ذكرى مذبحة “الموصل الجديدة”: الموت بـ”داعش” أو بعمى التحالف

ذكرى مذبحة “الموصل الجديدة”: الموت بـ”داعش” أو بعمى التحالف

لا تزال منطقة الموصل الجديدة في الساحل الأيمن لمدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، شمالي العراق، تحتفظ بتفاصيل كثيرة عن واحدة من أكثر المجازر دموية التي شهدها العراق بعد عام 2003، تاريخ الغزو الأميركي، حين قضى، في 17 مارس/آذار 2017، المئات من المدنيين تحت أنقاض منازلهم، بغارة أميركية، في إطار عمليات “التحالف الدولي” ضد “داعش”، نفّذت خلال معارك انتزاع المدينة من سيطرة التنظيم. هذه المعارك استمرت نحو تسعة أشهر، وقتل وأصيب خلالها ما لا يقل عن 40 ألف مدني، فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين. ولا يزال ذوو ضحايا مجزرة الموصل الجديدة، ينتظرون اعتذاراً من “التحالف” وعدالة غائبة، وتعويضات لم تصرف.
وعلى الرغم من تعهّد الحكومة العراقية آنذاك، والتي كان يرأسها حيدر العبادي، بفتح تحقيق موسع في الحادث الذي قوبل باستنكار وتنديد دولي شديدين، غير أن أيّ نتائج لهذا التحقيق لم تبصر النور، على غرار مآلات العشرات من لجان التحقيق التي شكّلتها الحكومات العراقية المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة بشأن انتهاكات وجرائم وأخطاء عسكرية شهدتها البلاد.

لا يزال العدد النهائي لضحايا مجزرة الموصل الجديدة غير مثبّت

وبعد أكثر من أسبوع على مجزرة الموصل الجديدة، أقرّت وزارة الدفاع الأميركية بتنفيذ الضربة الجوية، ذاكرةً في بيان أن الغارة نفّذت بناء على معلومات قدّمتها القوات العراقية، ومعلنة بدء تحقيق فيها. وأعلنت الوزارة، في 26 مارس من ذلك العام، أيضاً، أنها ستنشر تسجيل فيديو يظهر مقاتلين من “داعش” في المنطقة ذاتها التي قصفت، لكنها منذ ذلك الحين لم تنشر أي شيء يرتبط بهذا الهجوم. وفي 25 مارس، أعلن “التحالف الدولي” في بيان صدر عن المكتب الإعلامي لعمليات “العزيمة الصلبة” (التي أطلقت في العام 2014 ضد التنظيم)، أن “قوات التحالف تقوم بدراسة ادعاءات عدة تتحدث عن شنّ التحالف غارة في المنطقة (الموصل الجديدة) بين 17 و23 مارس/آذار”، مضيفاً أن “التحالف قام بفتح تقييم لمصداقية الخسائر في أرواح المدنيين بخصوص هذه الدعاوى، ونحن نقوم الآن بتحليل دعاوى متباينة وكلّ الغارات التي وقعت ضمن هذه المنطقة”. ولفت البيان حينها إلى أن “عملية التحقيق هذه تتطلب بعض الوقت”.
أعداد متفاوتة للضحايا
إلى اليوم، لا يزال العدد النهائي لضحايا مجزرة الموصل الجديدة غير مثبت، لا لدى السلطات في بغداد، ولا في دائرة الطبّ العدلي في الموصل. كما أن أعداداً للضحايا قد أعلن عنها خرجت متباينة، وتتراوح أغلبها ما بين 380 و500 ضحية، غالبيتهم من النساء والأطفال. وتذهب أرقام أخرى إلى أعلى من ذلك، نظراً لاستمرار التبليغ عن مفقودين.

تقارير عربية
“العربي الجديد” ينشر وثائق تكشف تلاعباً بأسماء ناخبين في العراق
فبعد يومين من المجزرة، صدرت أرقام متفاوتة عن مسؤولين محليين آنذاك، من بينهم رئيسة مجلس قضاء الموصل، النائبة الحالية في البرلمان بسمة بسيم، التي قالت إن عدد ضحايا المجزرة بلغ 500 قتيل، واصفةً إياها بـ”المتعمدة”. وأكدت بسيم، في ذلك الوقت، في حديث إعلامي، رفع شكوى ضد “التحالف الدولي” بسبب انتهاجه “سياسة القتل الجماعي والأرض المحروقة”. وبعد ساعات قليلة على تصريحها، تمّ منع بسيم من دخول المناطق المحررة من المدينة بقرار من القوات العراقية، كما مُنع دخول عدد من الصحافيين، وصل عددهم إلى 13 صحافياً، من بينهم موفد “العربي الجديد” آنذاك إلى الموصل، أحمد الجميلي، وثلاثة صحافيين أجانب.

يصف جنرالٌ رفيع في قيادة العمليات العراقية المشتركة في بغداد، في حديث لـ”العربي الجديد” عبر الهاتف، المجزرة التي وقعت في الموصل الجديدة في مارس 2017، بأنها “مجزرة غير متعمدة، راح ضحيتها مئات المدنيين”، لكنه يوزع المسؤولية حولها بين جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، الذي كان يتولى الانتشار في محيط المنطقة، وغرفة التنسيق التابعة لـ”التحالف الدولي”، نائياً بالجيش العراقي عن هذه المجزرة تحديداً. ويضيف المصدر أن “جهاز مكافحة الإرهاب كان المسؤول عن تزويد التحالف الدولي بإحداثيات الشارع لقصفه، بسبب وجود قنّاصين من داعش، وحصول إطلاق نار كثيف، أعاق أيّ فرصة لتقدم القوات الأمنية لأكثر من يومين”.

تتوزع المسؤولية المباشرة عن المجزرة بين جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، وغرفة تنسيق “التحالف”

ويقول المصدر في حديثه: “لا أملك معلومات كثيرة حول أسماء أو جهات متورطة في هذه الحادثة تحديداً، لكن ما حصل هو مذبحة، وكان هناك إفراط عراقي أميركي في القصف الجوي والصاروخي في كلّ الموصل، حيث كان يمكن أن يتم مسح منازل عدة، من أجل التخلص من قناص داعشي يحتمي على سطح أحدها، أو حتى تسوية شارع بأكمله وبمن فيه، للقضاء على جيب لا يتعدى 10 عناصر من التنظيم”، لافتاً إلى أن “هذا ما يفسر سبب الدمار الكبير الذي حلّ بالموصل عموماً، والخسائر البشرية التي سجلت”. ويشير الجنرال الرفيع في قيادة العمليات العراقية المشتركة، إلى أنه “في هذه الحادثة تحديداً، حصلت جريمة أخرى بعد المجزرة، يتوجب الكشف عنها، وتتصف بخلل أخلاقي خطير لا يمكن تبريره، وهو عدم البحث عن ناجين تحت الأنقاض بعد القصف، إذ كان بالإمكان إنقاذ أرواح الكثيرين، لكنهم تُركوا تحت أنقاض منازلهم حتى فارقوا الحياة”. ومحملاً المسؤولية عن المجزرة إلى “القائد في جهاز مكافحة الإرهاب آنذاك معن السعدي، ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي”، يوضح المصدر أن “الأول هو من طلب من التحالف قصف الشارع لتسهيل تقدم وسيطرة قواته، على الرغم من علمه بأنه كان يعجّ بالمدنيين، أما الثاني فباعتباره القائد العام للقوات المسلحة”.
لا تعويضات ولا اعتذار
من جهته، يؤكد ضابطٌ برتبة مقدم في الدفاع المدني بمدينة الموصل، أرسل إفادة صوتية عبر تطبيق “واتساب” لـ”العربي الجديد”، أنه شارك في عمليات انتشال جثث ضحايا مجزرة الموصل الجديدة من تحت الأنقاض، مضيفاً أنه كان من بين الجثث التي انتشلها، 6 جثث تعود لفتيات، انتشلها من تحت سقف إحدى الغرف”. ووفق إفادته، فإن مجموع ما تم استخراجه من جثث “يقارب الـ400 جثة، عدد كبير منها يعود لنساء وأطفال، وموزعة تحت أنقاض منازل عدة، لكن الأكثرية كانت مكدسة في ثلاثة منازل متجاورة، ومنزلين متباعدين في الشارع ذاته”.
ويوضح الضابط، الذي طلب عدم ذكر اسمه، نظراً لمنع الجهات الرسمية في وزارة الداخلية التحدث مع وسائل الإعلام من دون أخذ إذن مسبق، وفق قوله، أن “المنطقة المنكوبة، وهي الشارع الثالث في حيّ الموصل الجديدة، الواقع ما بين مستشفى الرحمة وجامع فتحي العلي، تعدّ من المناطق التي تتميز ببيوتها الكبيرة، وتسكنها طبقة ميسورة”. ومستعيداً شريط الأحداث، يروي أنه “بعد وصول القوات العراقية إلى جامع الأغاوات القريب، انسحب عناصر داعش إلى هذه المنطقة، وكان فيها ما لا يقل عن 35 عائلة، جميع أفرادها قتلوا”، مؤكداً أن الضربة الجوية لم تكن واحدة، بل جرى قصف المنطقة مرّات عدة بواسطة طائرات التحالف، لكن أعنفها حصل في 17 مارس، وهو اليوم الذي قتل فيه أغلب الضحايا”. ويختم المصدر بأن “الصواريخ كانت أكبر من حجم الهدف، وهذه على كلّ حال سمعة معركة الموصل على امتدادها”.
بدوره، يؤكد النائب العراقي عن محافظة نينوى، عبد الرحيم الشمري، وهو أحد نواب البرلمان الذين تفقدوا مكان وقوع المجزرة بعد يوم واحد من حصولها، أن “المئات من الأهالي قضوا فيها بشكل مروع”. ويروي الشمري، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه وصل إلى المكان و”كان الموجودون هناك عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب، وفهمتُ أن معلومات خاطئة قدّمتها القوات العراقية للأميركيين، تسببت في هذه المجزرة المروعة”، مذّكراً بأن “لا الحكومة قدمت تعويضات، ولا الأميركيون اعتذروا عن المجزرة”.
وفي هذا الإطار، يلفت عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، علي البياتي، إلى مطالبة المفوضية من حكومة عادل عبد المهدي التحرك تجاه “التحالف الدولي” لدفعه لتقديم تعويضات والاعتذار عن قصف المدنيين بالخطأ، غير أن تلك الحكومة “لم تتجاوب مع الملف”. ويضيف البياتي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه “تمّت أيضاً مخاطبة التحالف الدولي من قبل المفوضية حول القضية، لكنها لم تتلق أي ردّ منهم”، مشيراً إلى أن “التحالف ينشر أعداد ضحايا مدنيين يقتلون بالغارات أقل من العدد الحقيقي، ولو كانت هناك مطالبات جدّية من قبل الحكومة العراقية، لجرى تعويض الضحايا والمتضررين من قصف التحالف”.
“إبادة” في 3 أيام
ويروي أبو محمد السنجري (51 عاماً)، وهو قريب عائلة قضى جميع أفرادها في مجزرة الموصل الجديدة، أن أكثر من 30 عائلة في المنطقة “انقطع أثرها جرّاء المجزرة، حيث لم يبق منها أحد”، مؤكداً هو الآخر أن الاستهداف حصل عبر غارات جوية عدة، وعنيفة، وليس غارة واحدة، وهي جميعها نُفّذت في أقل من يومين، ما حال دون إمكانية وصول أي أحد إلى هذا الشارع”. كما أكد أن أقوى الهجمات الجوية نفذت عصر 17 مارس الذي صادف يوم خميس”.

تعرض الشارع لأكثر من ضربة جوية، رغم تواصل سكان مع جهاز مكافحة الإرهاب وإبلاغه بوجود مدنيين

ومقدماً تفاصيل دقيقة حول هوية بعض الضحايا، يروي السنجري أنه “تمّ قصف بيت الحاج رمضان خليل إبراهيم، المعروف في المنطقة برمّو، تحبباً كما هي عادة أهل الموصل، حيث قتل هو وزوجته وأبناؤه وأحفاده جميعاً، ولحقت ذلك ضربة أخرى استهدفت منزل تيسير توفيق الأغا، وهو منزل كبير وفخم كان يحتوي على ملجأ تحت الأرض، انتقل إليه للاحتماء جميع الجيران، وبعضهم للحصول على طعام، بعدما أصابهم الجوع، لكن المنزل تمّ قصفه، وقضى فيه عدد كبير من العوائل”. وبحسب قوله، فإن مجموع القتلى في منزل الأغا، بلغ 157 فرداً بين أطفال ونساء ورجال، متحدثاً عن انتشال 67 من الضحايا “أشلاء، ولم يتم التعرف على هوياتهم، ودفنوا بشكل مختلط بعد استخراجهم”.
وحول سبب التضارب في أعداد الضحايا، يشرح السنجري أن “الشارع تعرّض لأكثر من ثلاث غارات جوية عنيفة، آخرها يوم 17 مارس، حيث نفذت الضربة الأعنف التي أتت على ثلاثة منازل بمن فيها”، لافتاً إلى أن هناك جهات تحتسب ضحايا يوم 17 مارس فقط، وهناك من يجمع الضربات الأخرى على المنازل الأخرى في الشارع ذاته، حيث يصل المجموع فعلاً إلى أكثر من 500 ضحية، اعتماداً على الجثث التي استخرجت من هذا الشارع”.
وتتطابق رواية السنجري مع روايتي مدنيين اثنين آخرين من سكّان الحي ذاته، هما مخلد محمد وزياد فاضل الحمداني. ويؤكد محمد (36 عاماً) تعرّض الشارع لأكثر من ضربة جوية، على الرغم من التواصل مع جهاز مكافحة الإرهاب، وإبلاغه بوجود مدنيين، شارحاً سبب تكدس هذا العدد الكبير من المدنيين في الشارع، بأن قسماً غير قليل منهم، ومن الضحايا، لم يكونوا من سُكّانه، بل كانوا يقطنون في شوارع مجاورة، وبعضهم من أقرباء العائلات التي كانت تعيش فيه”. ويلفت إلى أن “المنطقة كانت محصورة بين أسر موصلية عدة، قامت بالتجمع مع بدء القصف في مكان واحد، أي الأشقاء والشقيقات والأعمام والأخوال…، فضلاً عن أن تنظيم داعش اقتاد معه عائلات بالقوة من مناطق خسرها وأودعهم في هذا الشارع تحديداً، ما أوصل إلى أن يقضي مئات الضحايا في ثلاث أو أربع غارات للتحالف نفذت بين ليل 15 ونهاري 16 و17 مارس في الشارع الثالث من الموصل الجديدة، ومحيطه”.

عثمان المختار

العربي الجديد