يوم انتخابي استثنائي في سياسة مستنفرة ومجتمع مستقطب

يوم انتخابي استثنائي في سياسة مستنفرة ومجتمع مستقطب

اليوم، وبعد أن شارك خلال الأسابيع الماضية ما يقرب من 100 مليون مواطن في التصويت المبكر، تستكمل بقية الهيئة الناخبة في الولايات المتحدة الأمريكية التصويت في الانتخابات الرئاسية 2020.
اليوم، يتابع بقية الناخبين الذين يتجاوز عددهم 155 مليون تحديد هوية ساكن البيت الأبيض في السنوات القادمة، فإما فترة رئاسية ثانية للجمهوري دونالد ترامب أو عودة الديمقراطيين للرئاسة مع جو (جوزيف) بايدن. اليوم، يترجم الأمريكيون وضعية الاستقطاب السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يعصف بمجتمعهم إلى اختيارات انتخابية، فإما المزيد من التوجه نحو اليمين مع ترامب أو استعادة شيء من التوازن بين اليمين واليسار مع بايدن. اليوم، أخيرا، قد لا ينتهي بنتيجة قاطعة وقد يليه أيام وربما أسابيع من الصراع السياسي حول شرعية بعض تفاصيل العملية الانتخابية ومن الصراع القضائي حول نتائجها ومن التوترات المجتمعية الحادة بين أنصار اليمين ومؤيدي اليسار.
لم يكن الانتصار الانتخابي لترامب في 2016 سوى التعبير الأوضح عن وضعية الاستقطاب في الولايات المتحدة، وحضر في سياسات إدارته في الداخل والخارج الاستدعاء المستمر للصراع بين اليمين واليسار. نجح ترامب في 2016 بخليط من المقولات الشعبوية التي اتهمت بالفساد وبالابتعاد عن الناس نخب المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية والنخب الحزبية (بما فيها نخبة الحزب الجمهوري التي جاء ترامب من خارجها) ومن المقولات العنصرية التي استعدت المهاجرين غير الشرعيين ورفعت شعارات إغلاق البلاد في وجه القادمين الجدد، ومن المقولات الشوفينية التي روجت «لأمريكا أولا» و«لأمريكا القوية» وللسياسات الحمائية في التجارة الدولية، ومن المقولات المعادية للديمقراطية التي شككت في الداخل في حيادية المحاكم وعمليات الانتخاب وأجهزة الخدمة المدنية (والأخيرة وصفت بالدولة العميقة) وصادقت في الخارج حكومات اليمين الشعبوي (وسط وشرق أوروبا) والحكومات السلطوية (الشرق الأوسط) وابتعدت عن بعض الديمقراطيات المستقرة المتحالفة تقليديا مع الولايات المتحدة (ألمانيا) ومن المقولات المشككة في ضرورة التضامن العالمي لمواجهة الكوارث البيئية المتصاعدة (التحولات المناخية) والكوارث الصحية (كوفيد-19).
بين 2016 و2020، طبقت إدارة ترامب وبمساعدة الجمهوريين في الكونغرس (بداية تعويلا على الأغلبية الجمهورية في مجلسي النواب والشيوخ ثم من خلال الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ) من السياسات والقرارات وأدخلت من التعديلات القانونية وألحقت بالمحاكم وأجهزة الخدمة المدنية ما دفع بذلك الخليط اليميني إلى الواجهة. شن ترامب حملات سياسية وإعلامية متكررة على رموز من أسماها «المؤسسة الحاكمة في واشنطن» من منافسته في انتخابات 2016 هيلاري كلينتون إلى رؤساء أجهزة الاستخبارات والموظفين المدنيين والعسكريين والدبلوماسيين العاملين في وزارات الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي. مررت إدارته العديد من القرارات الرئاسية التي استهدفت حصار المهاجرين غير الشرعيين ودفعهم إلى خارج الأراضي الأمريكية ومنع القادمين الجدد من بلوغها، ودخلت في معارك قضائية متواصلة مع المحاكم التي أوقفت بعض تلك القرارات، وعملت على إنهاء الهيمنة الليبرالية على المحاكم بتعيينات كثيرة بالدرجات المختلفة (محاكم الاستئناف إلى المحكمة الدستورية العليا) وامتنعت عن التعامل الإصلاحي مع الأجهزة الشرطية التي تواصل تورط بعض أطرافها في جرائم عنصرية فاضحة. وبينما وظف ترامب أيضا مقولات «أمريكا أولا» و«أمريكا القوية» في الترويج للاستعداء التجاري للصين وللاتحاد الأوروبي وللدفاع عن الصناعة الوطنية لاستمالة العمالة البيضاء متوسطة ومحدودة الدخل، عدلت إدارته بمساعدة الكونغرس قوانين الضرائب لتحميل ذات الطبقات المتوسطة والفقيرة (بمكوناتها العرقية المتنوعة) المزيد من الأعباء الضريبية ومحاباة «أصدقاء الرئيس» من الأغنياء.

بين 2016 و2020، طبقت إدارة ترامب وبمساعدة الجمهوريين في الكونغرس من السياسات والقرارات وأدخلت من التعديلات القانونية وألحقت بالمحاكم وأجهزة الخدمة المدنية ما دفع بذلك الخليط اليميني إلى الواجهة

بين 2016 و2020، قررت إدارة ترامب الانسحاب من المعاهدات الدولية الرامية للسيطرة على التحولات المناخية والحد من الكوارث البيئية التي باتت تضرب الولايات المتحدة بأعاصير (السواحل الشرقية) وحرائق (السواحل الغربية) غير مسبوقة إن في قوتها أو سرعة انتشارها، مثلما ضربت، في سبيل استرضاء الشركات والمصالح المالية الكبرى وفئة من العمالة البيضاء، عرض الحائط بعدم النجاعة البيئية (التوجه العالمي نحو الطاقة الخضراء والنظيفة) والاقتصادية (نظرا لارتفاع التكلفة مقارنة بالسعر الحالي والمتوقع لبرميل البترول) للتنقيب عن النفط واستخراجه وتكريره على امتداد السواحل الأمريكية. وعلى ذات المنوال الرجعي، عادت إدارة ترامب منظمة الصحة العالمية بقطع تمويلها بعد انتشار جائحة كوفيد-19 واستخفت بكثير من عناصر المعرفة العلمية والمقتضيات الوقائية في مواجهة الجائحة على نحو دفع بعض الهيئات الطبية وبعض وسائل الإعلام الأمريكية إلى تحميل الإدارة المسؤولية المباشرة عن ارتفاع معدلات الإصابة والوفاة في الدولة ذات الريادة العليمة والتكنولوجية وصاحبة الاقتصاد الأكبر في عالم اليوم (وفقا للبيانات المتوفرة، فقد ما يقرب من ربع مليون أمريكي حياته جراء الجائحة).
بين 2016 و2020، تصاعدت أيضا حدة المقاومة السياسية والاجتماعية والثقافية للسياسات اليمينية وللمقولات الشعبوية والعنصرية والرجعية. فالمقاومة الديمقراطية والسلمية التي بدأت فور انتخاب ترامب بمسيرات نسوية حاشدة رفضت شوفينية وذكورية من صار رئيسا، تحولت إلى حركة تقدمية شاملة أسقطت في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس (2018) الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب ولجأت بنجاح إلى المحاكم لحماية حقوق وحريات المهاجرين غير الشرعيين وحشدت سلميا في الشوارع والميادين لرفض الجرائم والممارسات العنصرية لبعض عناصر الأجهزة الأمنية (حياة السود مهمة) وطلب الإصلاح الجذري.
تلك هي الحركة التقدمية الشاملة التي ضغطت على الحزب الديمقراطي لتبني برنامجا سياسيا عصريا ينتصر للمساواة الكاملة والفعلية بين النساء والرجال وبين الأمريكيين السود وذوي ألوان البشرة المتنوعة وبين الأمريكيين البيض، ويمكن المهاجرين غير الشرعيين من فرص البقاء الشرعي في البلاد ويحميهم من تعسف السلطة، ويوازن بين حماية البيئة ومقتضيات التقدم العلمي والتكنولوجي وبين الحماية الرشيدة للطبقة العاملة وللصناعة الأمريكية دون استعداء للعالم الخارجي. تلك هي الحركة التقدمية الشاملة التي أحاطت مرشح الحزب الديمقراطي ونائب الرئيس السابق باراك أوباما، جو بايدن، بوجوه سياسية أكثر جراءة في رفض العنصرية كالمرشحة لمنصب نائب الرئيس كاميلا هاريس) وأكثر وضوحا في التعبير عن المضامين اليسارية مثل عضو مجلس الشيوخ اليزابيث وارن المرشحة لمنصب وزاري في إدارة محتملة لبايدن ومثل بعض أعضاء مجلس النواب من النساء والرجال القريبين من الفعاليات اليسارية على الأرض كألكساندريا أوكاسيو-كورتيز.
انتخابيا، ترجمت وضعية الاستقطاب السياسي والاجتماعي والثقافي بين اليمين واليسار حضورها في ارتفاع غير متوقع في نسبة مشاركة المواطنين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس 2018 (حيث صوت ما يقرب من نصف الهيئة الناخبة، تحديدا 49.3 بالمائة، بزيادة تجاوزت 13 بالمائة مقارنة بنسبة 36.7 بالمائة المسجلة في انتخابات التجديد النصفي في 2014). انتخابيا، ثانيا، عبرت وضعية الاستقطاب عن نفسها في العدد غير المسبوق من المواطنين الذين شاركوا في التصويت المبكر لانتخابات 2020 (وبها الانتخابات الرئاسية وانتخابات التجديد النصفي لمجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس). انتخابيا، ثالثا، تدلل استطلاعات الرأي العام الراهنة على أن المشاركين في التصويت المبكر ينتمون للحزبين الجمهوري والديمقراطي وهو ما يعني أن حالة تعبئة وحشد الناخبين لا تقتصر على طرف دون الآخر ويرجح التنافسية العالية في الانتخابات وحضور فرص فعلية للمرشحين ترامب وبايدن في حسم البطاقة الرئاسية (عبر الوصول إلى 270 صوت في المجمع الانتخابي) وللحزبين الجمهوري والديمقراطي في السيطرة على مجلس الشيوخ (من غير المتوقع خسارة الديمقراطيين لأغلبيتهم في مجلس النواب).
سياسيا وقانونيا ومجتمعيا، تفتح وضعية الاستقطاب ومعها التنافسية العالية في الانتخابات، وما لم يحسم أحد المرشحين النتيجة بوضوح لصالحه، الباب الأمريكي على مصراعيه لصراعات بين الأحزاب وفي المؤسسات وفي المحاكم ولتوترات في الفضاء العام بين قوى وحركات اليمين واليسار ستتضاءل إزاءها للغاية ذكرى أيام «اللاحسم» بعد الانتخابات الرئاسية 2000.

عمرو حمزاوي

القدس العربي