مليونية الصدر المرتقبة.. كرها في أميركا أم حبا بإيران

مليونية الصدر المرتقبة.. كرها في أميركا أم حبا بإيران

أثارت تغريدة مقتدى الصدر التي دعا فيها الخروج في مليونية ضد التواجد الأميركي في العراق جدلا، وجاءت بعكس ما يصبو إليه الصدر. رد العراقيون على الصدر بأن التظاهرة يجب أن تكون أيضا ضد الاحتلال الإيراني، كما كشفوا عن أن ألاعيب التيار الصدري باختراق الاحتجاجات لتحريفها عن مسارها، كما حدث من قبل، لم تعد تنطلي على العراقيين، الذين رفعوا من أول يوم احتجاج لهم شعار لا للسياسيين لا للمعممين، ولا للسياسات الانتهازية، ويواصلون منذ شهر أكتوبر الماضي التظاهر وسط متغيرات تعصف ببلادهم التي صارت أشبه بملعب بين واشنطن وطهران، ضمن معترك يرى فيه العراقيون فرصة لإيصال صوتهم، والتشديد على طرد المحتل الإيراني. وتعيش البلاد حالة شلل سياسي منذ استقالة حكومة عادل عبدالمهدي، ولا تزال الكتل السياسية غير قادرة على التوافق لإيجاد شخصية بديلة لرئاسة الوزراء رغم انقضاء المهل الدستورية.

بعد أن فشل المرجع الشيعي وزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، في ترهيب المتظاهرين العراقيين بفكرة إعادة إحياء ميليشيا جيش المهدي، بما تمثله من تاريخ دموي يسوده القتل والإرهاب والتشريد، عاد وخفف من لهجته، مستخدما مصطلحات الوطنية والمقاومة.

ومنذ تأسس “جيش المهدي”، بجموع التيار الصدري (2003)، كأول ميليشيا تنتظم داخل العراق، إلى جانب الميليشيات التي نشأت في إيران، صار مقتدى الصدر رقما صعبا في السياسة العراقية.

أعلن مبكرا معارضته أو مقاومته للوجود الأميركي، ثم دخل في الحكومة العراقية، وصار جزءا منها، لكنه لم يترك “الصيت الوطني”، أو المقاومة ضد المحتل، مع أن الأميركيين حرصوا على عدم أخذه بقضية عبدالمجيد الخوئي، وكأنه صار حاجة بالنسبة إليهم، في إيجاد الأزمات أو مواجهتها.

ففي العام 2004 اندلعت حرب النجف، وكان أبومهدي المهندس أحد الفاعلين فيها مع جيش المهدي، وهذا يعني أن الحرب كانت بتوجيه إيراني. فالمهندس رجل إيران الأول وذراع قاسم سليماني، في الحياة وفي الموت.

الاستفادة من جيش المهدي
في تلك الفترة، كان بالإمكان إلغاء جيش المهدي والقبض على مقتدى الصدر، لكن السلطة الأميركية المدنية قيل امتنعت عن ذلك، على خلاف ما أراده العسكر الأميركي، فعاد المرجع علي السيستاني، وكان في لندن في رحلة علاج، وأنهى الأزمة، لصالح جيش المهدي، الذي عاد سريعا مهيمنا على مناطق من بغداد، ومحافظات العراق الأُخرى.

أما في أزمة مقتدى الصدر مع حزب “الدعوة”، في ولاية نوري المالكي الأولى، وبما سميّ “بصولة الفرسان” (2008) بالبصرة والعمارة، فقد وصل قاسم سليماني، على وجه السرعة، لحل الأزمة وإنقاذ جيش المهدي.

خلال تلك الفترة عملت إيران على الاستفادة من ميليشيا المهدي، بتأسيس ميليشيا “عصائب أهل الحق”، وميليشيا “النجباء”، بمعنى أن جيش المهدي، أصبح مموّنا لما خرج من ميليشيات بعده، ولم يكن غائبا عن إيران، على الرغم من أن الأخيرة اتخذت من ميليشيات أُخرى وسيلة لممارسة دورها العنفي داخل العراق.

من الجدير ذكره أن فكرة جيش المهدي تعود إلى العام (1996)، يوم برز أبوالمهيمن في إحدى مساجد مدينة الثورة، وأعلن اسم هذا الجيش. حينها لم يكن غير الاسم وبضعة أشخاص انتهى أمرهم بالإعدام، ليحييه مقتدى بعد سقوط النظام السابق.

مدلل إيران
ظل مقتدى الصدر يلعب دور الوطني والعروبي. لكن تجاه إيران لم يكن كذلك، فعلى ما يبدو ما زال الولد المدلل هناك، فما أن أعلن شعار “إيران بره بره”، حتى لحقه باعتذار، وما أن ظهرت أزمة رئاسة الوزراء حتى ظهر على الشاشات متوسطا خامنئي وسليماني، وصار وجوده في إيران أكثر من وجوده داخل العراق.

