القت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية المشتركة التي وقعت من قبل الرئيس ترامب والرئيس بزشكيان بظلالها على العديد من الأوضاع الداخلية والصراعات السياسية في عاصمتي البلدين ( واشنطن وطهران) وكشفت حقيقة المواقف المتباينة والآراء المتداولة حول النقاط الرئيسية التي احتوتها المذكرة، وبينت حجم الخلاف في الأسس التي تم الاعتراض عليها أو الحديث عنها عبر الاجتماعات الرسمية واللقاءات الاعلامية.
اختار المسؤولون الإيرانييون وبتفويض من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي رئيس مجلس الشورى ( محمد باقر قاليباف) لرئاسة الوفد الإيراني المفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية في أولى محطات الحوار التي تلت الهدنة المؤقته في 8 نيسان 2026، وحظي حضور قاليباف بدعم وتأييد من قبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي لما يتمتع به من أراء وتوجهات يرى التيار المعتدل أنها تمثل المصالح العليا لإيران في الوصول لاهدافها برفع الحصار الاقتصادي وإطلاق الأموال المجمدة والسعي لحل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الإيراني واعتماد مبدأ التهدئة والاستماع إلى نصائح الحلفاء الاستراتيجين وخاصة القيادة الصينية مع الأخذ بالاعتبار ما يطرحه رئيس الوزراء الباكستاني ( شهباز شريف) كونه الوسيط السياسي المعنوي في إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
أن الفريق الإيراني المفاوض يرى في المفاوضات السياسية مع ادارة الرئيس ترامب مدخلًا لتحقيق مكاسب وأهداف سياسية واقتصادية لإيران هي في حاجة إليها لاستعادة دورها المهم في سوق الطاقة الدولية والتجارة العالمية وتحديد أولوياتها القادمة في التعامل مع مضيق هرمز والممرات المائية عبر الخليج العربي، بما يحقق لها مكانة دائمة لها تأثيرها في الأمن الإقليمي وأي تطورات سياسية قادمة في المنطقة.
يرى المؤيدون لفريق التفاوض أن وجود (قاليباف) يمثل المسار الشرعي السياسي للحكومة الإيرانية وأن أي نتائج يتم الوصول إليها إنما تمثل أوجه التفاهم الذي يعني قرار الدولة الإيرانية ومؤسساتها العليا ومنها المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني الذي يمثل السلطة الأمنية السياسية ويحظى بدعم مباشر في قراراته من قبل المرشد مجتبى خامنئي.
وهناك المعارضون لما يتحدث به الوفد التفاوضي الإيراني أو مايصدر عنه ويرون ضرورة مراجعة أي قرار أو رؤية يتفق عليها أثناء المفاوضات مع واشنطن ومناقشته من قبل الدوائر السياسية والعسكرية كقرار حكومي قابل للمراجعة والتعديل، وتبرز أهمية المعارضة الإيرانية للوفد الإيراني أنها تمثل تيار سياسي محافظ قريب من سعيد جليلي ( المرشح السابق للرئاسة الإيرانية) والشخصية القريبة من المرشد السابق علي خامنئي ويحظى بقبول سياسي وبرلماني.
الرؤية التي تتحدد أدوات الاختلاف بين الفريقين، تأخذ صورتها الواقعية من النظرة الاقتصادية التي يتبناها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي يرى نجاح وبقاء حكومته مرتبط بقدرتها على تنفيذ ما ستسفر عنه نتائج المفاوضات من تفاهمات في ملفات النشاطات النووية وبرنامج الصواريخ الباليستية والأصول المجمدة لتحسين الأوضاع المعيشية على ضوء استمرار انعقادها دون أي تباطئ أو خلاف بين واشنطن وطهران،فيما يعتقد الرافضين للحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية أن أي حالة تعثر في تنفيذ مذكرة التفاهم سيمنحهم الفرصة لإثبات توقعاتهم وصحة آرائهم، وهنا تبرز حالة الصراع في أروقة النظام السياسي الإيراني التي تؤسس لابعاد سياسية واقتصادية تتجاوز مسألة الخلاف على التفاوض مع واشنطن.
يعتمد رئيس مجلس الشورى الإيراني ( محمد باقر قاليباف) على التمسك بمتطلبات ثابتة مدعومة مع مجتبى خامنئي باحتواء الخلافات الداخلية وتعزيز التماسك والتوافق المؤسساتي حول التفاهم المشترك بين جميع التيارات والاحزاب مع بقاء حالة الحوار والنقاش قائمة ضمن حدود معينة لا تؤثر سلبيًا على إدارة التفاوض واستمرار الحوار الدبلوماسي مع الإدارة الأميركية، مع ملاحظة أن التصاعد في الخلاف والرؤى الميدانية تتعاظم كلما اقترب موعد جلسات التفاوض وتم تحديد مسارًا لمناقشة أهم الملفات المتعلقة بالعقوبات الاقتصادية وإطلاق الأموال المجمدة والدور السياسي الإقليمي الإيراني، وهو الأمر الذي يجعل الفريق المعارض يكون أكثر تشدداً في أرائه في محاولة منه لاحتواء التأثيرات والانتقادات الداخلية.
أن ألمشكلة الأكبرخطورة التي يواجهها الفريق التفاوضي هي في تعثر المفاوضات أو التأخر في نتائجها السياسية والاقتصادية، وهو ما يدفع المعارضون من التيارات السياسية لتوسيع حملاتها الاعلامية وتصريحاتها الكلامية ضد الرئيس بزشكيان وحكومته الداعمة لقيادة (قاليباف) ومن يسانده ويعمل معه، خاصة وزير الخارجية عباس عراقجي وهو ما يعني ارتفاع حالة الصراع والخلاف داخل المؤسسات الحكومية بما يؤثر على طبيعة الأوضاع القادمة وما يمكن أن يكون عليه المشهد السياسي الإيراني.
تشهد الأوضاع الداخلية الأمريكية حالة من التنافر بين الحزبين ( الجمهوري والديمقراطي)، بعدما صوت مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية (50) صوتًا مقابل (48) لصالح قرار يدعو إلى إنهاء العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران وسحب القوات الأمريكية من أي أعمال قتالية مرتبطة بالمواجهة العسكرية التي انطلقت في 28 شباط 2026، وبحسب ما أوردته وكالات رويترز وبلومبرغ وفرانس برس، جاء التصويت بدعم جميع الديمقراطيين تقريبًا وانضمام أربعة أعضاء جمهوريين إلى القرار، في وقت يستمر الوفد المفاوض الأمريكي بالحوار مع إيران حول رسم ملامح الترتيبات الميدانية مابعد وقف إطلاق النار وما يتعلق التفاهمات والاتفاقيات حول الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
يمكن النظر لحالة التصويت إلى أنها ذات بعدين أساسيين، أولهما يتعلق بالجانب القانوني المباشر وأثره، وثانيهما الأبعاد السياسية التي تعبر عن الأوضاع الداخلية ومنطلقاتها الخارجية،
فالقرار يمثل أول حالة معارضة واضحة بعد اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران وتحديدًا داخل أروقة الحزب الجمهوري الأمريكي، والتي بدأت ترى أن استمرار العمليات العسكرية ضد إيران لم يعد يحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية تتناسب مع كلفته، وهو ما اغضب الرئيس ترامب الذي سارع بعقد اجتماع مع اعصاء حزبه خاصة المعارضين منهم وتمكن من تغيير قناعاتهم بما انعكس واقعيًا بعد ذلك على نسبة التصويت في مجلس الشيوخ الأمريكي.
رغم أن التصويت جاء لحالة واقعية بعد أسابيع من تصاعد حدة الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الانتقادات الشعبية للمواجهة العسكرية مع إيران.
الفريق الأمريكي القريب من توجهات الرئيس ترامب والداعم لافعاله يرى أن الأمن البحري الإقليمي وحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز والخليج العربي وبقية الممرات البحرية مصالح ذات أبعاد استراتيجية تهم الولايات المتحدة الأمريكية وتسعى لمنع إيران من فرض أي واقع تراه مناسبًا لها ودافعًا لاستمرار تفاوضها ضمن إطار الأداة السياسية التي تحاكي بها المصالح الدولية والإقليمية ببقاء هيمنتها على مضيق هرمز والتحكم به، لهذا تعمل المؤسسات العسكرية والأمنية على إعادة ضبط حدود استخدام القوة العسكرية وليس تغييراً في مسار السياسية الأمريكية تجاه إيران، الثوابت الأساسية لإدارة الرئيس ترامب مع استمرار الهدنة القتالية وتوسيع المفاوضات مع طهران وبقاء الوجود العسكري الامريكي في المنطقة واستمرار إجراءات الردع البحري والجوي.
المشككون والمخالفون لقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرون أن لا جدوى من استمرار المواجهة العسكرية مع إيران وأن من الصواب الاتجاه نحو مسار الحوار السياسي بعد أن تم الوصول إلى تفاهمات مشتركة افضت إلى توقيع مذكرة التفاهم، وإذا ما استمرت حالة التداعيات في القرار الأمريكي الموحد، فمن الممكن انتقال الخلاف إلى المحاكم أو أن يتحول إلى مواجهة سياسية داخل المؤسسات الأمريكي حول صلاحيات الرئيس لإعلان الحرب ومسبباتها.
قدرة الرئيس ترامب على مواجهة جميع هذه الاحتمالات والخلافات، تتأتى من رغبته في تثبيت حالة التهدئة ومنع التصعيد وتحويل مسار المواجهة العسكرية إلى مسار تفاوضي سياسي وحوار دبلوماسي، وأن أي عملية للمطاولة في التفاوض مع إيران أصبحت لها علاقة بمواقف الرأي العام والكونغرس وليس بحسابات القوة العسكرية فقط.
وعلى الصعيد الإيراني تكشف تحذيرات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن التحدي الأكبر لم يعد في كيفية التوصل لتفاهمات مشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بل في إدارة التوازنات الداخلية الإيرانية ومنع أي تعاظم للخلافات بين التيارات والمجاميع السياسية حول مذكرة التفاهم واستمرار التفاوض مع واشنطن ومنع تحولها لأزمة سياسية متواصلة خلال مرحلة التفاوض مع الإدارة الأميركية، والسعي للتمسك بثوابت العقيدة السياسية الإيرانية في الحفاظ على وحدة الدولة ودوام تأثيرها الإقليمي وبقائها كمشروع سياسي في كافة مراحل التفاوض، كما أن إيران تدرك وتتابع حالة الانقسام الداخلي لدى الإدارة الأمريكية وهو ما يدفعها للتشدد والتصعيد بخطابها ومطالباتها بأهدافها في جولات التفاوض المشتركة.
دول مجلس التعاون الخليجي العربي تعمل بدقة واصرار على تثبيت الموقف الأمريكي نحو إدارة الصراع عبر التفاوض والحفاظ على أدوات الردع والمواجهة في المنطقة وهو ما يعني الانتباه واليقظة لأي تفاهمات قادمة قد تمس الأمن العربي الإقليمي في منطقة الخليج العربي ومسار الملاحة الدولية وحماية الممرات البحرية.
وحدة الدراسات الإيرانية
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجة
