أخطر علاقة اقتصادية في العالم: لماذا تحتاج أمريكا إلى الصين رغم العداء؟

أخطر علاقة اقتصادية في العالم: لماذا تحتاج أمريكا إلى الصين رغم العداء؟

الباحثة شذا خليل*

العلاقة بين الولايات المتحدة والصين ليست مجرد خلاف سياسي أو حرب تجارية عابرة، بل هي معركة اقتصادية على قيادة العالم. ورغم التصعيد المستمر بين الطرفين، فإن الحقيقة الأعمق تكشف أن واشنطن وبكين لا تستطيعان الانفصال الكامل عن بعضهما، لأن أي صدام اقتصادي مباشر بين أكبر اقتصادين في العالم قد يهز الأسواق العالمية ويقود إلى أزمة اقتصادية دولية واسعة.

دونالد ترامب بنى جزءاً كبيراً من شعبيته السياسية على فكرة “مواجهة الصين”، لأنه يرى أن بكين استفادت لعقود من الاقتصاد الأمريكي عبر التجارة غير المتوازنة ونقل المصانع والوظائف من الولايات المتحدة إلى آسيا. لذلك فرض رسوماً جمركية ضخمة على البضائع الصينية، وحاول تقليل اعتماد الشركات الأمريكية على الصناعة الصينية وسلاسل التوريد القادمة من بكين. لكن رغم هذه اللهجة الصدامية، يدرك ترامب أن الاقتصاد الأمريكي نفسه ما زال مرتبطاً بالصين بشكل عميق، وأن أي مواجهة اقتصادية شاملة قد ترتد مباشرة على الداخل الأمريكي وترفع الأسعار وتضرب الأسواق وتؤثر على فرص العمل.

السبب الحقيقي وراء أهمية الصين بالنسبة لأمريكا يعود إلى أن الصين تحولت خلال العقود الماضية إلى “مصنع العالم”. آلاف الشركات الأمريكية تعتمد على المصانع الصينية بسبب انخفاض تكاليف الإنتاج والقدرة الصناعية الهائلة وسرعة التصنيع. وفي الوقت نفسه، تمثل الصين سوقاً ضخماً للشركات الأمريكية في مجالات التكنولوجيا والطيران والزراعة والطاقة. لهذا كان ترامب يركز دائماً على صفقات شراء الصين للمنتجات الزراعية الأمريكية، وعلى صادرات النفط والطائرات الأمريكية، لأن هذه الملفات ترتبط مباشرة بالاقتصاد الأمريكي وبمصالح ملايين العمال والمزارعين والشركات داخل الولايات المتحدة.

لكن الصين أيضاً تحتاج أمريكا بشدة، حتى لو حاولت الظهور كقوة مستقلة. الاقتصاد الصيني يعتمد بصورة كبيرة على التصدير والنمو الصناعي، والسوق الأمريكية ما تزال واحدة من أهم الأسواق للبضائع الصينية. بكين تدرك أن أي مواجهة اقتصادية مفتوحة مع واشنطن قد تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، واضطراب الأسواق، وضعف النمو الاقتصادي، وضغط على العملة الصينية، وارتفاع معدلات البطالة. ولهذا تحاول الصين دائماً أن تقدم نفسها كقوة عالمية مستقرة وعقلانية في مقابل ما تصفه أحياناً بعدم الاستقرار السياسي الأمريكي.

الصراع الحقيقي اليوم لم يعد مجرد نزاع تجاري، بل تحول إلى سباق على قيادة المستقبل العالمي. الولايات المتحدة تخشى أن تصبح الصين القوة التكنولوجية الأولى في العالم، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتكنولوجيا المتقدمة، والنفوذ العسكري والاقتصادي. ولهذا تفرض واشنطن قيوداً صارمة على تصدير الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا الحساسة إلى الصين، لأنها ترى أن تفوق بكين التكنولوجي قد يهدد الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي. أما الصين، فترى أن هذه القيود محاولة لإبطاء صعودها ومنعها من الوصول إلى موقع القوة العالمية الأولى.

سياسياً، يحاول ترامب أن يظهر كرئيس قوي لا يسمح للصين “باستغلال أمريكا”، لكنه في الوقت نفسه يحرص على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة لتجنب انهيار الأسواق العالمية. أما الرئيس الصيني Xi Jinping فيحاول تقديم نفسه كقائد هادئ واستراتيجي قادر على إدارة العلاقة مع واشنطن دون إضعاف مكانة الصين الدولية. ولهذا فإن اللقاءات بين الطرفين لا تتعلق فقط بالتجارة، بل تمتد إلى ملفات شديدة الحساسية مثل إيران، وأسواق النفط، ومضيق هرمز، وتايوان، والذكاء الاصطناعي، والأمن العالمي.

الخلاصة الأهم أن العالم الحديث أصبح مترابطاً اقتصادياً بشكل يجعل حتى الخصوم بحاجة إلى بعضهم البعض. لهذا قد تستمر المنافسة والتوترات السياسية بين واشنطن وبكين لسنوات طويلة، لكن الانفصال الاقتصادي الكامل بين أكبر اقتصادين في العالم يبقى احتمالاً ضعيفاً جداً في المستقبل القريب، لأن كلفة هذا الانفصال ستكون هائلة على الاقتصاد العالمي بأكمله

وجدة الدراسات الاقتصادية / مكتب شمال امريكا
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاقتصادية