اياد العناز
أن قراءة متأنية للأوضاع الاقتصادية التي تمر بها إيران يظهر لنا أن مؤسسات النظام ذاهبة لمعادلة ترسم ملامح القرار الإيراني في المراهنة على الصمود السياسي، في حين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ذاهبة إلى سياسة (الخنق الاقتصادي)، في موقفين متوازيين تحاول طهران فيه رفع التكلفة الزمنية وجعله عاملًا مهمًا في دائرة المساحة السياسية التي تقترب فيها الانتخابات النصفية الأمريكية من أيامها والضغط باتجاه التأثير على موقف الحزب الجمهوري الأمريكي من حصوله على مقاعد له في مجلسي النواب والشيوخ بما قد يؤثر على السياسية الأمريكية التي ينتهجها الرئيس ترامب والتي من الممكن أن تضعف الجهد النيابي لأعضاء الحزب في الفوز بالدوائر الانتخابية للولايات الأمريكية، وهو أمر تسعى إليه إيران في محاولة منها لتحقيق غاياتها وأهدافها في مواجهة العقوبات الاقتصادية والحصار البحري بابقاء مضيق هرمز مغلقًا أمام الإمدادات الخاصة بالطاقة الدولية والتجارة العالمية واستمرار التأثير على أسواق النفط وارتفاع أسعار المواد الأساسية وأصول التأمين والشحن البحري، وهناك الإصرار الأمريكي الذي يعمل على اعتماد سياسة العقوبات أداة متواصلة في جعلها مكلفة لإيران وسغيعا للحصول على تنازلات سياسية من أجل الوصول لاتفاق سياسي يفضي لفتح مضيق هرمز والنظر في العقوبات وإطلاق الأموال ومن بعدها الوصول إلى مبادئ أساسية بخصوص النشاطات النووية وتفعيل الرقابة الميدانية للوكالة الدولية للطاقة الذرية وعودة مفتشيها بعملهم ومتابعتهم للمنشآت والاماكن ذات الطابع النووي.
تأتي مرحلة العودة إلى سلاح العقوبات، بديلاً عن المسار العسكري الذي أصبح أكثر حضورًا مع انتهاء هدنة ضعيفة لم تكن لها فاعلية في إيجاد مخارج حقيقية لإنهاء أو النظر في المواجهة الأمريكية الإيرانية دامت شهرين منذ توقيع مذكرة إسلام آباد بين واشنطن وطهران، وتعثر الحوارات السياسية والمفاوضات الدبلوماسية التي ابتدأتها باكستان وشاركت فيها دولة قطر ولقيت دعمًا ومساندة فعلية من قبل الصين الحليف الاستراتيجي لإيران.
بتاريخ 25 أيلول 2026 قدمت إيران مقترحًا للولايات المتحدة الأمريكية على هامش اجتماعات منظمة الأمم المتحدة عُرف بمقترح (الأيام السبعة) والذي قُدم من قبل الوسيط الخليجي العربي القطري لإنهاء حالة التصعيد والتوتر والسعي لفتح مضيق هرمز.
تتضمن المبادرة نقاط رئيسية تدعو
لوقف إطلاق النار مع هدنة مؤقتة لمدة 7 أيام، يتم خلالها
التزام إيراني بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة البحرية مقابل رفع الحصار البحري العقوبات الأمريكية عن صادرات النفط الإيراني والإفراج عن بعض الأموال المجمدة، ثم تبدأ لاحقًا محادثات مباشرة مع واشنطن تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
كان الرد الأمريكي برفض المقترح الإيراني والإصرار على أن يكون الملف النووي والقيود المتعلقة بالنشاطات والفعاليات النووية في مقدمة أي اتفاق رافضة حصر التفاوض في إجراءات مؤقتة أو جزئية من قبل طهران.
وأشار اسماعيل بقائي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية في الرابع من تشرين الأول في تصريح له (أن الرد الأميركي يدور حول القضايا النووية، في حين أننا أعلنا صراحة أن تركيزنا ينصب على مضيق هرمز، وتأمين هذا الممر المائي يتطلب اتخاذ الولايات المتحدة خطوات إيجابية وعودتها إلى التزاماتها بموجب تفاهم إسلام آباد، وكذلك رفع العقوبات الجديدة).
لا زالت إيران متمسكة برؤيتها حول اعتماد مضيق هرمز أداة ضغط سياسي واقتصادي واعتماده اساس في سعيها لتخفيف الضغوط الاقتصادية عنها قبل تقديم أي تنازلات إضافية في أي مفاوضات قادمة، بينما تواصل إدارة الرئيس ترامب المطالبة باتفاق بشروط أكثر حدة، وهو ما يعني استمرار كلا الطرفين بشروطه وسعى كل منهما لانتظار من يقدم خطوة أمامية للحصول على نتائج إيجابية أو مكاسب سياسية اقتصادية..
واشنطن تريد إعادة فتح مضيق هرمز قبل رفع أو تخفيف الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، بينما ترفض طهران التوجه الأمريكي وتطالب بحل توافقي لفتح مضيق هرمز أولًا وتحقيق أهدافها وغاياتها في إيجاد حلول لازماتها الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم العمل عل مناقشة جميع النقاط الرئيسية الأخرى بما فيها النشاطات النووية وبرنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والمسار السياسي الإقليمي الإيراني.
تدرك إيران الصعوبات التي تلاقيها نتيجة الحصار والعقوبات التي أصبحت تشكل عقبة رئيسية ومشكلة مستدامة أمام القرار السياسي والعسكري، والاحصائيات والأرقام التي نشرها صندوق النقد الدولي تؤكد حقيقة المأزق الإيراني، حيث يتوقع المشرفين على الصندوق الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5،4٪ خلال سنة 2026، وتعكس أرقام موقع (وورلد ميتر) تراجعًا كبيرًا في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، حيث يقدر بنحو 300،29 مليار دولار في 2026، مقارنة ب 371،19 مليار دولار في 2025، وأكثر من 416 مليار خلال 2024، كما تسبب الحصار البحري الأمريكي في خنق شريان التجارة الإيراني، فبعد أن اقتربت صادرات النفط الإيراني من مليوني برميل يوميًا في آذار 2026، هبطت بصورة حادة لتتراوح بين 220-255 ألف برميل يوميًا في آب 2026، وسجلت التقارير مرور نحو 7 أسابيع دون رصد أي صادرات نفطية كبيرة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى فقدان إيران لاهم مصادر النقد بالعملة الصعبة.
ويبقى مضيق هرمز الحلقة الأكثر حساسية في أي توسع جديد للمواجهة الأمريكية–الإيرانية، لأن التعامل الميداني معه يمكن أن يُترجم في الوقت نفسه إلى ضغط على الطاقة، والبحر الأحمر، وباب المندب، والشراكة الأمنية الأمريكية.
مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية
