تسارع في الأحداث ومواقف جديدة ومقترحات اقتصادية وتوجهات سياسية يبعث بها المسؤولين الإيرانيين إلى الإدارة الأمريكية تتعلق بكيفية إيجاد منافذ وأبواب أخرى لعودة المفاوضات بين واشنطن وطهران، حيث سلم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي القيادة الباكستانية ورقة إيرانية تتضمن مقترحًا يقضي بفتح مضيق هرمز للملاحة الدولية والتجارة الدولية ومرور الناقلات والسفن المحملة بالنفط والغاز ووقف القتال مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ والسواحل الإيرانية، على أن يتم التفاوض على البرنامج النووي في مرحلة لاحقة، بعد أن وصل الحوار الدبلوماسي والتفاوض السياسي إلى منعطفات مغلقة مع تزايد حدة المواقف الدولية والإقليمية بضرورة العمل على إنهاء النزاع القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ومنع المزيد من حالة الاضطراب وعدم الاستقرار المالي في سوق الطاقة العالمي وتزايد الكساد الاقتصادي وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية الداخلة في الصناعات الثقيلة.
يتضمن المقترح الإيراني تمديد وقف إطلاق النار ومن ثم الانتقال لمرحلة إنهاء دائم للمواجهة العسكرية، يصاحبها عملية رفع تام للحصار البحري الأمريكي، وأقر المقترح بمشاركة إقليمية إسلامية عربية عبر عدة وسطاء من ( باكستان وتركيا ومصر وقطر)، ولكن المقترح جوبه برفض أمريكي كونه يبتعد كثيرًا عن اسباب الخلاف الذي بسببه ابتدأت المواجهة العسكرية في 28 شباط 2026 والتي كان من أولوياتها الدعوة المشروطة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني وتعليق عملية تخصيب اليورانيوم وتسليم المخزون منه والمقدر ب( 441) للإدارة الأمريكية وإخراجه من الأراضي الإيرانية ومنع أي عملية تخصيب لليورانيوم وبأي نسبة كانت إلا للضرورة المتعلقة بالاستخدامات السلمية، وجاء تعليق الناطقة باسم البيت الأبيض واضحة ودقيقة بالقول ( أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أوراق اللعبة ولن تبرم إلا صفقة تضع الشعب الأمريكي أولًا).
أن التوجه الذي يتبناه الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائم على فرض سياسة الضغط الأقصى التي بدأت تظهر ملامح نتائجها وتأثيرها على الاقتصاد الإيراني بتعرضه لخسارة مالية يوميًا قدرت ب ( 400-500) مليون دولار بسبب الأساليب التي تتبعها القيادة العسكرية الأمريكية في تطويق السواحل والموانئ الإيرانية والممرات المائية ومنع مرور أي نوع من الصادرات والواردات لإيران، وهو الأمر الذي أشار إليه الرئيس ترامب بقوله عبر منصة (تروث سوشيال) أن إيران أبلغت الولايات المتحدة (بأنها في حالة انهيار وتطالب بفتح مضيق هرمز في أسرع وقت ممكن)، ولكن السياسة الأمريكية لا زلت مع وقف إطلاق النار ودعوة صريحة للعمل عبر المسار الدبلوماسي وتفضيله على التوجه العسكري في المرحلة الحالية للوصول إلى قواسم مشتركة من العمل الثنائي مع القيادة الباكستانية ومنع أي خرق للهدنة التي تم اقرارها بجهود ومساعي حثيثة للجنرال ( عاصم منير) رئيس أركان الجيش الباكستاني.
وجاء انعقاد القمة الخليجية الاستثنائية في العاصمة السعوديه ( الرياض) برعاية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي في 28 نيسان 2026 لتحديد الموقف العربي الخليجي الموحد من الاعتداءات الإيرانية التي طالت أراضي ومدن ومنشأت صناعية وتجارية وأهداف مدنية في جميع أرجاء دول مجلس التعاون الخليجي العربي، وتعزيز حالة التضامن بين جميع القيادات السياسية الخليجية ورفع سقف التعاون العسكري الدفاعي وتحديد ملامح الهدف الاستراتيجي في التعامل مع إيران، وضرورة العمل على التواجد العربي الخليجي والدفاع عن مصالحه وثوابته وسيادته عند أي إقرار لمبادرة سياسية أو تفاوض مرحلي بين واشنطن وطهران،بعد أن فرضت الوقائع القائمة وبعد المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في نهاية شباط 2026 مقاربة أوسع شملت أصحاب المصلحة الحقيقية من قيادات مجلس التعاون الخليجي العربي ضمن حوار سياسي وأمني يتجاوز الشروط الأمريكية والأهداف الإيرانية إلى نقاش أكثر حضورًا بالاعداد لاتفاق مبادئ رئيسية حول ميثاق إقليمي يحدد مسارات مهمة بمنع الاعتداء على دول الإقليم والالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية في العلاقات السياسية التي تحدد طبيعة العلاقات بين الدول في احترام سيادتها وكيانها وعدم الاعتداء على أراضيها والعمل على رسم ملامح لمسار ثابت قائم على تفاهم أكثر رسوخًا استدامة في التعامل الدبلوماسي والسياسي.
افرزت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية حالة سياسية اقتصادية مترابطة اقدمت عليها إيران باعتماد مضيق هرمز أداة سياسية بدلًا من أن يكون ممرًا حرًا لمرور الناقلات والسفن التجارية العالمية لتعزيز نفوذها واستخدامه ورقة ضغط اقتصادي لخلق حالة من التوتر المستمر دوليًا واقليميًا دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة تكلفتها الكثير من الخسائر الباهظة في الأرواح والممتلكات، ولكنها تفاجأت بالاجراءات الأمريكية في الموضع العسكري بزيادة نمط العقوبات الاقتصادية عبر الحصار البحري الأمريكي لموانئها وسواحلها، فأصبح النفط الأمريكي يتدفق إلى دول جنوب شرق آسيا وآسيا الصغرى واليابان بدلًا من النفط الإيراني الذي كان يباع باثمان زهيدة مدعومة بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وأصبحت إيران تحاصرها البواخر الأمريكية في الخليج العربي ومضيق هرمز بل امتدت نحو سواحل ومياه المحيط الهادي والهندي، وتمكنت البحرية الأميركية من الاستيلاء على حمولة نفط إيراني تقدر ب( 380) مليون دولار في المحيط الهندي حسب موقع ( تانكر تراكرز) مع عودة شحنات نفط قيمتها مليار دولار إلى إيران بعد اعتراضها من قبل قوات البحرية الأمريكية، وأشار مدير وحدة دراسات جنوب آسيا في مركز الدراسات العربية الأوراسية مصطفى شلش إلى أن ( إيران ربما لا تملك أكثر من أسبوعين قبل تعطل شبكات تكرير النفط وخروج المصافي من الخدمة، واقتصاد الحرس الثوري يخسر 500 مليون دولار من العائدات النفطية يوميًا، والجبهة الداخلية قد تنفجر في أي وقت مع توقف الإمدادات).
أن عدم الموافقة الأمريكية على المقترح الإيراني الذي جاء مخالفًا لكل الاحتمالات والتوقعات الأمريكية، سيؤدي إلى التأثير على عملية تدفق إمدادات الطاقة وزيادة حجم التضخم المالي العالمي مع صعوبة بالغة في عملية استخراج النفط الإيراني والذي قد يسبب في خسائر تقدر بمليارات الدولارات، كما أن التكلفة المادية التي تتكبدها إيران نتيجة الحصار البحري تبلغ ارقامًا كبيرة كون أكثر من 90٪ من تجارتها السنوية البالغة (109،7) مليار دولار تمر عبر مضيق هرمز وهناك صادرات بتروكيمياوية وأخرى نفطية، وهذا ما سيصيب الاقتصاد الإيراني بضرر وعجز كبيرين.
وأمام هذه الوقائع والأحداث والأرقام أعلن 261 نائبًا إيرانياً في مجلس الشورى الإسلامي دعمهم لوفد التفاوض مع الولايات المتحدة الذي يقوده قاليباف في مواجهة نفوذ الحرس الثوري والتيارات المتشددة التي تعارض المفاوضات ، في خطوة لإسناده سياسيًا في ظل الصراع الداخلي في هيكلية النظام الإيراني وصنع القرار السياسي في أروقته، وأمتنع عن التوقيع جبهة الصمود المتشددة والجماعة المقربة من سعيد جليلي القيادي البارز في الحرس الثوري والمرشح السابق في الانتخابات الرئاسية الإيرانية.
وأكد الدعم الذي منحه غالبية أعضاء البرلمان الإيراني أن الرؤية السياسية التي يمتلكونها وما يستشعرونه من نتائج المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وما وصلت إليه الأوضاع العامة للشعوب الإيرانية، أنها تساعد على تحديد مرونة العمل الدبلوماسي والتفاوض السياسي بالتخلي عن السقف العالي والتوجهات العملية الذي تطالب به قيادات الحرس الثوري والعمل باتجاه إيجاد محاور رئيسية لاتفاق شامل ينهي القتال وبضمانات دولية إقليمية بعدم العودة للمسار العسكري وحماية النظام السياسي والحفاظ على التجربة الإيرانية ، وهذا ما يدلل بصورة واضحة عن وجود صراع ونزاع بين جميع التيارات السياسية ودوائر القرار الإيراني.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
