تتجه الانظار الدولية والإقليمية حيث العاصمة الباكستانية ( اسلام آباد) في متابعة حثيثة لدقائق اللحظات الأولى من جولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية بعد موافقة الدولتين على حضور اللقاء المشترك بتدخل رسمي ووساطة ميدانية قام بها رئيس الوزراء الباكستاني ( شهباز شريف)، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب موافقته على تعليق وإيقاف العمليات العسكرية تجاه إيران مقابل الفتح الكامل والمباشر لمضيق هرمز والبدأ بمفاوضات للوصول إلى اتفاق ورؤية مشتركة، والتي حظيت بموافقة مباشرة من المرشد الايراني مجتبى خامنئي.
تم تحديد يوم السبت 11 نيسان 2026 موعدًا لعقد جلسة المفاوضات وبحضور جميع الأطراف ومناقشة الورقتين الأمريكية والإيرانية والتي تتعلق باولويات مشروطة من قبل الوفد الأمريكي الذي سيكون برئاسة نائب الرئيس (جي ديه فانس) وعضوية ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، والتي تتمحور حول تفكيك البرنامج النووي وكل ما يتعلق به من إيقاف لعمليات التخصيب وتسليم كمية المخزون منه بنسبة 60٪ البالغة 440كغم وتحييد الصواريخ الباليستية وإيقاف الدعم التسليحي للفصائل والمليشيات المسلحة والتدخل بالشؤون الداخلية لدول الإقليم، في حين أن الورقة الإيرانية والتي ستناقش من قبل الوفد الإيراني برئاسة ( محمد باقر قاليباف) رئيس البرلمان الإيراني وعضوية وزير الخارجية عباس عراقجي وعدد من القيادات العسكرية والأمنية تتضمن تقديم الضمانات الكفيلة بعدم القيام بأي عمل عسكري قادم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ورفع العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة مقابل العمل على ايقاف الأنشطة النووية واعادة الاعتبار السياسي والإقليمي لإيران مع إيجاد فواصل لمناقشة تحييد الصواريخ البالستية التي ترى فيها طهران أنها تمثل حماية لامنها القومي وعمقها الجغرافي وقد اختبرتها في المواجهة العسكرية الأخيرة، كما أن موضوع تفكيك شبكات الفصائل المسلحة وبنيتها العسكرية يتعارض والعقيدة الإيرانية الاستراتيجية القائمة على النفوذ والتمدد الإقليمي الذي يتمثل في تصدير مبدأ ( ولاية الفقية).
اعتمدت إيران في الأسابيع الأخيرة من المواجهة العسكرية ( مضيق هرمز) عنوانًا لها والذي تعتبره ورقة رابحة لها تقايض بها الولايات المتحدة الأمريكية وتسهم في تحديد مسارات المفاوضات القادمة لتأثيره على أسواق الطاقة والتجارة العالمية والمصالح الدولية بمرور 20٪ من إنتاج النفط خلاله عبر مئات من الناقلات والبواخر مع 13٪ من الحاجات الأساسية التي تحتاجها دول العالم من الأغذية والبضائع والأسمدة، وهو ما أكد عليه المرشد الجديد ( مجتبى خامنئي) في رسالته للشعوب الإيرانية مساء يوم 9 نيسان 2026 بقوله (سنعمل على نقل إدارة مضيق هرمز إلى مرحلة جديدة) وأن إيران أصبحت ( قوة عظمى)، كما أدرك المسؤولين الإيرانيين انهم وعلى اختلاف توجهاتهم وتياراتهم السياسية أن حماية نظامهم لايتم إلا بوجود سلاح نووي يمثل حالة ردع مستمرة، بعد مقتل المرشد علي خامنئي وانتفاء الفتوى التي أعلنها بعدم إنتاج أي سلاح نووي والتي كانت تقف مانعًا حول القرارات الصادرة من مجلس الشورى الإيراني.
تابعت الإدارة الأمريكية المواقف الإيرانية التصريحات الرسمية والتي أدت إلى قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه القيادة العسكرية بابقاء جميع تشكيلاتها وصنوفها في منطقة الخليج العربي والاقليم وأن تكون على أهبة الاستعداد والإعلان عن عدم مغادرتها أماكنها ومواقعها لحين التوصل إلى اتفاق حقيقي مع إيران.
أن القرار بإيقاف القتال، هو هدنة مؤقتة لاتعني عدم العودة لمواجهة أخرى بل هي تعليق للعمليات العسكرية فقط وإمكانية تصعيد جديد لفعاليات ميدانية قائمة، في حالة التعنت الإيراني بعدم فتح مضيق هرمز والسماح بمرور الناقلات والبواخر الناقلة للنفط والغاز والمواد الأساسية الأخرى وعدم التجاوب مع الشروط الأمريكية التي ستطرح من قبل الوفد الأمريكي المفاوض ومعرفة حقيقة المواقف الإيرانية ومدى صدقها واختبار ميداني لنوايا المسؤولين الإيرانيين.
أن الطرفين الأمريكي والإيراني لديهما الرغبة الحقيقية لوقف القتال ولكل منهما أسبابه وغاياته، فالرئيس ترامب يسعى لوقف شامل واتفاق دائم يساعده على مواجهة الرأي العام الأمريكي الذي بدأ يعاني من ارتفاع في أسعار الوقود والتهئ للانتخابات النصفية الأمريكية في تشرين الثاني القادم والتي يسعى فيها الحزب الجمهوري على تأكيد حضوره السياسي ودعمه لقيادة الرئيس ترامب وإيقاف الضغوط التي يتعرض إليها بسبب الكلف العالية التي تعيشها أسواق الطاقة في ارتفاع أسعار النفط والغاز وتأثيراتها على الأسواق العالمية والشركات الكبرى ، وحرص الإدارة الأمريكية على عدم إطالة امد المواجهة العسكرية ونجاح المفاوضات والوصول إلى اتفاق شامل يحدد مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، مع التزام الرئيس ترامب بثوابته في منع إيران من الاستمرار في انشطتها النووية وتخصيب اليورانيوم بنسب عالية وتسليم مخزونها من اليورانيوم.
وجاء الموقف الإيراني في موازاة الرأي الأمريكي عبر الرسالة التي وجهها ( مجتبى خامنئي) للإيرانيين بأن ( المفاوضات لا تعني نهاية الحرب ولن نترك المعتدين) مؤكدًا أن إيران (عازمة على الثأر لمرشدها الراحل ولن نترك المعنيين دون عقاب)، ولمواجهة أي احتمالات قد تفضي إليها نتائج المفاوضات في مراحلها الأولية وجه المرشد مجتبى (تحذيرًا مبطنًا) لدول مجلس التعاون الخليجي العربي موجهًا كلامه لهم بالقول ( أنكم تشهدون معجزة فكونوا في المكان الصحيح واحذروا وعود الأعداء الكاذبة)، وهذا ما يؤكد حقيقة المواقف الإيرانية التي تخاطب الآخرين بنبرة من الاستعلاء والتكبر السياسي دون مراعاة للعلاقات السياسية وحسن الجوار كما تعمق حالة عدم الثقة بين جميع الأطراف.
لازالت إيران نتظر إلى المفاوضات الأمريكية بنظرة من الشك والريبة وتخشى سقوطها في خديعة ثالثة كما حدث في المفاوضات التي سبقت مواجهة حزيران 2025 والحوارات الأخيرة التي انتهت مع بداية المواجهة العسكرية في 28 شباط 2026،ولهذا فهي تحاول تطمين شعوبها وتياراتهم السياسية بأن الذهاب للمفاوضات لا يعني القبول النهائي بأي اتفاق إلا عبر نقاط أساسية تراعي فيها حقوقهم وثبات مواقفهم، وتسعى بذلك إلى عدم اتخاذ الإجراءات الكاملة والمباشرة بفتح مضيق هرمز الذي لا يزال مغلقًا والسفن والبواخر مكدسة إلا من بعض الناقلات التي ترغب الجهات الإيرانية بمرورها في محاولة منها للحصول على أي مكاسب تتعلق بإدارة المضيق وتقاضي رسوم مالية مشتركة قد تكون مع الجانب الأمريكي لفتح المضيق وتسهيل مرور البضائع واعتمادها مبدأ أولى ومرحلي لنجاح المفاوضات القادمة، والتي ليست بالضرورة ستكون نهاية للمواجهة العسكرية وإنما هي بداية لمرحلة انتقالية تؤطر لمسار التسوية السياسية والعسكرية وتحقيق الترابط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
