مشكلة إمدادات الغاز… معضلة اقتصادية أم صراعات سياسية؟

مشكلة إمدادات الغاز… معضلة اقتصادية أم صراعات سياسية؟

ما الذي يحدث عالمياً على صعيد الطاقة، ولماذا هكذا ومرة واحدة تنطلق أزمة نقص الإمدادات لتضرب أسواق الغاز الطبيعي والكهرباء على مستوى العالم من بريطانيا حتى الصين؟

التساؤل المتقدم يضعنا أمام حالة مخيفة على عتبات شتاء يتوقع العلماء أنه الأكثر قسوة منذ 100 عام. كما أن الأزمة تجيء بالتزامن مع تعافي الطلب العالمي على الطاقة نتيجة انتهاء جائحة فيروس “كوفيد-19” المستجد، وتتبع مراحل التحولات التي تمر بها الاقتصادات الغنية، من الطاقة الأحفورية التقليدية، سواء كانت فحماً أو نفطاً أو غازاً، إلى مصادر الطاقة النظيفة.

وعلى جانب آخر، يتساءل البعض بصوت بدأ خافتاً، ثم قُدّر له أن يعلو، عن المؤامرات السياسية التي قد تعتري أسواق الطاقة، وهل أضحت سلاحاً يسخّر لخدمة الصراعات القطبية الجديدة وتأجيج نيران الحرب الباردة قبل الوصول إلى الساخنة مرة أخرى؟

أوروبا ترتجف وأسعار الغاز ترتفع

على حين غرة، اكتشفت القارة الأوروبية أنها أمام معضلة ربما تكون تاريخية، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي لثلاث مرات متتالية في بضعة أسابيع، في أعلى مستوى تاريخي، بالتزامن مع تراجع مخزونات دول القارة العجوز إلى أقل مستوى منذ عقد من الزمان.

في هذه الأوقات العصيبة على الأوروبيين، دعا العقلاء منهم إلى تحليل سوق الغاز الطبيعي بغية اكتشاف أسباب أزمة الغاز وسرّ ارتفاع أسعاره إلى مستويات قياسية خلال الأيام الماضية، وسط غموض حول خلفية الأزمة.

رويداً رويداً تتبدّى الأسباب، وفي مقدمتها بلا شك دوران عجلة الاقتصاد الأوروبي بعد إرهاصات نهاية الجائحة القاتلة، تلك التي أوقفت المصانع وقطعت وسائل المواصلات خلال فترات حظر الطيران. ولهذا، عندما عادت الحياة إلى ما يشبه نصابها الطبيعي، تبدّى العجز واضحاً في مخزونات الغاز تحديداً، الذي تعتمد عليه دول القارة الأوروبية أكثر من النفط.

في التحليل، يقول بعض المتخصصين إن عوامل التغيرات المناخية كانت أحد أسباب الاضطرابات في أسواق الطاقة الأوروبية، ومنها ما جرى في الولايات المتحدة أخيراً. فأثّر إعصار “أيدا” في إنتاج الغاز في أميركا، الأمر الذي أدى إلى حالة من الفوضى العارمة في صناعة النفط الأميركية، إذ دمر معظم المنصات البحرية في منطقة ساحل خليج المكسيك، ما ترك تأثيرات في السوق الأوروبية، وفي حصصها بالغاز الأميركي، الذي أعلن الرئيس السابق دونالد ترمب بسببه الغضب على الأوروبيين، الذين مضوا في شرائه من روسيا وخلّفوا وراءهم الولايات المتحدة.

عطفاً على ما تقدم، فإن هناك طائفة أخرى من الأسباب، منها انخفاض كميات الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا، وهي قضية قائمة بذاتها، لا سيما أن هناك أصابع اتهام موجهة لموسكو بتعمّد إرباك السوق الأوروبية.

أضف إلى ذلك، انخفاض كميات الغاز المصدرة من النرويج، في أقصى الشمال الأوروبي، ومن نيجيريا في قلب أفريقيا، ومن جزر ترينيداد في أميركا اللاتينية.

هل فات الجانب الأوروبي الاهتمام بتخزين كميات كافية من الغاز لمواكبة برودة الشتاء الحالي؟

المؤكد أن برودة الشتاء الماضي لم تترك المجال لتخزين الكثير من الغاز، الأمر الذي قاد إلى المشهد الحالي، إذ وصف البعض ما يجري في بريطانيا على سبيل المثال بأنه حالة من النواح على الطاقة المفقودة.