يصعب على مقتدى الصدر أن يظهر نفسه وطنيا ومخلصا لإيران في الوقت نفسه، فإيران بالنسبة للسواد الأعظم من العراقيين دولة أجنبية. وهي تحتل العراق أسوأ احتلال، عسكري عن طريق ميليشياتها واقتصادي عن طريق السوق العراقية، وسياسي عن طريق الأحزاب والتنظيمات الشيعية.

وما حصل في جلسة البرلمان العراقي، وجماعة مقتدى ضمن الحضور، مؤخرا عقّد الوضع أكثر، حيث هتف النواب العراقيون “نعم نعم لقاسم سليماني”، “كلا كلا أميركا”. هذا، وحال الإعلان عن قتل قاسم سليماني صرح مقتدى الصدر بإعادة جيش المهدي إلى الواجهة، بعد أن تستر خلف ما سمي بـ”سرايا السَّلام”.

ظلت التظاهرات العراقية منذ الأول من أكتوبر 2019 وحتى الآن، محرجة لمقتدى الصدر وتياره، فالوطنية التي يمارسها المتظاهرون لا تقبل شخصية متناقضة، تميل إلى إيران كل الميل.

وكلما حاول التيار الصدري اختراق التظاهرات يعود خائبا والسبب أن المتظاهرين لهم تجربة طويلة مع هذا التيار، الذي يركب الوطنية، كي يخفت صوت التظاهرات. فعندما تشتد يظهر مقتدى في مقدمتها معتكفا، أمام المنطقة الخضراء، ليعلن هدنة مع الحكومة لمئة يوم كي تنفذ المطالب.

لكن المئة يوم تمر وتُنسى المطالب، وهكذا ديدنه مع مختلف التظاهرات التي شهدتها البلاد. لكن هذه المرة صعب عليه اختراقها، فما بالك بقيادتها. فعلى ما يبدو أنها حيلة إيرانية، في استخدام التيار الصدري في إطفاء التظاهرات، وبما أنهم لم يجدوا مجالاً لتنفيذ هذه الحيلة، نفذوا “القنص” والغاز السام، بالمتظاهرين وها هم القتلى، حسب مصادر داخلية، قد وصلوا إلى الألف، ناهيك عن الجرحى والمفقودين.

وأعلن مقتدى وتياره أنهما سيجمعان تظاهرة مليونية، في يوم الجمعة، تحشيدا لطرد الأميركيين، وقواعدهم العسكرية، على إثر اغتيال قاسم سليماني، الرجل الثاني عمليا في إيران، لكن لم يتحدث عن بدء إيران وميليشيا كتائب حزب الله العراقية التابعة لها في ضرب القاعدة الأميركية بكركوك، ولم يتحدث عن الصواريخ الإيرانية الموجهة للقوات الأميركية داخل الأراضي العراقية، ولا عن مخازن الأسلحة التابعة لإيران داخل العراق، ولا عن تصريحات المسؤولين الإيرانيين والتباهي بالنفوذ الإيراني داخل العراق.

مفردة المليونية التي هدد بها مقتدى الصدر، هي نفسها نغمة إيرانية، بدأت مع الثورة بالصلاة المليونية، حتى أصبحت مصطلحا محتكرا للحراك الشيعي وللمتظاهرين الذين يخرج بهم مقتدى الصدر يوم الجمعة، وهم من الشيعة السياسية قاطبة، مع أن جمهور التظاهرات الوطنية، الذي لا يعترف بوجود أجنبي، وعلى وجه الخصوص الوجود الإيراني الداعم للفساد والفوضى والاغتيالات داخل العراق، يعتصم في الساحات التي ينوي مقتدى الصدر إطلاق مليونيته منها.

ليس لمليونية التيار الصدري، إن قدر وحشد المليون متظاهر، هدف غير وضع حد للتظاهرات العراقية الوطنية، بعد أن عجزت القوى الدينية الحاكمة على تصفيتها، وهذا هو المطلب الإيراني الأول، أما طرد الأميركيين، فمقتدى والإيرانيون يعلمون أن الأميركيين لا يدخلون ولا يخرجون بتظاهرات، إنما هناك وجود تمكن باتفاقيات وقعتها القوى الدينية نفسها.

بهذا اتخذ الموقف من الأميركيين ذريعة لملء الساحات وتبديل متظاهري التيار الصدر بالمتظاهرين ضد إيران وطبيعة الحكم داخل العراق، وما يدور من معركة حول رئاسة الوزراء. لكن مَن يضمن عدم حدوث المواجهة، وبهذا يكون الخاسر الأكبر هم المتظاهرون السلميون، ذلك إذا علمنا أن مقتدى الصدر أعلن عن إعادة جيش المهدي، واجهة العنف الحامي لفساد التيار نفسه.

العرب