slmn_wrwhny

ما إن أعلنت الرياض عن تسمية سفيرها الجديد لدى بغداد بعد قطيعة دامت لما يقرب من 25 عامًا، حتى استبشر البعض وباتت لغة التفاؤل حول استعادة العلاقات السعودية  العراقية قوتها من جديد تطفو على السطح بصورة كبيرة، وهو ما عبر عنه العراق بصورة واضحة عبر تصريحات رئيس وزرائه.

لكن ومع مرور أقل من أربعة أشهر على تولي ثامر السبهان مهام منصبه كسفير للملكة، إذ بالحكومة العراقية على لسان وزير خارجيتها تطالب الرياض بتغيير سفيرها، بدعوى تدخله في الشؤون الداخلية العراقية، بما يزيد من فرص توتر العلاقة بين البلدين مرة أخرى.

الطلب العراقي بتغيير السبهان لا يمكن أن يكون بمعزل عن النفوذ الإيراني المسيطر على مفاصل الدولة العراقية في مختلف المجالات، والذي رأى أن إعادة السعودية علاقتها مرة أخرى مع العراق بعد هذه القطيعة الطويلة إنما يستهدف الوجود الإيراني في المقام الأول.

“نون بوست” في هذه الإطلالة يسعى لإلقاء الضوء على مساعي بلاد الحرمين لبسط نفوذها من جديد داخل العراق، ومدى تأثير هذه الخطوات على التواجد الإيراني، وهل تنجح الرياض بسياستها الجديدة تجاه بغداد في زلزلة الكيان الإيراني والتأثير عليه، وما هو رد فعل طهران حيال هذا التوجه السعودي الجديد؟

ربع قرن من القطيعة

كانت العلاقات العراقية السعودية قبيل 1990 نموذجًا للعلاقات العربية العربية الجيدة، حيث ارتبطت الرياض بالنظام البعثي العراقي بالعديد من أواصر الصداقة والتعاون المشترك في كافة المجالات، وبلغت هذه العلاقات ذروة نموها عقب الثورة الإسلامية في إيران، حيث خططت طهران لتصدير ثورتها للعراق، فكانت السعودية أول من وقف بجوار الرئيس الراحل صدام حسين في مواجهة المخطط الإيراني، ووفرت له كل وسائل الدعم المتاحة – ماليًا ولوجيستيًا – فيما عرفت بحرب الخليج الأولى.

ومع الاجتياح العراقي للكويت في 1990 دخلت العلاقات السعودية العراقية نفقًا مظلمًا، حيث أعلنت الرياض قطع علاقاتها الدبلوماسية مع بغداد، وغلق سفارتها، فضلاً عن فتح مجالها الجوي وحدودها لقوات التحالف المشكلة لضرب العراق، حتى سقط صدام ونظامه لتفرض أمريكا سيطرتها على الوضع هناك.

على مدار السنوات الماضية ومع تولي حكومات نوري المالكي وحيدر العبادي مقاليد الأمور، لم تتغير السياسة العراقية تجاه السعودية

ومع بداية 2003 أعلنت الرياض رسميًا وقف هجماتها ضد العراق، وأغلقت القاعدة العسكرية الأمريكية المتواجدة بها، وسعت لفتح صفحة جديدة مع النظام العراقي الجديد، لاسيما بعدما باتت بلاد الرافدين حقلاً للصراعات المذهبية وبسط النفوذ الإقليمي، وقصعة مستباحة لسرقة ثرواتها النفطية والمعدنية من مختلف دول العالم.

وعلى مدار السنوات الماضية ومع تولي حكومات نوري المالكي وحيدر العبادي مقاليد الأمور، لم تتغير السياسة العراقية تجاه السعودية، حيث اتهمت بغداد الرياض بالإرهاب وتمويل الجماعات السنية المسلحة، فضلاُ عن الاتهامات التي وجهها كل من المالكي وبغدادي لنظام آل سعود بسعيه لإحداث الوقيعة والفتنة الطائفية بين الفرق المذهبية داخل العراق، وهو ما زاد من حدة القطيعة وتوتر العلاقات بين البلدين، مما فتح الباب لإيران لبسط نفوذها على كامل الأرجاء العراقية.