على أن كل ما تقدم من أسباب ربما يتضاءل أمام إشكاليتين، تتراوحان ما بين السياسة ومؤامراتها والاقتصاد ومساراته… ماذا عن كلاهما؟

هل الطاقة النظيفة سبب الأزمة؟

من بين أسباب أزمة الطاقة في أوروبا، القول إن الأوروبيين اعتمدوا على فكرة الطاقة النظيفة كمخرج لهم من الحاجة الماسة إلى الغاز الروسي تحديداً، وتحكّم القيصر في مسارات الغاز من بلاده إلى ما هو خارجها.

راهن الأوروبيون على سرعة الرياح كمولد رئيس للطاقة، لكنها جاءت منخفضة فلم تولد ما كان مرجواً منها طوال العامين الماضيين، إضافة إلى أن فصل الصيف الأخير كان قائظاً شديد الحرارة وبشكل غير مسبوق منذ عقود طوال، الأمر الذي زاد من استهلاك الطاقة ومنها الغاز في إدارة المكيفات وأجهزة التبريد لملاقاة الحر اللافح وهجير الأيام المستجدة على المناخ الأوروبي.

هل يمكن للطاقة الخضراء أن تسرّع في انهيار الغرب وأوروبا؟

هكذا، يتساءل المحلل السياسي الروسي الشهير ألكسندر نازاروف، وبالنسبة إليه أن تقدم وانتشار التكنولوجيا في العالم، أدّيا إلى حرمان الصناعة الغربية من القدرة التنافسية، إذ ينتقل التصنيع الآن من الولايات المتحدة وأوروبا تدريجاً إلى آسيا ودول أخرى.

هنا، يتبدّى واضحاً أن الغرب لم يعُد قادراً على تحمل المستوى المعيشي المرتفع ذاته لمواطنيه، وهذا هو السبب الأساس لأزمته، وهو ما يدفعه أيضاً إلى صك شعارات من عيّنة “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى”.

لقد تم تصميم الرسوم “الخضراء” على البضائع من بقية العالم، التي لن تكون لديها رؤوس الأموال الكافية لتنفيذ المعايير الخضراء، لمنح الصناعات الخاسرة في أوروبا والولايات المتحدة قبلة الحياة، وإضافة أموال إلى موازنات هذه الدول، التي تمر بعجز مزمن، بمعنى أن تلك الرسوم الخضراء مجرد ضريبة على المستعمرات، وكأنها استعمار جديد.

الطرح المتقدم يمكن أن يجد اعتراضات من منطلق أيديولوجي، غير أن الأمر يفتح الباب للحديث عن مستقبل الطاقة النظيفة، وهل هي قادرة بالفعل أن تنقذ العالم من نضوب الطاقة الأحفورية أم لا؟ وهذا ما سنعود إليه في قراءة تالية، إذ يهمنا الآن الانتقال إلى الإشكالية الثانية والمرتبطة بالمسارات السياسية وأياديها الخفية في أزمة الطاقة.

هل روسيا السبب؟

في تحليل أزمة الطاقة العالمية في جانبها الأوروبي يتوقف المرء عند حسابات روسيا، كقوة عظمى من جانب، وكدولة من أكبر منتجي ومصدّري الغاز من ناحية ثانية.

ولعل من يراجع التقارير الاقتصادية لوكالة “بلومبيرغ” أخيراً، يدرك أن البراغماتية الروسية قد تكون سبباً مباشراً لما جرى في أوروبا، سواء كان ذلك عن حسن نية أو سوء ترتيب وتدبير بغرض المقارعة السياسية لحلف “ناتو” في شقه الأوروبي.

بين السطور نقرأ كيف أن قرار شركة الغاز الطبيعي الروسية العملاقة “غازبروم” الخاص بإرجاء إعادة ملء مستودعات الغاز التابعة لها في أوروبا، فيما أعادت ملء مستودعاتها في روسيا، تسبب في ما جرى في أوروبا.

والمعروف أن “غازبروم”، وهي أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى أوروبا، تتباطأ في إعادة ملء مستودعاتها، بعد أن كانت سحبت منها لتعويض نقص الإمدادات الآتية من روسيا، نتيجة حريق في إحدى منشآت الغاز التابعة لها الشهر الماضي.

