موازنة روسية بين ردع أمريكي واستنزاف إيراني

موازنة روسية بين ردع أمريكي واستنزاف إيراني

أخذت المواقف الدولية والإقليمية في الاتساع والتطور مع استمرار المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية، رغم وجود هدنة مؤقتة ولكنها ليس بالفاعلية التي ترضى جميع أطراف النزاع والصراع الميداني.
اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية مع امتداد الفترة الزمنية للمواجهة العسكرية على اتباع أساليب وخطط كفيلة بالوصول إلى إمكانية جلوس إيران وعودتها للمفاوضات والقبول بالشروط الإيرانية عبر سياسة ( الضغط الأقصى) وتشديد الحصار البحري في مضيق هرمز مع امتداده نحو البحر العربي وحتى سواحل المحيطين الهندي والهادئ، والذي تمكنت فيه القيادة العسكرية الأمريكية من إلحاق خسائر مادية كبيرة بلغت (500) مليون دولار يوميًا مع إيقاف جميع الواردات والصادرات نحو السواحل والموانئ الإيرانية وإيقاف عمليات مرور سفن الشحن والتحميل الخاصة بالبضائع الأساسية والمواد الضرورية المتعلقة بالنفط والغاز الإيراني.
اخذ المسؤولون الإيرانيون عدة مواقف عبرت عنها رسالتين للمرشد (مجتبى خامنئي) كانت أبرزها دعوته للجهاد الاقتصادي وحث الشعوب الإيرانية على المطاولة والصبر الميداني في تحمل الأعباء الاقتصادية والحالة المعيشية التي ترهق كاهل المجتمع الإيراني وتزيد من محنته وازماته الاجتماعية، مع تقدير واضح لنتائج الحصار الأمريكي وما آلت إليه الأوضاع الداخلية في المدن الرئيسية ومجمل الاقضية الإيرانية وسعى أجهزة النظام ومؤسساته على تعزيز سيطرتها على أي حالة من المواجهة أو الاحتجاج الشعبي الذي قد تنطلق شرارته في أي مرحلة من مراحل الحياة اليومية للمواطنين الإيرانيين، مع إدراك وفهم للواقع السياسي بمقدرة إيران على التفاوض الدبلوماسي والحوار السياسي ولكنها ليست لديها القدرة على تحمل الأعباء المالية ونتائج الحصار الاقتصادي واستمراره.
وأمام هذه التطورات الميدانية والاستحضارات العسكرية والأدوات الاقتصادية، يبرز موقف القيادة الروسية ممثلة بالدور السياسي الذي يشرف عليه مباشرة الرئيس ( فلاديمير بوتين) وتوجيهه بقيام وزارة الخارجية الروسية بادانة اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي واعتباره انتهاكًا صارخًا لقواعد وأنظمة القانون الدولي، ولكنها أتت في سياق دبلوماسي غايته اعتماد موقف جوهري يرى فيه الرئيس الروسي أن أي عملية عسكرية تؤدي إلى سقوط النظام السياسي الإيراني إنما هي خطوة تقترب في أهدافها إلى إسقاط بعض الأنظمة الحاكمة والقريب من الحدود الجغرافية الروسية، رغم قناعته أن إيران ليست بالقدرة الكافية التي من الممكن أن تكون عامل حسم في مواجهتها للولايات المتحدة ولكنه يسعى للحفاظ عليها كورقة سياسية مهمة لا يمكن التفريط بها.
تضع القيادة الروسية أمامها عدة معطيات مهمة على صعيد العلاقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أهمها عدم المواجهة المباشرة لأنها ليس في وقت يسمح لها أن تُعادي واشنطن أو أن تقف بالضد من التحركات والتوجهات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط أو في مواجهتها العسكرية القائمة مع إيران لانشغالها واهتمامها بوضعها الداخلي وحربها مع أوكرانيا وحرصها على إبقاء مساحة من العلاقة الوطيدة مع الرئيس ترامب للاستمرار عملية التفاوض والحوار مع الرئيس الأوكراني زيلنسكي، لهذا فهي تعتمد صيغة دقيقة في تحديد مقتضيات ما يمكن تقديمه لإيران بما يجعلها قادرة على الاستمرار في الوقوف وعدم السقوط النهائي ولكنها توازن في عدم منحها ما يعينها ويجعلها قادرة على الانتصار لتبقي حالة التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية قائمة، فروسيا ليست مع وقف سريع للمواجهة الأمريكية الإيرانية لأنها تساهم في رفع أسعار الطاقة وتسهل عملية تصدير النفط الروسي وتبعد الدول الأوربية عن الاهتمام بالوضع العام في أوكرانيا، وهي أهداف رئيسية تسعى إليها القيادة الروسية وتتمنى استمرارها.
اعتمدت القيادة الروسية سياسة الاتصال الدائم مع طهران واشعار واشنطن بأنها على استعداد للدخول في محاولات تفضي إلى فك الاشتباك الحاصل بين الدولتين، وهي سياسة متوازنة للحفاظ على نوع من العلاقة الوثيقة التي تحرص عليها موسكو مع مسؤولي البلدين، فكانت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى روسيا ولقائه الرئيس ( فلاديمير بوتين) في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية في 27 نيسان 2026، أكد فيها الرئيس الروسي على الاهتمام بتعزيز التنسيق الاستراتيجي والإشادة ( بشجاعة الشعب الإيراني) في الحفاظ على استقلاله وسعي بلاده لتحقيق السلام في المنطقة، مع الحرص على
الالتزام بمعاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما، وناقشت الزيارة إمكانية دخول روسيا كطرف وسيط أو داعم للمفاوضات المحتملة بين طهران وواشنطن، خاصة بعد جولة عراقجي الإقليمية التي شملت سلطنة عُمان وباكستان.
أعطت روسيا رسالة مهمة وصريحة للرئيس ترامب بقدرتها على القيام بعمل سياسي ودبلوماسي يعيد حركة التفاوض والحوار مع إيران وفق آلية عملية داعمة للجهود الباكستانية والمساعدة في حث الإيرانيين على ضرورة العودة للحوار وإيجاد قواسم مشتركة لإنهاء القتال ووضع جدول رئيسي وفقرات بمضامين مهمة تفضي لاتفاق شامل ونهائي حول جميع القضايا المتنازع عليها بين واشنطن وطهران.
ترى إيران في زيارة وزير خارجيتها أنها تمثل حالة من الاطمئنان السياسي والقدرة الفاعلة على مناقشة أي مفاوضات قادمة مع الولايات المتحدة عبر دور روسي، وهو الدافع الرئيسي لزيارة عباس عراقجي لروسيا ولقائه الرئيس بوتين، وهو ما ايقنته القيادة الروسية وادركته بفعل خبرتها السياسية وحضورها الميداني في جميع النزاعات والحروب الدولية والإقليمية، ولهذا فهي رحبت بشكل كبير بالقيام بدور وسيط بين واشنطن وطهران رغم امتناع ورفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاقتراح الرئيس بوتين بنقل كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ والمبالغ (441) كغم للأراضي الروسية، ولكن القيادة الروسية عرضت مرة أخرى وساطتها لاستقبال كمية اليورانيوم وتخزينه لديها كما فعلت عند التوقيع على اتفاقية البرنامج النووي الإيراني في تموز 2015،مع إعطاء ضمان بالحجر على اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60٪ وعدم السماح بزيادة تخصيبه.
وكان من أهم ما طرحه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمام الرئيس بوتين، رسالة موجهة من المرشد ( مجتبى خامنئي) تطلب دعم القيادة الروسية لإيران في ظل المتغيرات التوترات القائمة وتعثر المفاوضات مع إدارة الرئيس ترامب، وفق تسوية قائمة على تأجيل بحث الملف النووي موقتًا والعمل على إنهاء المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ورفع الحصار البحري عن إيران مقابل قيام طهران بفتح مضيق هرمز بشروط ميسرة،
وكانت هي الشروط التي اضيفت إليها بعض التعديلات وقدمت للقيادة الباكستانية في 30 نيسان 2026 وتم رفضها من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب لأنها لا تتوافق والشروط التي قدمها الوفد المفاوض في أول لقاء وحوار جرى في العاصمة الباكستانية ( اسلام آباد) في 8 نيسان 2026.
أن روسيا لايمكنها القيام بدور مباشر في إقناع الرئيس ترامب بما ارادته إيران ولا يمكن حل جميع القضايا المتعلقة بالخلاف السياسي الأمريكي الإيراني عبر اتصالات هاتفية أو اتصالات جانبية بين الادارتين الأمريكية والروسية، رغم اعتبار روسيا للرساله الإيرانية على أنها محاولة قد تفضي لاستعادة الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر وساطة سياسية روسية بإشراف الرئيس بوتين، والاعتماد على تصريح رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية ( رافائيل غروسي) بأن هناك حل سلمي دبلوماسي حول التصرف مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60٪ عبر مشاورات مع قوى دولية من بينها روسيا لبحث إمكانية نقله خارج إيران كجزء من تسوية محتملة، ويمكن تحديد الموقف الروسي الدبلوماسي عبر ما قاله وزير الخارجية سيرغي لافروف (أن موقف روسيا بسيط جدا، ويتمثل في أنه يجب وقف جميع العمليات القتالية والبدء بالعمل لإيجاد اتفاقات مقبولة للطرفين)، وهذا ما يعني أن عدم التدخل العسكري غير المباشر لروسيا لا تعني التخلي عن إيران، بقدر ما تعكس السعي للحفاظ على قدر ممكن من العمل السياسي والحوار الدبلوماسي يسمح بإعادة آليات التفاوض وحصر المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران ومنع عملية التصعيد الإقليمي الذي يتجه نحو الردع والعمل على إدامة صيغة التوازنات السياسية التي تحقق المصالح والمنافع الدولية.