إيران وجيرانها بعد الاتفاق النووي.. المكاسب والنتائج

إيران وجيرانها بعد الاتفاق النووي.. المكاسب والنتائج

630

بعد أكثر من عشرين شهرا من المفاوضات المستمرة توصلت إيران والمجموعة السداسية إلى اتفاق يقضي برفع العقوبات المفروضة على إيران وقبولها لاعبا كامل الصلاحية على المستوى الدولي والاعتراف بها قوة نووية مقابل قبول إيران مطالب هذه الدول في المجال النووي.

وبعيدا عن عد الاتفاق إنجازا أو تراجعا إيرانيا، فالواضح أن الإيرانيين والمجموعة السداسية خرجوا بتصريحات تنم عن رضا من مخارج التفاوض، وهو ما يمكن عده نتيجة القبول، إيرانيا ودوليا، بالحلول غير الصفرية، فما هي مكاسب إيران من الاتفاق النووي وما مدى تأثير هذه المكاسب على سياستها الإقليمية وعلاقاتها بالدول العربية والمجتمع الدولي.

يمكن تلخيص مكاسب إيران من الاتفاق النووي بثلاثة مكاسب رئيسية تشمل العديد من الملفات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

يتمثل أول مكاسب طهران في تخلصها من التهديد العسكري الغربي (الأميركي) الذي ظل هاجسا منذ قيام الجمهورية الإسلامية، ورغم أن تاريخ التدخلات الأميركية -التي بدأت بإسقاط حكومة مصدق المنتخبة عام 1953- ما زال يثقل العقلية الإستراتيجية الإيرانية فإن سلوك طريق الحوار من قبل الحكومة الأميركية يعني أن الخيار العسكري بات ضمن خبر كان، وتبددت معه الكثير من الهواجس التي طالما شغلت صانع القرار الإيراني وأثقلت ميزانيته الدفاعية والأمنية.

يتمثل ثاني مكسب إيراني برفع العقوبات المفروضة عليها والتي شملت العديد من القطاعات الاقتصادية والمالية والعسكرية، وعلى الرغم من أن العقوبات الأحادية لم تأت نتيجة البرنامج النووي فإن ما أثقل الاقتصاد الإيراني بدأ بعد نقل الملف النووي إلى مجلس الأمن وفرض عقوبات تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وشملت تلك العقوبات البنك المركزي الإيراني وشركات النفط والغاز والطيران، كما جمدت أكثر من مئة بليون من أرصدة إيران في الخارج.

ستتضاعف -وفق الكثير من التقديرات- مداخيل إيران من صادرات الطاقة في غضون سنتين بعد الاتفاق، كما ستنعم إيران -وفق الاتفاق- بالتكنولوجيا الحديثة في قطاع الطاقة بعد عقود من منعها عن طهران، وسيرتفع مستوى الاستثمار الأجنبي إلى نسب غير مسبوقة وفق التقديرات، إذن نحن إزاء طفرة في الاقتصاد الإيراني خلال العقد القادم.

ويتمثل ثالث المكاسب الإيرانية بتوطيد علاقات طهران مع المجتمع الدولي، فقد بدأ حديث الحجيج الغربي إلى طهران بسرعة بعد توقيع الاتفاق النووي، ويشير ذلك إلى أن الدول الغربية تتصدر المتوافدين على طهران لكسر العزلة التي حاولت فرضها على إيران في العقد الأخير، بهذا ستتحرر السياسة الخارجية الإيرانية من الكثير من العقبات أمام نشاطها الإقليمي والدولي خلال أشهر.

يبقى السؤال المهم إقليميا حول مدى تأثير الاتفاق النووي على سياسة إيران الخارجية والإقليمية بشكل خاص.

لقد غيرت حكومة روحاني خطاب السياسة الخارجية بتأكيدها على الحلول غير الصفرية وجنت ثمار هذا التغيير بتوقيع الاتفاق النووي، لكن لم يغير هذا الخطاب الكثير في الرؤية الإستراتيجية للدول العربية إلى إيران من جهة، وفي طريقة تعامل إيران مع الملفات الإقليمية من جهة أخرى، ولذلك أسباب، منها انشغال الحكومة الإيرانية بتسوية الملف النووي والخروج باتفاق يلغي العقوبات، كما أن طبيعة الملفات الإقليمية الشائكة منعت حدوث أي تغيير في العلاقات العربية الإيرانية.