تظهر بيانات مؤسسة “غاز إنفرإستراكتشر يوروب”، المعنية بقطاع الغاز في أوروبا، أن كل مستودعات الغاز في القارة مليئة بنسبة 72 في المئة فقط حالياً، فيما مستودع “كارتينا” التابع لـ”غازبروم” في ألمانيا، الذي كان ممتلئاً بالكامل تقريباً في أوائل العام الحالي، وصل مستواه الآن إلى أقل من 44 في المئة من طاقته الاستيعابية.

أما مستودع “ريدين” الألماني، الذي تستخدمه “غازبروم”، فبلغ العجز فيه 50 في المئة من طاقته الاستيعابية.

هنا، يحاجج الروس بأن الأمر غير مقصود، وما يجري سببه الرئيس هو أن الشتاء الماضي كان قارساً جداً، واستنزف غالبية المخزونات المحلية، غير أن التحليل السياسي الأعمق يفتح الأبواب أمام ما لا يحمل على حسن نية القيصر فلاديمير بوتين. وهو الأمر الذي بان جلياً في تصريحات أميركية لم تقصّر في توجيه ما يُعدّ اتهامات رسمية لموسكو، قامت الأخيرة بنفيها.

السيل الشمالي وسلاح الدب الروسي

هل يمكن القول إن هناك جانباً خفياً غير ظاهر للعيان في الدور الروسي من أزمة الطاقة الأوروبية؟

اقرأ المزيد

ارتفاع أسعار الغاز يهدد أوروبا وبريطانيا بشتاء قارس

“السيل التركي” سيعمق النفوذ الروسي في الفناء الخلفي لأوروبا
بداية، تنبغي إعادة التأكيد أن القارة العجوز لا تزال موضع وموقع الجناح الغربي من حلف “ناتو”، وأن رؤى استراتيجية أميركية لا تزال تجري على أراضيها، ومنها فكرة حوائط الصواريخ والاستعداد لتوسيع “ناتو” شرقاً، كما الحلم بضم أوكرانيا إليها، ما يعني أن أعين الدب الروسي محدقة بأحوال القارة ومحاولة التحكم في مساراتها، وجعل التعاون مع روسيا أولوية سياسية وأفضلية حياتية مقارنة بالتعاطي الأيديولوجي مع العم سام، وخططه ورؤاه لمواجهة القرن الآسيوي الآتي لا محالة.

ولعل ما لم يلحظه الكثير من المراقبين الشهر الماضي، ومنذ إعلان الولايات المتحدة عن حلفها الجديد “أوكوس”، مع أستراليا وبريطانيا، هو أن الصوت الروسي لم يعلُ كما كان متوقعاً، وربما كان في الأمر تقسيم أدوار بين بكين التي ملأت الدنيا ضجيجاً ولا تزال، وموسكو التي تعمل في صمت.

هنا، وباختصار غير مخل، يمكن القول إن الغاز الطبيعي بات سلاح الدب الروسي لابتزاز أوروبا. وأدرك صانع القرار في موسكو أن واشنطن بعيدة من أن تقوم بدور مشابه لما قامت به غداة الحرب العالمية الثانية، من مشروع “مارشال” وما عداه. كما أن أوضاعها الاقتصادية، وهي تقترب من إجمالي ديون يصل إلى 30 تريليون دولار وأزمة طاقة داخلية تسببت بها الأعاصير والعواصف، ومحاولات اللحاق أو بمعنى أدق اللهاث وراء الصين تجارياً، سوف يجعلها غير قادرة على تزويد أوروبا بمزيد من الطاقة والغاز على وجه التحديد.

هل من علاقة ما بين أزمة الطاقة الأوروبية الأخيرة وبين مشروع “نورد ستريم 2″؟

في 6 سبتمبر (أيلول) الماضي، تم الإعلان عن تركيب آخر أنبوب في خط أنابيب الغاز الرابط بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق.

هذا المشروع بدا وكأنه صخرة قد يتحطم عليها مستقبل التعاون الأميركي – الأوروبي، ويعمّق الشرخ الحاصل في جدار “ناتو”.

ينقسم الأوروبيون في رؤيتهم لهذا المشروع إلى جماعتين:

الأولى، وعلى رأسها ألمانيا، ترى أن “نورد ستريم 2” يمكن أن يحقق بعض الهدوء في أسواق الغاز الأوروبية التي تواجه أزمة إمدادات، وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل على رأس أنصار هذا التيار، بالرغم من معارضة واشنطن، التي تخشى من أن يكون المشروع خطوة في طريق أوراسيا الموعودة وتحقيق الحلم الديغولي، من المحيط الأطلسي غرباً إلى جبال الأورال شرقاً. وربما تجد واشنطن نفسها خلال عقد من الزمن وحيدة، فيما ينفرط عقد “ناتو” وينتهي زمن السلام الأميركي.

الثانية، ترى أن قصة الغاز الروسي برمّتها ليست سوى حيلة روسية للتحكم في رقبة القارة الأوروبية، بالتالي إرهاق حلف “ناتو” ثم إضعافه إلى حين إعلان وفاته.

في 9 سبتمبر الماضي، كتبت صحيفة “نويه تسوريشه تسايتونغ”، “منذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، وروسيا تعتبر نفسها قوة رئيسة في مجال الطاقة، بالتالي فإن مشاريع أنابيب الغاز ليست ذات طبيعة اقتصادية بحتة، إنما لها أهداف جيوسياسية أيضاً، إضافة إلى معاقبة أوكرانيا المتمردة، بالتالي زعزعة استقرارها بسبب توجهها الغربي. وعليه، فإن نظرة واحدة إلى خريطة شبكات أنابيب الغاز في أوروبا كافية لمعرفة كيف تحاصر روسيا أوكرانيا وجيرانها في شرق القارة من خلال نورد ستريم”.

ويستنتج الكثيرون من هذه الرؤية أن موسكو تقوم بتعطيش مقصود للأسواق الأوروبية، بهدف الترويج لخط غاز السيل الشمالي وتغيير دفة التوجهات السياسية في عموم أوروبا، التي قد تجد نفسها في حاجة إلى روسيا، العدو التاريخي، أكثر من عوزها إلى الحليف التقليدي واشنطن.

هل وفرت أزمة الطاقة أميركا؟

يمكن القول إن سياقات العولمة جعلت من ترابط المصالح بين دول القارات الست أمراً لا غنى عنه. بالتالي، باتت تبعات واستحقاقات أي أزمة تنسحب تلقائياً على بقية أرجاء وأجزاء المسكونة.

في هذا السياق، كان من المنطقي أن تتضاعف أسعار الغاز الطبيعي بالفعل خلال العام الحالي، وقبل الوصول إلى ذروة الطلب التي تأتي مع فصل الشتاء. ولأن الولايات المتحدة تعتمد على الغاز الطبيعي في إنتاج 40 في المئة من الكهرباء، فإن هذه الأسعار المرتفعة ستؤدي حتماً إلى ارتفاع فواتير الكهرباء والتدفئة للمستهلكين.

هل اضطرابات أسواق الغاز في العالم سوف تترك تأثيراً واضحاً بل وفاضحاً في خطوط وحظوظ الاقتصاد الأميركي؟

الثابت أن التساؤل الذي يجري على الألسنة منذ العام الماضي هو إلى أين يتجه الاقتصاد الأميركي، لا سيما أنه يبدو كالمصاب بالذعر، فالمختبرات الطبية شارفت على استنفاد مخزونها من المعدات الأساسية، والمطاعم تعاني صعوبة في توريد الأطعمة، وشركات إنتاج السيارات والطلاء والإلكترونيات تخفض معدلات إنتاجها لنقص في أشباه الموصلات، فضلاً عن قطاع الحافلات لنقل الموارد والمعدات الضرورية، وهو يعاني من نقص في قطع الغيار، علاوة على تناقص عدد السائقين نتيجة الإصابات بـ”كوفيد-19″ وابتزازهم بأجور متدنية من قبل الشركات الكبرى.

ومع إضافة المخاوف المترتبة على أزمة سقف الدين الأميركي، مع انتهاء مفعول الحل المؤقت في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، سوف تصبح الولايات المتحدة في مأزق يفوق ما يمكن تصوره بسبب نقص في إمدادات الطاقة.

عبر صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، يتوقع الكاتب الأميركي توماس فريدمان، عراب العولمة الأكثر شهرة، صاحب كتاب “السيارة لكساس وشجرة الزيتون”، أن تتسبب أزمة الطاقة العالمية بما هو أكثر هولاً من مجرد اضطرابات في السوق الأميركية. ويرى أنها ستخلف تبعات سياسية مخيفة بالفعل… ماذا عن هذا؟

بالنسبة إلى فريدمان، فإن التغيّر الأول موصول بالتراتبية الدولية، إذ ستجعل الأزمة من بوتين ملكاً متوّجاً على أوروبا، في حال منحه الغاز. وحتى في حال منعه، سينظر إليه على أنه المخلص المنتظر وإلى “غازبروم” و”نورد ستريم” على أنهما خشبة الخلاص الروسية من برد الشتاء القارس، وإنقاذ قارة التنوير الإنساني من الظلام الدامس.

