rawabet center facebook rawabetcenter-twitter rawabetcenter-twitter

ديون الدول تهدد بأزمة عالمية

f43d1c19-dcde-4fb0-ac3a-d946901bfcf4

أجمعت تقارير على تحذير دول العالم من أزمة مالية نتيجة تفاقم حجم المديونية العالمية الذي تجاوز 152 تريليون دولار بنهاية عام 2015، ويتوقع أن يصل إلى 170 تريليوناً هذه السنة. وتعتبر نسبة الدَيْن العام إلى الناتج، مؤشراً أساساً لتحديد مدى قدرة الدول على التسديد، فكلما تراجعت هذه النسبة، ارتفعت قدرة الدول على تسديد مستحقاتها السيادية، وتراجعت المخاوف من إمكان أن يشهد تصنيفها خفضاً، وتفقد بذلك ثقة الأسواق والجهات المقرضة.

ولمعرفة مدى خطورة أزمة الديون، يمكن الإشارة إلى أن نسبتها من الناتج الإجمالي للاقتصاد العالمي بلغت 225 في المئة بنهاية عام 2015 وفقاً لتقرير صندوق النقد، وهي نسبة كبيرة جداً وتقترب من نحو أربعة أضعاف نسبة «القاعدة الذهبية» لمعايير الأخطار الدولية وفق «ميثاق ماستريخت»، والمحددة بـ60 في المئة فقط للدَين المقبول نسبة الى الناتج الإجمالي.

وعلى رغم التحذير المتشدد لصندوق النقد من حدوث أزمة مالية بسبب تفاقم حجم المديونية العالمية، فإن مديرته كريستين لاغارد تحض حكومات الدول القادرة على الاقتراض وإنفاق المزيد، أن تفعل ذلك لتعزيز النمو. مع العلم أن تقرير الصندوق يرى «أن مجرد حجم الدَين قد يهيئ الساحة لعملية خفض غير مسبوقة لنسب الرفع المالي في القطاع الخاص، ما قد يحبط التعافي الاقتصادي الهش». لذلك ترى وكالة الطاقة أن تحقيق النمو العالمي المتوقع في التقديرات الأساسية لصندوق النقد والبالغ 3.4 في المئة لعام 2017، والذي يعزز توقعات الطلب، سيواجه صعوبات كبيرة. علماً أن مستويات الدَين المفرطة يمكن أن تؤدي إلى فرض عبء على نمو الاقتصاد حتى في غياب الأزمات المالية، حيث ينتهي الأمر بالمقترضين المثقلين بالديون إلى خفض الاستثمار والاستهلاك.

أما أسباب تفاقم الديون العالمية فهي تعود بمعظمها إلى توافر«المال الرخيص»، في ظل اعتماد معظم الدول المبدأ الاقتصادي القائل «المتاجرة بالديون أفضل من استخدام رأس المال المملوك، نظراً لانخفاض كلفتها».

خلفت الأزمة المالية العالمية عام 2008، تحديات مؤلمة لاقتصادات الدول المتقدمة، ورافقها انخفاض في أسعار الفائدة الى الصفر، وحتى دونه في دول أخرى، ولجأ معظم حكومات الدول إلى برامج التيسير الكمي كإجراء سهل لضخ سيولة جديدة في الأسواق، كذلك ارتفعت الديون السيادية نتيجة ارتفاع العائد على السندات وأذون الخزانة.

هذه الإغراءات فتحت «شهية» مؤسسات القطاع الخاص، حتى بلغت حصتها نحو 70 في المئة من حجم الدَين العام، أي ما يعادل أكثر من 100 تريليون دولار، وفقاً لصندوق النقد. لكن الأرقام تختلف عنها في تقرير لمعهد التمويل الدولي الذي أشار إلى أن الديون العالمية بأنواعها، زادت أكثر من عشرة تريليونات دولار في النصف الأول من السنة لتتجاوز 216 تريليوناً، تعادل 327 في المئة من الناتج الاقتصادي العالمي، أي أكثر من خمسة أضعاف نسبة «القاعدة الذهبية». ولوحظ أن ديون أسواق الدول المتقدمة تقترب سريعاً من 400 في المئة من الناتج، حيث زاد حجم إصدارات الديون في قطاعاتها في النصف الأول 8 تريليونات دولار، إلى 163 تريليوناً مع نهاية حزيران (يونيو).

الولايات المتحدة التي انطلقت منها الأزمة المالية عام 2008، تعد الأكثر مديونية في العالم (كدولة واحدة) مع 19.7 تريليون دولار، تعادل 114 في المئة من الناتج. وينقسم الدَين الأميركي إلى فئتين: حكومي ويبلغ نحو 5.5 تريليون دولار، ومملوك من العامة ويبلغ نحو 14.2 تريليون. وتمتلك 230 وكالة فييرالية نسبة 30 في المئة من الدَين البيني الحكومي، وتدين الحكومة الأموال لـ «نفسها» كنوع من الاستثمار، على غرار أموال صندوق الضمان الاجتماعي الذي يستثمر في سندات الخزانة الأميركية. أما حكومات الدول الأجنبية فهي تمتلك نحو نصف الديون المملوكة من العامة، وبالتحديد 6.17 تريليون دولار. ووفق أحدث إحصاءات لوزارة الخزانة في واشنطن بنهاية حزيران(يونيو)، تعد الصين أكبر حائز أجنبي للمديونية الأميركية بنحو 1.241 تريليون دولار، تليها اليابان بنحو 1.148 تريليون، ثم تأتي دول دائنة للولايات المتحدة بمبالغ ضئيلة، مثل سويسرا والمملكة المتحدة وهونغ كونغ وروسيا وتايوان والهند وبلجيكا، ودول الخليج.

ومن الطبيعي أن تدخل الديون في أقنية العلاقات السياسية بين الدول، بحيث تنخفض وترتفع في ضوء تطور هذه العلاقات وتأرجحها بين الإيجابية والسلبية، وهذا ما يحصل بالنسبة لسندات ديون الخزانة الأميركية. فالصين تمتلك نحو 20 في المئة من مجموع الديون الخارجية للولايات المتحدة، وهي تقوم بين وقت وآخر بعرض سندات منها للبيع في إطار التنافس القائم بين البلدين على قيادة الاقتصاد العالمي، ويتم ذلك من خلال مصارف خاصة أو من طريق مديري الاستثمار في لندن، خصوصاً لدعم احتياطات البنك المركزي الصيني وحماية اليوان.

أما روسيا التي تحتل المرتبة 16 عالمياً في قائمة الدول المستثمرة في سندات الديون الأميركية، فإن حصتها تخضع ليس فقط لحاجتها لدعم احتياطاتها النقدية، بل لتطور علاقاتها مع واشنطن. ففي 2008 رفعت روسيا حيازتها للسندات الأميركية من 32.6 بليون دولار إلى 116.4 بليون، وبنهاية 2013 ارتفعت إلى 138.6 بليون، لكنها تراجعت عام 2014 إلى 52.6 بليون دولار، واستمرت بالتراجع في 2015. ولوحظ أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حذر أكثر من مرة من أخطار تفاقم الدَين الأميركي، وحمل الولايات المتحدة مسؤولية الأخطار التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي.

ارتفع الدَين الأميركي في شكل متسارع حتى قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008. فخلال ولاية الرئيس جورج بوش الابن زاد الدين من 6 تريليونات دولار عام 2000 إلى 9 تريليونات في 2007، وفي عهد باراك أوباما تضاعف إلى أكثر من 20 تريليون دولار، وهكذا سيواجه الرئيس العتيد الذي سيتسلم الحكم في كانون الثاني (يناير) المقبل، أخطار تفاقم هذا الدَين الذي يرجح خبراء أن يستمر في الارتفاع.

عدنان كريمة

نقلا عن الحياة

Print Friendly