قيادة الجيش المغربي تفتح تحقيقا في شبهة فساد لصفقات عمومية

قيادة الجيش المغربي تفتح تحقيقا في شبهة فساد لصفقات عمومية

الرباط – أعلنت القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية أنه تم فتح بحث قضائي بخصوص أعمال فساد مفترضة مست الصفقات العمومية، بين سنتي 2006 و2012، وأنه سيتم الاستماع لمجموع الأشخاص الذين لهم علاقة بهذه القضية بمن فيهم ضابط سابق عمل بمصالح الصحة العسكرية.

وأوضحت القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية في بيان لها أنه سيتم القيام بالتحقيقات لتحديد الوقائع المرتبطة بهذه القضية وذلك طبقا للمقتضيات التنظيمية والقضائية الجاري بها العمل.

وسعت مؤسسة الجيش بهذا البيان إلى النأي بنفسها عن هذه التجاوزات وحماية صورتها محليا ودوليا، وتأكيد التزامها بالخيارات الملكية في الحوكمة الإدارية.

ويؤكد هشام معتضد، الأستاذ والباحث في العلوم السياسية والاستراتيجية، أن فتح الملف كان نتيجة ما جاء في تقارير خارجية من تهم ومعطيات، وبالتالي فإن المسألة مرتبطة أساسا بصورة المؤسسة العسكرية من جهة، وبحساسية الملف على المستوى الدولي من جهة أخرى، إضافة إلى الوقوف على خبايا الخلل الإداري.

وجاء التحقيق الذي فتحته المؤسسة العسكرية بالمغرب تفاعلا مع ما أكدته قبل أيام وزارة العدل الأميركية بأن شركة فيرزينيونس للرعاية الطبية التي تتخذ ألمانيا مقرا رئيسا لها، وافقت على دفع حوالي 231 مليون دولار كتسوية للاتهامات التي وُجهت إليها بتقديم رشاوى لمسؤولي وزارات الصحة والحكومات في دول بينها المغرب.

وكشفت وزارة العدل الأميركية أن الشركة الألمانية دفعت رشاوى لمسؤول حكومي مغربي من أجل الفوز بصفقات لتطوير مراكز غسل الكلى في المستشفيات العسكرية في المملكة، إذ دفعت له مسبقا 10 في المئة من قيمة العقد.

وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن هذا الإجراء الإداري عبر القنوات الرسمية والسماح بتداوله إعلاميا، وذلك نظرا للبعد الذي اتخذه الملف على المستوى الدولي، وخاصة ارتباطه بمؤسسة تعتبر من بين الجهات الرسمية ذات مصداقية دولية من المنظور المتعلق بالالتزام الأخلاقي والانضباط الإداري.

وتشكل طريقة التعاطي مع هذا الملف على المستوى الإعلامي نوعا جديدا من الآليات التي تعتمدها القوات المسلحة الملكية. واعتبر هشام معتضد أن تبني هذا النوع من النهج التواصلي يأتي لمواكبة التطورات التي عرفتها الساحة الوطنية والدولية بخصوص انتشار الكثير من المغالطات المتعلقة بدقة المعلومة.

وتتخصص شركة فيرزينيونس في غسل الكلى وتقنيات العلاج خارج الجسم، ولها فروع في أكثر من 13 بلدا عبر العالم، من بينها المغرب؛ وقد اتهمتها النيابة العامة الأميركية بربح أكثر من 140 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال تقديم رشاوى ما بين 2007 و2016 للحصول على صفقات.

ويقول مراقبون إن فتح القوات المسلحة الملكية هذا التحقيق، تدفع به عن نفسها أي تهم تتعلق بصفقات أدوية أو غيرها على المستوى الدولي، إضافة إلى تحصين العلاقات التي تربط هذه المؤسسة بنظيراتها على المستوى الدولي خصوصا الأميركية منها.

ويأتي هذا التحرك من طرف المؤسسة العسكرية للتحقيق في أعمال فساد تتعلق بصفقات عمومية بعد عام من الإعلان عن تنصيب اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، والتي يروم المغرب من وراء إحداثها إضفاء الشفافية والحكامة الجيدة على المشاريع العمومية، وتحسين مناخ الأعمال.

وستتولى هذه اللجنة، التي تتألف من ثلاثة عشر خبيرا، من بينهم ثلاثة ممثلين مهنيين عن القطاع الخاص، مهمة الإشراف على الصفقات العمومية، والتحكم في الإنفاق العام. كما ستكون، حسب رئيس الحكومة سعدالدين العثماني، أداة لإغلاق منافذ استعمال المال العام بطرق غير مشروعة والرشوة، ومراقبة عمليات تدبير الطلبيات العمومية بشكل دقيق وصارم.

وارتباطا بالتحقيقات وما سيترتب عنها قانونيا وإجرائيا، يعتقد هشام معتضد أن الهدف منها سينكب على معرفة مدى نوعية الشبكة المتعلقة بهذا الملف وكيفية تدبيرها لعملية التهرب من عدم احترام القنوات الإدارية، والقوانين التنظيمية وأخلاقيات العمل المهني.

واعتبر أن الإجراءات لا تقف عند تطبيق السير العادي للقانون، وإنما يراد منها طمأنة الرأي الدولي على الالتزام بالمسؤولية من طرف مؤسسات القوات المسلحة الملكية، وأن الانفتاح الذي أبانت عنه هذه المؤسسة يعتبر خطوة إيجابية في ترسيخ قيم دولة القانون وتجاوز المنهجية التقليدية في التعاطي الإعلامي والتواصل مع الرأي العام الوطني والدولي.

وإعمالا للشفافية ومحاربة الفساد قام الجنرال عبدالفتاح الوراق، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، بعد تعيينه قبل عامين، بفتح تحقيقات حول مجموعة من قضايا الفساد داخل المؤسسة منها حالات تهريب لبعض سلع التموين وبيعها في السوق السوداء.

ولأن موضوع صفقات الأدوية التي تبرمها القوات المسلحة الملكية لا يقل أهمية عن صفقات السلاح والذي يدخل في التنافس القائم بين الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا وروسيا، فالمسألة كما يرى هشام معتضد، متعلقة بحسابات تجارية ذات بعد استراتيجي ويتم استعمال كافة الوسائل المتاحة للضغط على الأطراف المنافسة للنيل منها.

وهذا ما تؤكده دراسات معمقة تقوم بها معاهد مختصة لإنتاج تقارير استخباراتية متعلقة بنقاط ضعف الشركات الكبرى أو المؤسسات الحساسة والاستراتيجية لإضعافها إعلاميا والنيل من مصداقيتها لدى المؤسسات المالية الدولية والحكومات ذات الوزن الدولي، ما يعني أن القوات المسلحة الملكية أثبتت جدارتها على عدة مستويات، وهناك من يودّ التأثير على صورتها أمام نظيراتها في المحافل الدولية خصوصا مع التحديات التي تواجهها دول المنطقة.

العرب

Print Friendly, PDF & Email