الأمر الآخر الذي يتناوله فريدمان في مقاله هو إشارته إلى انعكاسات أزمة الطاقة على الملفات السياسية الأميركية الرئيسة، وفي مقدمتها الحوار أو الصراع مع إيران حول برنامجها النووي.

يخلص فريدمان إلى أن أزمة الطاقة ستمكّن طهران من تصنيع القنبلة الذرية أو على الأقل الوصول إلى العتبة النووية… لماذا يرى فريدمان هذه الخلاصة الأخيرة؟

يمكن تفكيك المشهد على النحو التالي: البداية من أوروبا، التي تحاول جاهدة إتمام المصالحة مع إيران، بالرغم من اعتراضها الجوهري، مثلاً، على البرنامج الصاروخي، غير أن ذلك كله سوف يصبح في مرتبة تالية، وستكون ملامح الحياة في القارة العجوز هي الأكثر أهمية، بل ليس مستبعداً أن تقوم طهران بالغزل على المتناقضات، من خلال فكرة تزويد القارة الأوروبية بالطاقة المتوافرة لديها، سواء تعلق الأمر بالنفط أو الغاز، بخاصة أنها من كبريات الدول المنتجة للغاز الطبيعي. أي، وباختصار، يد أوروبا ستكون مغلولة ولن تستطيع الوقوف في وجه مسيرة إيران النووية.

على الجانب الأميركي، سوف تدرك طهران مساحة الحركة التي تتمتع بها إدارة جو بايدن وعدم قدرتها على تجاوز خطوط الدبلوماسية إلى العمل العسكري، فلدى الداخل الأميركي ما يكفي من صراعات الهوية وإشكاليات الطاقة والكوارث المالية. وعندها، ستمضي طهران إلى ما هو أبعد من المماطلة والتسويف، أي إلى حيز الفعل وامتلاك السلاح النووي.

الطاقة وعصا في دواليب غلاسكو

وتستفحل أزمة الطاقة أوروبياً وعالمياً، والبشرية على بعد أسبوعين من انطلاق مؤتمر غلاسكو في اسكتلندا، الخاص بالتغيرات المناخية.

فريدمان تساءل: هل يمكن أن يؤدي تعطيل أسواق الطاقة الأوروبية إلى أن يعاني مؤتمر الأمم المتحدة المقبل من انقطاع التيار الكهربائي بسبب النقص الشديد للطاقة؟

قد يبدو تساؤل الكاتب الأميركي الشهير من قبيل التجاوز بهدف تصوير هول المشهد، غير أن الحقيقة المؤكدة هي أن الأزمة وكما يُقال تضع العصا في دواليب المؤتمر وفاعليته… كيف ذلك؟

باختصار مفيد، الجميع في غلاسكو يهدف إلى تحرير الأرض من ثاني أكسيد الكربون، والنجاة بالكوكب الأزرق من براثن الاحتباس الحراري وتبعاته من تصحر وجفاف وذوبان الأقطاب الجليدية، إلى آخر تبعات التغيّر المناخي.

على أن تلك الأهداف ما من طريق لتحقيقها سوى الخلاص من عبودية الطاقة الأحفورية والكربون والنفط والغاز، واللجوء إلى الطاقة النظيفة.

لكن الطاقة النظيفة أثبتت هشاشتها في مقابل أنواع الطاقة التقليدية، ما يعني حاجة البشرية إلى الاستمرار على الوتيرة ذاتها. وهنا، سوف تصبح الكرة الأرضية الضحية من جديد، وكأن البشرية أمام خيارين أحلاهما مرّ وكلاهما أعرج.

هل نسينا أم تناسينا جزئية رئيسة في أزمة الطاقة العالمية؟

حكماً، يبقى الحديث عن الصين وأزمة الطاقة والكهرباء فيها، وارتباط التطورات السلبية هناك على صعيد الطاقة مع حركة الاقتصاد العالمي، والتأثير في أسواق المال والأعمال، ناهيك عن الصراعات القطبية السياسية والعسكرية، الأمر الذي يحتاج أن نفرد له قراءة خاصة تالية.

هل من خلاصة؟

المؤكد أن أزمة الطاقة العالمية تأتي لتزيد العالم المختل اختلالاً، إلى حين إشعار آخر قد يصاحبه الهول الأعظم المتمثل في المواجهة الأممية المرتقبة.

اندبندت عربي