السعودية تفتح حدودها لتوجيه ضربات للعراق في حرب الخليج الثانية

إيران تبسط نفوذها

استغلت إيران الغياب السعودي عن الساحة العراقية منذ حرب الخليج الثانية، وتوتر العلاقات بين البلدين بصورة فتحت المجال لطهران لتنفيذ ما كانت تسعى إلى تحقيقه عقب ثورتها الإسلامية.

تشكل إيران فاعلاً رئيسيًّا في تفاعلات الساحة العراقية، وعلى مختلف الأصعدة؛ إذ تمارس دورًا مؤثرًا في العراق، إذ رمت بثقلها للمحافظة على هذا الدور وتعزيزه باستمرار، لإدراكها أهمية العراق الاستراتيجية، وكونه بمثابة بوابة مهمة للدخول إلى المنطقة العربية، ومن خلاله يتحقق التواصل الملائم لإيران مع حلفائها في باقي دول المنطقة.

لكن ومع كل هذا لا بد وأن نعي أن هذا الدور ذو الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية والعقائدية، ما كان ليصل إلى ما هو عليه لولا الأزمات التي مر بها العراق، البداية كانت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 أبريل 2003، لتجد طهران حينها أن الفرصة سانحة لمد نفوذها في الداخل العراقي، ثم مع مطلع 2014 حين تفجرت الأزمة الأمنية لاسيما بعد استيلاء تنظيم “داعش” الإرهابي على عدد من المحافظات العراقية، نجحت إيران في بسط كامل نفوذها الأمني إذ كان لها دورًا محوريًا في مواجهة هذا التنظيم الإرهابي من خلال وجود ضباط وخبراء وقوات إيرانية بشكل مباشر في الساحة العراقية، وكذلك عن طريق بيع الأسلحة والمعدات العسكرية وتقديم المعلومات الاستخبارية للقوات العراقية.

تشكل إيران فاعلاً رئيسيًّا في تفاعلات الساحة العراقية، وعلى مختلف الأصعدة

ويمكن الوقوف على النفوذ الإيراني داخل العراق من خلال عدد من الأبعاد التي تكشف السيطرة شبه الكاملة لطهران على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي والعقدي العراقي.

سياسيًا: نجحت طهران بحكم علاقاتها القوية مع بعض القوى السياسية داخل العراق في فرض هيمنتها على القرار السياسي لبغداد، وهو ما يتضح جليًا في العلاقات المتميزة التي تجمع السياسيين العراقيين بأعضاء حكومتي المالكي وبغدادي، ما جعل القرار العراقي بأيدي الإيرانيين، سواء فيما يتعلق بالأسماء المختارة لتولي الحقائق الوزارية أو المحلية أو فيما يتعلق بالمميزات التي يحصل عليها المقربون من النظام الملالي الإيراني.

أما على مستوى السياسة الخارجية، فيلاحظ سيطرة طهران على التوجهات العراقية فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية، وهو ما يتضح جليًا في الدعم المطلق لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن الحوثيين في اليمن، حيث كانت العراق أول دولة عربية تعترف بالمجلس السياسي الحوثي الصالحي الذي تم الإعلان عنه عقب مفاوضات الكويت الشهر الماضي.

اقتصاديًا: تلعب إيران دورًا محوريًا في الاقتصاد العراقي، حيث سعت إلى التغلغل في مختلف القطاعات الاقتصادية والصناعية وقطاعات الاستثمار والسياحة الدينية والقطاعات التجارية، فضلاً عن تسهيل منح التأشيرات للتجار والمستثمرين الإيرانيين، وإغراق الأسواق العراقية بمنتجات وسلع إيرانية استهلاكية ورخيصة، حتى تمكنت إيران من أن تكون الشريك التجاري الرئيسي للعراق، ومن أكبر المستثمرين فيه منذ عام 2003، إذ وصلت الاستثمارات الإيرانية في العراق إلى ما يقارب 12 مليار دولار، ويوجد 4 مصارف مشتركة بين الدولتين لتعزيز التدفقات المالية، وتتولى الشركات الإيرانية مشاريع بناء 4 ملايين وحدة سكنية في العراق، فضلاً عن تمكن إيران من التغلغل الاقتصادي في كردستان، وذلك بتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الأكراد في مرحلة ما بعد 9 إبريل 2003، وازدهار التجارة عبر الحدود؛ حيث تم إبرام عشرات العقود مع شركات إيرانية، خاصة في أعمال الإنشاء والاتصالات بإقليم كردستان.

