلت الدول الاسكندنافية المراكز الأولى، بين 158 دولة شملها التقرير، بينما لم تأتِ سوى دولة عربية واحدة هي دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن المراكز العشرين الأولى، وذلك بحصولها على المركز العشرين عالميًّا، في حين جاءت سلطنة عمان في المركز الثاني عربيًّا والـ22 عالميًّا، وقطر في المرتبة الـ28 عالميًّا، يليها المملكة العربية السعودية في المرتبة الـ35، والكويت في المركز الـ39، والبحرين في المرتبة الـ‏‎49 عالميًّا.

ويتوالى ترتيب الدول العربية بعد ذلك في مراتب متأخرة عالميًّا وفق مؤشر السعادة العالمي؛ حيث تأتي دولة ليبيا في المرتبة الـ63، ثم دولة الجزائر في المرتبة الـ68 عالميًّا، ثم الأردن في المرتبة الـ82 عالميًّا، والمغرب في المرتبة الـ92، فيما جاء ترتيب كلٍّ من تونس وفلسطين والعراق ومصر واليمن وسوريا في ذيل القائمة بعد احتلالها للمراتب: 107، 108، 112، 135، 136، 156، حيث تراجعت كلٌّ من تونس من المرتبة الـ104 في تقرير عام 2013، والعراق من المركز الـ105، ومصر من المرتبة الـ130، وسوريا من المرتبة الـ148.

أسباب التراجع:

وفقًا للنتائج التي أوردها تقريرُ مؤشر السعادة لعام 2015، الذي تناول الفترة من 2012-2014، يتضح تدني مراتب معظم الدول العربية، وتراجع ترتيب بعضها عن ذلك الترتيب الذي حققته في التقرير السابق الصادر عام 2013، والذي تناول الفترة من 2010-2012، الأمر الذي يُمكن معه إلقاء الضوء على بعض الملاحظات، فيما يلي:

1-يأخذ التقرير بعين الاعتبار في تصنيفه إلى جانب استطلاعات رأي مؤسسة “جالوب” في الدول التي شملها التقرير، عوامل أخرى كثيرة؛ ‏منها: الناتج الاقتصادي الإجمالي لكل فرد من سكان كل دولة، وحجم السكان، ومتوسط طول العمر للمواطنين، ومستويات الفساد في المؤسسات والمجتمع، ومستوى التعليم الذي يحصل عليه الفرد، والحريات الاجتماعية الممنوحة من قبل الدولة للأفراد، فضلا عن معيار المساندة الاجتماعية للمواطن، سواء من جانب الدولة أو المواطنين الآخرين. ومن هنا يمكن تفسير أسباب تراجع معظم الدول العربية مقارنةً بدول العالم، وذلك نظرًا لتدني المؤشرات الاقتصادية لأغلب اقتصاداتها خلال العامين الماضيين وهي الفترة التي تناولها التقرير، بفعل غياب الاستثمارات الأجنبية، وتوقف العديد من القطاعات الإنتاجية نتيجة غياب الأمن، وتفشي ظاهرة الإرهاب، وانتشار حركات الاحتجاج العمالية بشكل كبير مما تسبب في تعطيل أكثر من قطاع اقتصادي حيوي.

2-لا يخفى ظهور تأثير الاضطرابات السياسية والأمنية التي شهدتها أغلب الدول العربية في مرحلة ما بعد الثورات على مؤشرات الاقتصاد العربي بشكل عام، ففي هذا الإطار أكد صندوق النقد العربي في التقرير العربي الاقتصادي الموحد لعام 2014 الصادر عنه في شهر فبراير 2015، أن أداء الاقتصاديات العربية تأثر بعدد من العوامل التي شهدتها المنطقة، مما نتج عنه تراجع معدلات النمو المسجلة في الدول العربية. وفي هذا السياق، سجل الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بالأسعار الثابتة معدل نمو بلغ 4.2% عام 2013، وهو معدل نمو أقل من معدل النمو المسجل على مستوى مجموعة الدول النامية والأسواق الناشئة البالغ 4.7% خلال العام نفسه.

3-تشير اتجاهات عديدة إلى أن تراجع أسعار النفط خلال العام الماضي أسهم بشكل كبير في تراجع أداء الاقتصاديات العربية بشكل عام، وقد انعكس ذلك في ترتيب بعض الدول العربية في مؤشر “السعادة”، وهو ما أكده تقرير صندوق النقد العربي، بتوضيحه أن تراجع معدلات النمو المسجلة في الدول العربية المصدرة للنفط جاء انعكاسًا لانخفاض كميات الإنتاج النفطي في بعض تلك الدول من جهة، إضافةً إلى تأثير تراجع الأسعار العالمية للنفط من جهةٍ أخرى. كما تشير اتجاهات أخرى إلى أن تراجع معظم تلك الدول في تقرير “مؤشر مدركات الفساد” الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، كان سببًا آخر في حصولها على مراتب متأخرة في مؤشر السعادة، الذي يعتمد على مؤشر الفساد كأحد المؤشرات الرئيسية في تقييم مدى سعادة المواطنين.

المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية