الجزائر تجازف بعلاقاتها مع روسيا: مستعدون لضخ كميات إضافية من الغاز إلى أوروبا

الجزائر تجازف بعلاقاتها مع روسيا: مستعدون لضخ كميات إضافية من الغاز إلى أوروبا


يعكس البيان الذي أصدرته شركة سوناطراك الجزائرية، لتوضيح التصريح المنقول عن مديرها العام، حول إمكانية ضخ بلاده لكميات إضافية من الغاز إلى أوروبا، إذا تراجعت الإمدادات الروسية، حساسية الموقف الرسمي في الجزائر، من التأويلات التي فسرت تصريحات متواترة حول المسألة، فهي إذ تعمل على استغلال الأزمة الأوكرانية تجاريا لتحقيق عائدات إضافية للخزينة العمومية، لا تريد المجازفة بموقف سياسي قد يكلفها كثيرا من طرف شريكها التاريخي.

الجزائر – نفت شركة سوناطراك النفطية الحكومية، المحتكرة للقطاع الطاقي في الجزائر، أن يكون الرئيس المدير العام توفيق حكار، قد أدلى بالتصريحات التي تصدرت صحيفة “ليبرتي” المحلية الناطقة باللغة الفرنسية، وأن ما ورد في الحوار المنشور في عددها الصادر الأحد، هو “تأويل خاطئ من الصحيفة”.

ويبدو أن الحسابات السياسية والدبلوماسية، دخلت على خط التصريح، لتفادي أي تأويل له من طرف القيادة الروسية في موسكو، على اعتبار أن التسويق المستنبط من تصريحات مسؤولين جزائريين حول العمل على تعويض النقص الذي قد تخلفه الإمدادات الغازية الروسية إلى أوروبا، يعتبر مساسا غير مسبوق بما يوصف بـ”العلاقات التاريخية بين الجزائر وروسيا”، وقد يكلف الموقف الجزائر كثيرا، إذا سارت في نهج الاستغلال التجاري للأزمة على حساب القواسم السياسية بين البلدين.

وكان توفيق حكار أكد استعداد الشركة لضخ كميات إضافية من الغاز الجزائري في السوق الأوروبية، لتلبية الحاجيات المتصاعدة نتيجة الأزمة الأوكرانية وإمكانية تقلص الإمدادات الروسية لأوروبا.

تصريح حكار متماه مع ما قاله تبون بشأن استعداد الجزائر لضخ كميات إضافية من الغاز لتلبية طلب الأوروبيين

وجاء تصريح حكار ليؤكد ما أدلى به الرئيس عبدالمجيد تبون، بمناسبة احتفالية تأميم قطاع المحروقات في الرابع والعشرين من فبراير 1971، والذي تضمن استعداد الجزائر لضخ كميات إضافية من الغاز لتلبية طلب الأوروبيين، وهو ما يوحي بوجود إجماع داخل القرار السياسي في البلاد، على استغلال فرصة الأزمة الأوكرانية لتحقيق عائدات إضافية لخزينة الدولة.

غير أن هذا التوجه سيكلف البلاد رد فعل غير محسوب من طرف الروس، الذين يدرجون الجزائر في خانة الشركاء الاستراتجيين في المنطقة، وأن هذا الموقف يعمل على تقويض أهم ورقة في يد الروس داخل الأزمة المتفاقمة مع الأوروبيين بسبب أوكرانيا، لأنه متى تمكنت أوروبا من تأمين حاجياتها الطاقية والغازية تحديدا تحقّق نصرا استراتيجيا على موسكو.

ولا يستبعد في هذا السياق، أن تكون الجزائر قد تعرضت لضغوط غربية من أجل رفع كميات إنتاجها من الغاز، حيث سبق للحكومة الأميركية أن فتحت قنوات اتصال مع شركات غربية عاملة في الجزائر، وطلبت منها العمل على مضاعفة الإنتاج والتصدير، وهو ما اعتبر تجاوزا للأعراف الدبلوماسية كون الاتصال لم يمر عبر الحكومة الجزائرية، الأمر الذي يعتبر مؤشرا على استعداد الغرب بقيادة الولايات المتحدة، توظيف كل وسائل الضغط حتى ولو كانت على حساب سيادة الدول على ثرواتها الباطنية.

وذكر حكار، لصحيفة “ليبرتي” المحلية الناطقة بالفرنسية، بأن بلاده “مستعدة لتزويد أوروبا بكميات إضافية من الغاز عبر أنبوب الغاز الرابط بين الجزائر وإيطاليا، في حال تقلصت الصادرات الروسية بسبب الحرب في أوكرانيا، وأن سوناطراك ممون غاز موثوق بالنسبة إلى السوق الأوروبية وهي مستعدة لدعم شركائها على المدى البعيد في حال تأزم الوضع”.

وتماهى تصريح حكار مع ما جاء على لسان تبون، الذي أبدى تفاخرا بـ”الإنجازات التي حققتها بلاده في مجال الطاقة”، وأشار إلى تمكن الشركة من رفع القدرات الإنتاجية للنفط بـ14 في المئة وبـ23 في المئة بالنسبة إلى الغاز خلال العام المنقضي، في حين تفيد بيانات أخرى أن الجزائر لا زالت متأخرة حتى عن سقف الإنتاج الذي منحتها إياه منظمة الأوبيك (980 ألف برميل يوميا).

ولا زالت الجزائر تلتزم الصمت تجاه الأزمة الأوكرانية، ولم يصدر عنها أي موقف سياسي إلى حدّ الآن، حيث اكتفت وزارة الخارجية ببيانات مقتضبة تتحدث عن وضع الجالية الجزائرية في أوكرانيا، في حين تلافت أي إشارة إلى البعد السياسي للأزمة، وهو ما يوحي إلى أنها لا تريد التسرع بأي موقف قد يغضب شريكها التاريخي (روسيا).

توجهات شركة سوناطراك توحي إلى حذف أي إمكانية للعودة إلى الضخ عبر الأنبوب المغاربي، رغم فرضيات اللجوء إليه مجددا تحت ضغط الحكومات الأوروبية

ولفت توفيق حكار، إلى أن “توافر كميات إضافية من الغاز الطبيعي أو الغاز المسال مرتبط بتلبية الطلب في السوق الوطنية والالتزامات التعاقدية مع الشركاء الأجانب، وأن سوناطراك تتوفر على قدرات تصدير غير مستغلة عبر أنبوب ترانسميد، الرابط بين الجزائر وإيطاليا مرورا بتونس، والذي يمكن أن يُستغل في زيادة الكميات نحو أوروبا”.

ويبدو أن الجزائر التي وجدت نفسها في حرج أمام شركاء تقليديين كإسبانيا والبرتغال خلال الأشهر الماضية بعد قرارها السياسي بوقف تموينها بالأنبوب المغاربي المار عبر المغرب، بسبب الأزمة السياسية القائمة بينهما، تريد تعويض ذلك بقدرات إضافية تتوفر في أنبوب “ترانسميد”، الواصل إلى إيطاليا مرورا بتونس، والذي يضخ نحو 32 مليار متر مكعب سنويا، أي أربع مرات حجم أنبوب الذي يزود إسبانيا حاليا.

وتوحي توجهات شركة سوناطراك، إلى حذف أي إمكانية للعودة إلى الضخ عبر الأنبوب المغاربي، رغم فرضيات اللجوء إليه مجددا تحت ضغط الحكومات الأوروبية، الباحثة عن تأمين حاجياتها الغازية بأقل التكاليف، لاسيما وأن الأنبوب المذكور بإمكانه توفير كميات إضافية دون الحاجة إلى تكاليف نقل إضافي لجزء معتبر من القارة الأوروبية.

ولفت حكار إلى أن “الغاز الجزائري يمكن أن يصل إلى دول ليست مربوطة بأنبوبي الغاز، من خلال الغاز المسال المنقول في سفن، وأن أوروبا هي السوق الطبيعية والمفضلة بالنسبة إلى الجزائر التي تساهم حاليا بـ11 في المئة من احتياجات أوروبا إلى الغاز”.

العرب