دينيًا: استطاعت إيران ومنذ سقوط نظام صدام حسين في نشر الفكر الشيعي داخل الأروقة العراقية بصورة كبيرة، حيث استغلت الحالة الاقتصادية والأمنية والسياسية المترهلة في الترويج لمذاهبها الشيعية بصورة كبيرة، في الوقت الذي ناهضت فيه وبشدة الطوائف السنية، بما زاد من رقعة الشيعة داخل العراق بشكل غير مسبوق.

وصلت الاستثمارات الإيرانية في العراق إلى ما يقارب 12 مليار دولار، ويوجد 4 مصارف مشتركة بين الدولتين لتعزيز التدفقات المالية

كما نجحت من خلال إثارة القضايا الطائفية والترويج لفكرة المظلومية، في نشر مذهبها العقدي، كما أن لها تأثيرًا كبيرًا على رجال الدين في الحوزات العلمية الدينية، إضافة إلى دورها الفاعل في تحريك القضايا السياسية عن طريق الفتاوى الدينية التي يُصدرها رجال الدين الممالون لإيران.

أمنيًا: وهو الدور الأبرز لإيران في هذا التوقيت بالذات، إذ كان لإيران الكلمة الأولى في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، لما تمتلكه من ضباط وجنود وأجهزة استخباراتية على كفاءة عالية نجحت في مواجهة التمدد الداعشي في محافظات العراق، بما سمح لطهران من بسط نفوذها العسكري، خاصة مع تمويلها لفصائلها المسلحة الممالية لها بالأسلحة المتطورة تحت زعم حماية الزوار والحوزات والمراقد الشيعية.

ومن ثم يمكن القول أن هناك مجموعة من الوسائل تستطيع إيران عن طريقها التأثير على الأحداث والتطورات في العراق سياسية كانت أو اقتصادية، منها التأثير العقائدي، حيث تهتم إيران بشكل كبير بالبعد الديني المذهبي بصورة حكمت سياستها وعلاقاتها مع الأحزاب والحركات السياسية والمسلحة، لاسيما تلك التي تؤمن بـ “ولاية الفقيه”، وفي المقابل تعتبر القوى والأحزاب الإسلامية ذات الانتماء الشيعي إيرانَ بعدًا وعمقًا استراتيجيًّا لها ولنشاطها، كذلك الدعم في الانتخابات، حيث تعمل على التأثير في نتائج الانتخابات المختلفة من خلال دعم مرشحيها المفضلين، وتقديم المشورة لهم، وتشجيع حلفائها على خوض الانتخابات تحت قائمة موحدة لمنع تقسيم أصوات ناخبيهم، إضافة إلى التمويل والدعم المالي، حيث يمثل الدعم المالي الكبير الذي تُقدمه إيران للأحزاب والحركات السياسية والمسلحة في العراق أحد أهم عوامل التأثير الفاعلة لإيران عليها، ويتخذ هذا الدعم شكلين: الأول هو الدعم المالي المباشر للأحزاب والتيارات والميليشيات (قادة وأعضاء)، أما الشكل الثاني فيتمثل في وضع إيران للأموال في خدمة الكثير من رجال الدين بغرض التأثير الفكري والسياسي والديني من خلالهم على المجتمع العراقي.

أضف إلى ذلك منظومة الإعلام الهائلة التي تملكها طهران داخل العراق بما يسمح لها بالتأثير الدعائي والإعلامي على الشارع العراقي، فضلاً عما تتيحه هذه المنظومة من دعم الموالين لها في مختلف المجالات، كذلك ما انتهجته طهران من تنوع وتعدد الحركات والأحزاب السياسية والميليشيات والفصائل في العراق، وشجعت العديد من القيادات والشخصيات فيها على الانشقاق وتشكيل جماعات عسكرية جديدة خاصة بهم، بما يسمح لها بالتواجد في أكثر من مكان وبأكثر من وسيلة.

محاربة داعش بوابة إيران الكبرى لتفعيل علاقاتها مع العراق

عودة يشوبها الحذر

بعد 25 عامًا من القطيعة، وبعدما استقر في ذهن السعودية السيطرة الإيرانية على مقادير الأمور في العراق، وترجمة مخططات التمدد الشيعي إلى واقع عملي بما يهدد السعودية ودورها في المنطقة، لاسيما بعد تبعية بغداد لطهران سياسيًا، وهو ما أثر على قرارها فيما يتعلق بالموقف من أزمتي سوريا واليمن، كما تم ذكره سابقًا، ما كان من الرياض إلا أن تعيد النظر في سياساتها حيال بغداد بما يضمن له التواجد المناهض لمخطط الإيراني وسحب البساط من تحت نفوذ طهران في العراق، ومن هنا كان تعيين ثامر السبهان، الملحق العسكري السابق في لبنان.

جاءت الخطوة السعودية بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع العراق لتلقي بظلالها الإيجابية على الأجواء السياسية العراقية التي رأت في هذه الخطوة فرصة لتعزيز علاقات البلدين، كما جاء على لسان المتحدث باسم الحكومة العراقية سعد الحديثي.

الحديثي علق في تصريحات له على تسمية السفير السعودي الجديد ببغداد بقوله: “تعيين السعودية سفيرًا في بغداد خطوة إيجابية ستعزز علاقات البلدين، وذلك ضمن توحيد الجهود لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يريد إشعال المنطقة عبر هجماته الإرهابية”.

الحكومة العراقية: تعيين السعودية سفيرًا في بغداد خطوة إيجابية ستعزز علاقات البلدين

وأضاف المتحدث باسم الحكومة العراقية أن العراق يبحث عن علاقات إيجابية مع جميع الدول، ويرى ضرورة توحيد المجتمع الدولي أكثر لضرب الإرهاب الذي يشكل خطرًا على العالم، وليس على العراق فحسب، مشيرًا أن تحسين العلاقات العراقية السعودية خطوة ستصب في مصلحة البلدين من الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية، خاصة أنهما جاران تربط شعبيهما علاقات إيجابية.

القوى السنّية في العراق استقبلت الخطوة السعودية بالترحاب الشديد، إذ رأت فيها إعادة للتوازن المفقود داخل العراق، حيث وصف اتحاد القوى (السُني) الذي يرأسه أسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية في بيان له هذه الخطوة بـ “المباركة” التي ستطور علاقات البلدين، مشيرًا أنها ستنعكس إيجابًا على واقع العلاقات العراقية السعودية، وستعزز الدعم لبغداد في مواجهة تنظيم الدولة الإرهابي.

أثناء تسلم وزير الخارجية العراقي أوراق اعتماد السفير السعودي ثامر السبهان

النفوذ السعودي يتمدد

توّهم البعض أن غياب التمثيل الدبلوماسي الرسمي السعودي بالعراق يعني تخلي الرياض كلية عما يدور بأروقة بلاد الرافدين، وهو ما ينافيه الواقع جملة وتفصيلاً، إذ إن الأذرع السعودية داخل العراق ما غابت يومًا واحدًا بالرغم من توتر العلاقات بين البلدين، وتعدد الجبهات المفتوحة أمام السعودية في اليمن وسوريا.

