نظرة على أربعة عقود من جهود المعارضة الكردية الإيرانية

نظرة على أربعة عقود من جهود المعارضة الكردية الإيرانية

قبل 41 سنة، وفي مثل هذه الأيام بثت الإذاعة الإيرانية أوامر روح الله الخميني التي طالب خلالها الجيش بالتوجه نحو سنندج (عاصمة كردستان إيران) واستخدام العنف المفرط والقمع تجاه من وصفهم بالأشرار والأوغاد، وتعد هذه الأوامر الأولى المطالبة بقمع القوميات في الجمهورية الإسلامية.

في إيران قمع المعارضة مستمر حتى يومنا هذا، ليس فقط القمع العسكري، بل أيضاً قمع النشطاء والأنشطة السياسية، وفرض أشد العقوبات الاقتصادية والاجتماعية على المناطق الكردية.

وبحسب التقارير الفصلية لمركز الإحصاء في إيران حول معدل البطالة، عادة ما يسجل إقليم كردستان رقماً قياسياً، (كان آخرها في شتاء عام 1998)، حيث فاقت نسبة البطالة 20 في المئة، وتعد هذه النسبة من بين النسب الأكبر حول العاطلين عن العمل.

أما عن القيود الاجتماعية، فدعونا نشير إلى واحدة فقط من أحدث الإدانات، وهي عن زارا محمدي، الناشطة المدنية ومدرسة اللغة الكردية وآدابها، إذ حكمت عليها محكمة سنندج الثورية بالسجن 10 سنوات.

وفي سياق القمع المستمر اضطر أكراد إيران للخروج من البلاد، حالياً بشكل رئيس إلى المنطقة الكردية في العراق، وقبل ذلك إلى بعض الدول الأوروبية.

قبل التعريف بمجموعات المعارضة الكردية بإيجاز، تجدر الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من هذه المجموعات تدين للتقاليد السياسية الكردية خلال الثمانين سنة الماضية، وتُستخدم إحدى الكلمتين في أسمائها ” الديمقراطي” (الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني والحزب الديمقراطي الكردستاني) و”كوملة” (حزب كردي معارض صاحب توجه يساري).

كان الحزبان الديمقراطي الكردستاني الإيراني و”كوملة” الحزبين الرئيسين في السنوات التي سبقت الثورة، والسنوات الأولى بعد “الثورة الإسلامية”، الأول يضم قوى يمين الوسط، والآخر يضم قوى اليسار والماركسية.

ومن بين العديد من الأحزاب والمنظمات الكردية التي تعمل على تلبية مطالب الأكراد في إيران حالياً يوجد خمسة أو ستة أهمها الحزبان الديمقراطيان، وأحزاب كوملة الثلاثة، ومنظمة خبات.

على الرغم من اختلاف شخصية وإستراتيجية هذه المجموعات عن بعضها البعض، فإنه لا يجب أن ننسى أن العديد منها تفرع لفروع أخرى، وانتقلت الشخصيات البارزة من الأحزب القديمة إلى الأحزب الجديدة بمرور الوقت. كما أن بعض تلك الأحزاب حملت السلاح.

الأكثر أهمية

بداية من فبراير (شباط) عام 2017 تأسس مكتب “مركز تعاون الأحزاب الكردستانية الإيرانية” تتعاون من خلاله خمس منظمات. وتعتبر هذه المنظمات الرئيسة للمعارضة الكردية وهي: الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) بزعامة خالد عزيزي، الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا) بزعامة مصطفى هجري، حزب كوملة (التنظيم الثوري لعمال كردستان إيران) بزعامة عبدالله مهتدي، حزب كوملة (الكادحون الثوريون لكردستان) بزعامة عمر ايلخاني زاده، وأخيراً منظمة خبات الثورية بكردستان إيران بزعامة بابا شيخ حسني.

يعود “الديمقراطيون” و”كوملة” إلى فترة ما قبل الثورة الإسلامية، ثم انفصلوا عن بعضهم البعض. أما منظمة خبات فهي منظمة جديدة نسبياً، ويمكننا أن نعطي نظرة عامة موجزة عن تاريخ هذه الأحزاب، وصورة أوضح عن وضعها الحالي.

الديمقراطيون

في أغسطس (آب) عام 1945 تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني على يد قاضي محمد في مدينة مهاباد، ونجح هذا الحزب خلال احتلال الحلفاء لإيران في تشكيل حكومة محلية عرفت باسم “جمهورية مهاباد” استمرت 11 شهراً. لكن حكومة محمد رضا شاه قمعت الحزب بشدة، فهربت القوات المسلحة للتنظيم إلى العراق.

استمر الصراع خلال العقود الثلاثة التالية بين قوات الحزب وحكومة رضا شاه. وفي بعض الأحيان كان لدى قوات الحزب وجود أقوى في المناطق الكردية بإيران، فتارة يتعرضون للقمع الشديد، وتارة يسجنون.

في تلك الأثناء، لعبت العلاقة بين حكومتي إيران والعراق دوراً في تحديد مستوى الحرية أو القمع الشديد للمنظمات الكردية.

وبعد حكم قاضي محمد – الذي أعدم بعد قمع “جمهورية مهاباد”- تولى أحمد توفيق وكان ثالث زعيم للحزب، ثم عبد الرحمن قاسملو، الذي شغل منصب الأمين العام للحزب من 1350 إلى 1368؛ وحادث اغتياله في فيينا لا يزال مجهولاً.

وعلى ذات المنوال، اغتيل خليفته صادق شرفكندي عام 1371 في مطعم ميكونوس ببرلين، وكان لهذا الحادث أثر على المسؤولين في إيران.

على مدار السنوات الـ14 التالية، كانت قيادة الحزب في أيدي ثلاثة أشخاص هم: عبد الله حسن زاده، وخالد عزيزي، ومصطفى هجري. ومع ذلك، تعرضت قيادة مصطفى هجري لانتقادات واسعة. وفي عام 2006 انقسم عدد من كبار أعضاء الحزب وشكلوا حزباً جديداً بقيادة عبد الله حسن زاده.

واختار المنفصلون عن الحزب نفس الاسم للحزب الجديد، لأن الاسم التاريخي للحزب هو “الحزب الديمقراطي الكردستاني” منذ البداية. وبهذه الطريقة لا يمكن تمييز الحزب القديم والجديد إلا بكلمة إيران في النهاية. تجدر الإشارة إلى أننا من الآن فصاعداً نواجه حزبين ديمقراطيين حدك وحدكا.

الحزب الديمقراطي الكردستاني أكد في العقود الأولى من تشكيله على “الديمقراطية لإيران، والحكم الذاتي لكردستان”، لكن منذ عام 2004 (بعد المؤتمر الثالث عشر للحزب الذي انتخب مصطفى هجري زعيماً له)، ركز على “الفيدرالية” وكانت الشعارات المدرجة في الإصدارات كما يلي “ضمان حقوق الشعب الكردي في إطار إيران ديمقراطية واتحادية”.

وحالياً لا يزال مصطفى هجري أميناً عاماً للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وخالد عزيزي أميناً عاماً للحزب الديمقراطي الكردستاني.

كوملة

تعود نشأة الجماعات الكردية اليسارية إلى عام 1969، عندما شكل 11 طالباً في طهران، متأثرين بلينين، جمعية تسمى فيما بعد “كوملة”.

وحتى حلول عام 1978 لم يكن لهذه المجموعة أي نشاط ملحوظ، ويبدو أنها لم توزع سوى القليل من المنشورات للتعريف بها. وفي 17 فبراير 1979، أصيب أحد مؤسسي الجماعة، محمد حسين كريمي، خلال هجوم على مركز شرطة سقز (بكردستان إيران) وتوفي بعد يومين. وقرر الأعضاء الآخرون في المجموعة منذ ذلك الحين الإعلان عن وجودهم وإعلان أنشطتهم على الملأ.

وبعد بضع سنوات أصبحت نشاطات هذا التنظيم صراعات مسلحة، وعلى إثر ذلك قتل أو جرح أو سجن كثير منهم وأعدموا. وفي عام 1983 شكل الأعضاء المتبقون في هذا الحزب بجانب بعض الجماعات اليسارية الأخرى ائتلاف “الحزب الشيوعي الإيراني”.

في هذا الائتلاف كان لمجموعة “كوملة” مكانة مهمة وعرفت باسم “المنظمة الكردستانية للحزب الشيوعي الإيراني”.

بعد انشقاق “الشيوعيين العماليين” عنه ظهرت الخلافات داخل التنظيم بعد أن بانت بوادرها سابقاً. وفي عام 1379 انشق عبد الله مهتدي وعمر الخني زاده، إلى جانب آخرين من كوملة، عن الحزب الشيوعي الإيراني.

بدأت منظمة جديدة تسمى “منظمة عمال كردستان الإيرانية” نشاطها، ولكن بعد أقل من سبع سنوات حدث خلاف بين قادة التنظيم وانشق عمر ايلخاني زاده.

أما الآن فإن “كوملة” بقيادة عبد الله مهتدي، و”كوملة” بزعامة عمر ايلخاني زاده منظمتان منفصلتان.

الخلافات بين الجماعتين وصلت للاشتباك المسلح مما أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص، لكن قادة الحزبين أعربوا في وقت لاحق عن أسفهم.

لا يزال هناك تنظيم صغير يحمل نفس الاسم القديم داخل الحزب الشيوعي الإيراني (منظمة كردستان للحزب الشيوعي الإيراني) بقيادة إبراهيم علي زاده. لذلك، يمكن اعتبار عدد منظمات “كوملة” ثلاث مجموعات.

منظمة خبات والمجموعات الأخرى

كل من الحزبين الديمقراطي الكردستاني وكوملة لعبوا دوراً في الإطاحة بمحمد رضا شاه وانتصار الثورة. لكن إلى جانب هذين الحزبين، يجب أن نذكر الشخصية الدينية المؤثرة التي ذاع صيتها وانتشرت خطبها في المناطق الكردية بإيران الشيخ عز الدين حسيني (توفي 2010 بالسويد).

وقتها أعلن الحزبان الديمقراطي وكوملة، وكذلك الشيخ عز الدين الحسيني، صراحة أنهم سيقاطعون ويعارضون الاستفتاء على الجمهورية الإسلامية.

بعد أشهر قليلة من قيام الجمهورية الإسلامية، وتحديداً في نهاية يونيو (حزيران) عام 1980، أسست القوات الكردية ذات الميول الدينية والقومية “المنظمة الوطنية والإسلامية خبات”.

قاد المجموعة في البداية الشيخ جلال حسيني (شقيق عز الدين). وفي عام 1987، اتهم عدد من أعضاء هذه المجموعة بعضهم الآخر بـ”التعاون مع الجمهورية الإسلامية” وفصلوهم عن المنظمة.

اقرأ المزيد

النازحون الأكراد: نخشى ألا نعود

“مؤامرة أردوغان الكردية”… ومستقبل المهاجرين في تركيا
منذ البداية كان قائد المجموعة الجديدة بابا الشيخ حسيني (ابن الشيخ جلال). وأزالت الجماعة المسلحة كلمتي “وطني” و”إسلامي” من عنوانها، واستقرت في السنوات الأخيرة في شمال العراق، ولها صلات بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.

إضافة إلى المجموعات المذكورة أعلاه، هناك عدة منظمات كردية أخرى، أهمها “بجاك” الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني التركي.

وتشمل المجموعات الأخرى حزب الحرية الكردستاني، والحركة الجمهورية الكردستانية الإيرانية، وحزب التحرير الكردستاني لإيران، وحزب الحياة الحرة الكردستاني، والمجتمع الديمقراطي والحر لشرق كردستان، وحزب الحرية الكردستاني، وحزب الاستقلال الكردستاني، وحزب الخلاص، ومنظمة يارسان الديمقراطية.

أعراق أخرى

وفقاً لآخر تعداد سكاني في إيران، فإن عدد الأكراد يبلغ 6.2 مليون نسمة أي (7.7 في المئة من إجمالي السكان). وتعيش مجموعة كبيرة من الأكراد الإيرانيين بشكل رئيس في أربع محافظات هي: كردستان وكرمانشاه وإيلام وأذربيجان الغربية.

هؤلاء السكان، إضافة إلى هذه التقاليد والموروثات المتعقلة بالقتال من أجل التطلعات العرقية، جعل الأكراد أهم معارضة عرقية في إيران.

لكن بعض الجماعات الإيرانية الأخرى، خاصة في العقد الماضي، بدأت في إنشاء منظمات لتلبية مطالبهم والسعي إلى تحقيقها بشكل منظم. إذ شكل العرب في جنوب وغرب إيران، والبلوش في شرق إيران، والأتراك في شمال غربي إيران منظمات مستقلة في السنوات الأخيرة، وأحياناً كانوا يشكلون تحالفات مع أعراق أخرى. فيما أقامت بعض الأحزاب الكردية تحالفات مع أحزاب إيرانية عامة.

حسن جعفري

اندبندت عربي