عامر العمران
توصف الطبقة الوسطى بأنها العمود الفقري لأي اقتصاد مستقر. فهي الفئة التي تشتري المنازل، وتؤسس المشاريع الصغيرة، وتستثمر في التعليم، وتدفع عجلة الاستهلاك المحلي. لكن في العراق يبدو أن السؤال لم يعد متعلقًا بمصير الطبقة الوسطى نفسها، بل بمن يستفيد من تراجعها.
على الرغم من أن العراق يمتلك اقتصادًا يتجاوز حجمه 280 مليار دولار، ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي نحو 6 آلاف دولار سنويًا، فإن مؤشرات سوق العمل والدخل تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا. فمعدل البطالة بلغ نحو 15.5% خلال النصف الأول من عام 2026، بينما تجاوزت بطالة الشباب 32%، وهي من أعلى المعدلات في المنطقة.
في الماضي، كانت الطبقة الوسطى العراقية تتشكل من موظفي الدولة والمهنيين وأصحاب المتاجر والمشاريع الصغيرة. وكانت هذه الفئة قادرة على الادخار وامتلاك العقارات وتمويل تعليم أبنائها. أما اليوم، فإن ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القوة الشرائية دفعا جزءًا كبيرًا منها نحو الهشاشة الاقتصادية.
لكن المفارقة أن اختفاء الطبقة الوسطى لم يضر الجميع بالدرجة نفسها. فأول المستفيدين هم كبار المستوردين. فكلما تراجعت الصناعة المحلية والإنتاج الوطني، ازدادت هيمنة السلع المستوردة على الأسواق. ويعتمد الاقتصاد العراقي بصورة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجات المستهلكين، في وقت ما تزال فيه الإيرادات النفطية تشكل النسبة الأكبر من إيرادات الدولة والصادرات السلعية.
المستفيد الثاني هو الاقتصاد الريعي المرتبط بالإنفاق الحكومي. فعندما تتراجع فرص القطاع الخاص، يصبح التنافس على الوظيفة الحكومية أكثر حدة. وهكذا يتحول الراتب الحكومي من وسيلة إنتاج إلى أداة بقاء اقتصادي، ما يعزز الاعتماد على الدولة بدلاً من السوق ويضعف المبادرات الاستثمارية الفردية.
أما المستفيد الثالث فهو الأسواق التي تستهدف طرفي الهرم الاجتماعي. فمن جهة تنمو تجارة السلع منخفضة السعر الموجهة للأسر ذات الدخل المحدود، ومن جهة أخرى تتوسع أسواق السلع الفاخرة والعقارات الراقية الموجهة للشريحة الأكثر ثراءً. وفي المقابل تتقلص المساحة الاقتصادية التي كانت تشغلها المنتجات والخدمات المخصصة للطبقة الوسطى.
ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في المشهد الحضري العراقي. فبينما تعاني آلاف المشاريع الصغيرة من صعوبات التمويل وارتفاع التكاليف وضعف القدرة الشرائية، تستمر المراكز التجارية الكبرى والمجمعات السكنية الفاخرة في التوسع داخل بغداد ومدن أخرى. إنها صورة لاقتصاد يزداد استقطابًا؛ أقلية تمتلك قدرة إنفاق مرتفعة، وأكثرية تبحث عن الخيارات الأرخص.
لكن الخسارة الحقيقية لا تظهر في الأسواق فقط، بل في مستقبل النمو نفسه. فالطبقة الوسطى ليست مجرد شريحة استهلاكية، بل تمثل قاعدة الإنتاج المحلي وريادة الأعمال والاستثمار طويل الأمد. وعندما تتآكل هذه الفئة، يفقد الاقتصاد أحد أهم مصادر الابتكار والاستقرار الاجتماعي.
كما أن تراجع الطبقة الوسطى يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويضعف فرص الحراك الاجتماعي. فالأسر التي كانت قادرة على تحسين أوضاعها عبر التعليم والعمل تصبح أكثر عرضة للضغوط الاقتصادية، ما يحد من قدرتها على الاستثمار في مستقبل أبنائها ويقلل من فرص الصعود الاقتصادي للأجيال الجديدة.
في خضم هذه التحولات، لن يبقى السؤال الأهم في العراق: هل تختفي الطبقة الوسطى؟ بل: ماذا سيحدث عندما يصبح المجتمع منقسمًا بين أقلية تزداد ثراءً وأغلبية تكافح للحفاظ على مستوى معيشي مقبول؟
التاريخ الاقتصادي يقدم إجابة واضحة. فالدول التي تمتلك طبقة وسطى قوية تنتج اقتصادًا أكثر تنوعًا واستقرارًا. أما الدول التي تتقلص فيها هذه الطبقة، فتتحول تدريجيًا إلى اقتصادات تعتمد على الريع والثروة المركزة في أيدي قلة، وهي معادلة قد تحقق أرباحًا لفئات محددة على المدى القصير، لكنها تضعف أسس التنمية على المدى الطويل.
وبذلك، فإن أكبر الرابحين من اختفاء الطبقة الوسطى في العراق قد يكونون كبار المستفيدين من الاقتصاد الريعي والاستيراد. أما أكبر الخاسرين فليسوا أفراد الطبقة الوسطى وحدهم، بل الاقتصاد العراقي بأكمله، الذي يفقد تدريجيًا أحد أهم محركات النمو والاستقرار والتنمية المستدامة.