سعت بلاد الحرمين من خلال عدد من الإجراءات إلى مناهضة التشيع الإيراني داخل العراق لكن بصورة لم ترتق بعد إلى المطلوب لتحقيق الهدف منها، إذ تبنت الرياض سياسة دعم سنة العراق، والعمل على تنحية الخلافات داخل الطيف السني جانبًا، مع لم شمل كافة العشائر السنية بكافة أطيافها السياسية، والعمل على ضرورة تغليب المصلحة السنية أمام الأخطار التي تواجههم في العراق من كل جانب، خاصة في وجود نظام سياسي يقوم على مركزية الهويات الطائفية ووضع المزيد من آليات الاستقطاب السياسي الإقليمي، فضلاً عن الطلب السعودي من الأردن القيام بدور الوساطة بين الفصائل السنية المتناحرة نظرًا لقرب النظام الأردني ببعض قيادات هذه الفصائل.

تبنت الرياض سياسة دعم سنة العراق، والعمل على تنحية الخلافات داخل الطيف السني جانبًا، مع لم شمل كافة العشائر السنية بكافة أطيافها السياسية

كما دعت الرياض أيضًا من أجل توحيد التكتل السنّي العراقي في مواجهة النفوذ الشيعي، إلى  عقد مؤتمر برعايتها للقيادات السياسية السنية بهدف تنحية الخلافات ووضع الخطوط العريضة لما يمكن أن تكون عليه الفترة المقبلة، إضافة إلى الدعم العسكري والمالي السعودي المقدم للأكراد السنّة بهدف الاستقلال بإقليم كردستان العراق، الذي لو تحقق سيكون ضربة موجعة للهيمنة الشيعية في بلاد الرافدين، وهو ما تسعى الرياض لتحقيقه بكل السبل.

لم يتوقف الدعم السعودي الهادف إلى بسط المزيد من النفوذ على تمويل الفصائل السنّية فحسب، بل قدمت الرياض حزمة من المساعدات الاقتصادية للحكومة العراقية في الآونة الأخيرة لاسيما فيما يتعلق بمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، ما يضمن لها حضورًا رسميًا لدى القيادة العراقية، إلى أن جاءت خطوة تنصيب سفيرًا لها ببغداد لتكشف النقاب عن التوجه السعودي الجديد حيال العراق والعزم على التواجد السياسي والأمني والدبلوماسي، فضلاً عن التواجد الشعبي والمجتمعي عبر الحركات والفصائل السنّية.

العاهل السعودي ورئيس إقليم كردستان العراق

بغداد تطالب تغيير السفير

على عكس المتوقع، وبعد أشهر معدودة على تسمية السفير السعودي بالعراق بعد قطيعة ربع قرن، طالبت الخارجية العراقية على لسان وزيرها الجعفري السعودية بتبديل السفير ثامر السبهان، حفاظًا على العلاقات بين البلدين على حد قوله.

بيان الخارجية العراقية برر هذا الطلب بالتدخل المتواصل لـ”السبهان” في الشأن الداخلي العراقي، وانتقاده المتواصل لتشكيل الميليشيات المسلحة المدعومة إيرانيًا داخل العراق، ويذكر أن السفير السعودي قدر أصدر عدد من التصريحات التي طالبت العراقيين بالتوحد، كما جاء في قوله قائلاً: “هناك في العراق من يطالب بإنشاء ميليشيات أو الدعم بالسلاح وهذه ليست سياستنا، نحن نقول توحدوا وتسامحوا واجعلوا الوطن الموحد همكم وهذا أنفع سلاح لكم”، ما اعتبرته بغداد تدخلاً في شؤونها دفع العديد من الميليشيات الشيعية لتوجيه حملة شرسة من النقد والتوبيخ والاتهامات لـ “السبهان”.

كما وصفت ميليشيا النجباء على لسان أمينها العام أكرم الكعبي، السفير السعودي بـ “الشخصية المخابراتية”، معتبرة أنه “مشروع تخريب” داخل العراق وليس إعادة العلاقات بين الرياض وبغداد، إضافة إلى ذلك فقد طالبت ميليشيا بدر بقيادة هادي العامري باعتبار السبهان “شخصًا غير مرغوب فيه”، وذلك على خلفية الانتقاد غير المباشر الذي وجهه ثامر السبهان لمشاركة الجنرال الإيراني قاسم سليماني في الحرب ضد داعش داخل الأراضي العراقية.