يضاف إلى ذلك أن الرؤية العربية للعلاقة مع إيران تحمل الكثير من التعويل على الضغوط الغربية على إيران، لذلك لم يتلق ظريف أي تجاوب مع خطابه الذي طرحه غير مرة.

المشكلة في الرؤية العربية كمنت في اختلاف السلوك الإيراني في المنطقة (دعم الحلفاء) مع خطاب حكومة روحاني (الحلول غير الصفرية)، ولم يتردد الكثير منهم في مطالبة طهران بكف يدها عن الشرق الأوسط، ولم يأخذ هؤلاء في الحسبان أن لإيران علاقات إستراتيجية مع دول عربية ترجح العمل مع طهران على العمل مع غيرها.

بالإضافة لذلك، فإن إيران -باعتبارها لاعبا إقليميا لا يجد بدا من لعب دور إقليمي للذود عن أمنه القومي ومصالحه الإستراتيجية- لا تأخذ أطروحات كف اليد على محمل الجد، لكل تلك الأسباب لم يحدث خطاب حكومة روحاني أي تغيير جدي في العلاقات الإيرانية العربية.

غير أن التغيير يبدو قادما في هذه العلاقات، ذلك أن التعويل على فشل المفاوضات النووية، والخيار العسكري الأميركي ضد طهران -الذي طالما تأمله العرب- لم يعودا في الحسبان.

وبعيدا عن زيادة الدعم الإيراني لحلفائها من عدمه فقد بات جليا أن سياسة إيران تجاه حلفائها سوف لن يتخللها أي تغيير يمكن أن يغير المعادلة الإقليمية، ومع ذلك سيكون الشرق الأوسط نقطة الثقل في النشاط الدبلوماسي الإيراني في المرحلة المقبلة، أي أن الانتهاء من الملف النووي سيحرك أولويات إيران الأخرى، وعلى رأسها ملفات الشرق الأوسط.

رغم ذلك فإن السياسة الإقليمية الإيرانية بعيدة عن تغيير بوصلتها في المرحلة الراهنة، وهذا ما أراد المرشد الأعلى تأكيده مؤخرا، لذلك وحتى قبل التوصل للاتفاق النووي كانت إيران تفرق بين الملف النووي والقضايا الإقليمية، وهذا التفريق مستمر، إلا أن التحرك الذي وهبه الاتفاق النووي للسياسة الخارجية سيمكن إيران من توظيف الأبعاد الدولية للتفاهم مع المجتمع الدولي على المستوى الإقليمي.

سيزيد ذلك صعوبات منافسي إيران في إقناع المجتمع الدولي للتصدي لسياسة إيران الإقليمية، أي أنه مع ازدياد حرية إيران الخارجية تتقلص قدرات منافسيها وأعدائها الإقليميين في تطويق قوة ونفوذ إيران.

إذن، كيف يمكن توقع حدوث تغييرات جدية في العلاقات الإقليمية لطهران؟ سينتج هذا التغيير عن الامتدادات الدولية للموازنات الإقليمية ومدى تأثر القوى الإقليمية المناوئة لإيران من تلك الامتدادات من جهة، ومن تغيير متوقع في تصور التهديد الإيراني لدى الدول العربية الأكثر تأثرا بالتطورات الإقليمية من جهة أخری.

على المستوى العربي، ومع استمرار دعم إيران لحلفائها لا يمكن توقع تغييرات في العلاقة الإيرانية السعودية إلا على المديين المتوسط والبعيد، ويتمحور التغيير في خيارات الرياض تجاه طهران، فمن الواضح أن الحفاظ على حلف عاصفة الحزم والذود عن تماسك الحلفاء في سوريا يزدادان صعوبة في الظرف الجديد.

بمصطلحات عسكرية سينقل الاتفاق النووي السعودية من خانة الهجوم إلى خانة الدفاع أمام إيران وسياستها الإقليمية، ونظرا لتقاطع المصالح في أكثر من ملف لا يمكن توقع تحسن العلاقات الثنائية بين البلدين في القريب العاجل، إلا أنه مع تراجع الدعم الغربي لسياسة السعودية الإقليمية في اليمن وسوريا ومع ترهل حلف عاصفة الحزم والتحسن المتوقع لعلاقات إيران بالدول العربية يمكن توقع تجاوب الرياض مع خطاب روحاني وتحركها للتعامل مع طهران بدل العمل الدؤوب لتطويقها في المديين المتوسط والبعيد.

أما في العلاقة مع الكويت والإمارات وبقدر أقل مع قطر فمن المتوقع أن تحدث تغييرات جدية، وسيؤدي خطاب إيران تجاه هذه الدول إلى جانب زيارات ظريف إليها من جهة وطريقة تعاطي هذه الدول مع الاتفاق النووي من جهة أخرى إلى تجسير الهوة بينها وبين إيران، ووضع اللبنات الأساسية لتحسن العلاقات الثنائية.

وقد بات واضحا أن هذه الدول قد تجتمع مع الرياض في التدخل في اليمن للحد من التغيير الذي لا تراه ملائما، إلا أنها تفترق عن الرؤية السعودية في ترسيمها لمستقبل اليمن أو سوريا أو ليبيا مثلا.

وبالنسبة لتركيا فمن المرجح انتعاش العلاقة الاقتصادية مع تقارب مطرد في الملفات الإقليمية، والواضح أن الملف السوري يمثل العقبة الرئيسة في هذا الصدد، وتحاول السعودية وقطر استثمار هذه العقبة في صالحها، إلا أن واقع العلاقات الاقتصادية بين البلدين يظهر مدى أرجحية العمل الاقتصادي لدى الطرفين.

بذلك يمكن توقع انتعاش العلاقات الاقتصادية بتزايد التبادل التجاري وتفعيل خطوط نقل الغاز الإيراني إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر تركيا، وكانت وزارة النفط الإيرانية قد عقدت اتفاقية لإنشاء أكبر أنبوب لنقل الغاز من جنوب إيران إلى تركيا عبر كردستان العراق قبيل الاتفاق النووي بأيام.

ومن المتوقع أيضا أن يزداد نشاط اللجنة العليا للعلاقات التركية الإيرانية في الملف السوري بغرض حلحلته أو الحد من تأثيره المخرب على العلاقات الثنائية.

أما بالنسبة لإسرائيل فلا يمكن توقع حدوث أي تغيير في السياسة الإيرانية تجاهها، فدعم المقاومة الفلسطينية أمام الاحتلال مستمر وهو يمثل إحدى الدعائم الأساسية في خطاب السياسة الإقليمية لإيران.

وبينما تراجع حركة حماس خياراتها الإقليمية -وهو أمر قد يؤدي إلى انحدار علاقتها مع إيران- إلا أن ذلك لن يؤثر على خيار إيران في دعم المقاومة الفلسطينية، أي أن الدعم قد يتراجع لبعض الحركات مقابل تزايده إلى حركات أخرى تتبنى خيار المقاومة.

بشكل عام يمكن القول إن سياسة إيران الإقليمية مستمرة على أسسها الرئيسة، وتتوقع طهران أن يؤثر الاتفاق النووي على رؤية جيرانها العرب لإيران، وتأمل حكومة روحاني بتعميم التوصل إلى تسوية مع المجتمع الدولي بعيدا عن الحلول الصفرية ليشمل المنطقة.

ويأمل السيد ظريف بليونة أكبر لدى الغرب عند تلقي كلام إيران الإقليمي، مما سيأتي بتوازن دولي إلى الملفات الإقليمية يمكن أن يؤدي بالتالي إلى واقعية أكبر -حسب رؤية طهران- في تعاطي السعودية وتركيا مع هذه الملفات.

وبينما يطرح بعض العرب ضرورة تغيير سلوك إيران لحدوث أي تغيير في العلاقة العربية الإيرانية تنظر إيران إلى مثل هذه التوقعات على أنها غير منطقية ولا تهيئ لتحسن العلاقات وتطالب بالمقابل بتغيير سلوك السعودية وتركيا في الملفات الإقليمية، وفيما يتوقع كل طرف بدء التغيير في سلوك الطرف الآخر يعول الإيرانيون على دبلوماسية ظريف لتذويب جليد العلاقات العربية الإيرانية.

حسن أحمديان
الجزيرة نت