وفي أول رد فعل له على الاتهامات التي وجهت له، قال السفير السعودي “إن سياسة المملكة العربية السعودية واضحة وصريحة في العراق ولن تتغير بتغير الأشخاص”، مضيفًا “أنا مقدّر لظروفهم – السياسيين العراقيين – ومقدر للضغوط والتهديدات التي تمارس عليهم، وهذا شيء طبيعي في دولة توجد فيها تدخلات عسكرية ومستشارون عسكريون من دول أخرى”، في إشارة واضحة إلى إيران، على حد قوله.

وعلى الفور وجد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي حرجًا كبيرًا جراء ما وصل إليه الصدام بين السفير السعودي والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران مما دفعه لمخاطبة الخارجية السعودية بتبديل السبهان باسم آخر.

السبهان: إن سياسة المملكة العربية السعودية واضحة وصريحة في العراق ولن تتغير بتغير الأشخاص

الموقف الرسمي العراقي يعكس عددًا من الدلالات تصب معظمها في النفوذ الإيراني داخل العراق، وكيف أن لطهران الكلمة العليا في القرار السياسي العراقي، وهو ما أشار إليه العديد من الخبراء ممن أرجعوا طلب الحكومة العراقية بتبديل السفير السعودي إلى الضغوط الإيرانية التي بان عليها القلق جراء مساعي الرياض استعادة نفوذها في بلاد الحرمين مرة أخرى، ليبقى السؤال: هل تستطيع بلاد الحرمين مواجهة النفوذ الإيراني داخل العراق والعكس؟

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي

طهران في مواجهة الرياض

حالة من الصراع الخفي بين طهران والرياض على أرض العراق، حيث يسعى كل طرف إلى بسط نفوذه في مقابل تحجيم الطرف الآخر، وهو ما دفع كل فصيل إلى توظيف ما لديه من آليات ووسائل لترجمة مخططاته إلى واقع عملي، ويبقى الشعب العراقي وحده من يدفع الثمن.

العديد من الخبراء رجحوا استغلال إيران لنفوذها السياسي والاقتصادي والمذهبي داخل العراق للضغط على حكومة البغدادي في طرد السفير السعودي بعدما أعلن عن مساعيه في مناهضة التشكيليات المسلحة الشيعية، في مقابل دعوته لتوحيد الصف السنّي، الأمر الذي أقلق إيران بصورة كبيرة، ما دفعها إلى العمل على التخلص منه حفاظًا على مكتسباتها في بلاد الرافدين.

وفي المقابل بعض المحللين السعوديين طالبوا بضرورة الإبقاء على الوجود السعودي داخل العراق مهما كان الاستفزاز الإيراني، منددين بترك الساحة طيلة العقود الماضية خالية أمام التمدد الشيعي الذي وصل لصورة تحتاج إلى جهود مضنية لتحجيم انتشارها.

المحلل السياسي السعودي جمال خاشقجي، ومدير عام قناة “العرب” الإخبارية قال في تغريدة له “يجب أن تبقى سفارتنا ببغداد وتستمر بالتواصل مع القوى الوطنية هناك فهدف الحكومة الحالية وإيران الاستفراد بعراقنا”.

وأضاف خاشقجي أن حكومة العراق ضيعت بوصلتها، وتخرج من ثوبها، امتداد العراق وهويته وتاريخه وقوميته هو الجزيرة وعربها ولكنهم “مرحلة عابرة”.

وبرأي متابعي “نون بوست” فإن قدرة السعودية على كسب نفوذ داخل العراق على حساب إيران ليست بالمهمة السهلة، لاسيما في ظل التغلغل الإيراني طيلة العقود الماضية، ويمكنكم المشاركة في التصويت من هنا.

ويبقى السؤال: هل تنجح إيران في مناهضة النفوذ السعودي داخل العراق على اعتبار أن المطالبة بتغيير السبهان يعد نصرًا سياسيًا يحسب لطهران أم أن للرياض رأي آخر في ظل التغيير الذي انتاب السياسة الخارجية السعودية حيال العراق في الآونة الأخيرة والعزم على مناهضة النفوذ الإيراني وعدم ترك الساحة خالية لهم مرة أخرى؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.