ماكرون فاز بعهدة رئاسية جديدة ولوبان تصعد باليمين المتطرف

ماكرون فاز بعهدة رئاسية جديدة ولوبان تصعد باليمين المتطرف

حقق الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون فوزا في اقتراع الأحد ضد منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان، لكن هذا الفوز لا يبدد الغموض إزاء مستقبل فرنسا السياسي في المرحلة المقبلة، فبعد 7 أسابيع ستشهد انتخابات برلمانية سيقود فشل ماكرون في حصد أغلبية فيها إلى خلط الأوراق من جديد وذلك وسط صعود قوي لليمين المتطرف جسدته النتائج التي تحصلت لوبان عليها.

باريس – تمكن إيمانويل ماكرون من الانتصار في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت الأحد، لكن الفوز كان بطعم الهزيمة بعد حصد منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان أصواتا تبعث بمؤشرات مقلقة بشأن تأثيرها على مستقبل فرنسا وسياساتها الداخلية والخارجية.

وحصل ماكرون على أكثر من 58 في المئة من الأصوات مقابل نحو 42 في المئة للوبان.

وأقر ماكرون بعدم رضاه على الولاية الأولى التي قضاها في الإليزيه منذ العام 2017، متعهدا بالتغيير خلال الولاية الرئاسية الثانية التي ستكون حبلى بالتحديات لاسيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

لم يخف ماكرون الذي يُدرك أن التحدي الأصعب أمامه يتمثل في الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها في يونيو المقبل أنه ما كان ليفوز لو لم يكن الخصم هو لوبان.

ويواجه الرئيس الفرنسي حسابات معقدة حيث قد تتسبب نذر الغليان الشعبي في خلط أوراقه، لاسيما المتعلقة بإصلاح نظام معاشات التقاعد الذي يواجه رفضا واسعا حيث حذر فيليب مارتينيز رئيس الاتحاد العام للعمال (سي.جي.تي) المدعوم من الاشتراكيين، ماكرون من أنه لن ينعم “بشهر عسل” وحري به أن يتوقع مظاهرات إذا لم يتراجع بالكامل.

وحتى مع إظهار نتائج استطلاعات رأي الناخبين لدى خروجهم من مراكز الاقتراع فوزه، فقد أقر ماكرون في خطابه بأن الكثيرين صوتوا لصالحه فقط لإزاحة لوبان وتعهد بأن يضع في اعتباره شعور كثير من الفرنسيين بتراجع مستوياتهم المعيشية.

وقال “كثيرون في هذا البلد صوتوا لي ليس لأنهم يدعمون أفكاري ولكن لإبعاد أفكار اليمين المتطرف. أريد أن أشكرهم وأعلم أنني مدين لهم بدين في السنوات المقبلة”.

وأضاف، في رسالة نشرها العديد من الوزراء خلال لقاءات مع القنوات التلفزيونية الفرنسية “لن نتجاهل مطالب أي أحد في فرنسا”.

وقالت فيرجيني (51 عاما)، وهي موظفة مبيعات عبر الإنترنت، أثناء وجودها في تجمع مؤيد لماكرون “يجب أن يكون أقرب إلى الناس وأن يستمع إليهم”، مضيفة أنه بحاجة إلى أن يُبعد عن نفسه سمعة الغطرسة وأن يكون أسلوبه في القيادة أكثر مرونة.

وكانت لوبان على بعد نقاط قليلة من ماكرون خلال استطلاعات الرأي، وسرعان ما أقرت بهزيمتها في الانتخابات الرئاسية لكنها تعهدت بمواصلة الكفاح السياسي في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية في يونيو.

وليس من المتوقع أن تكون أمام ماكرون فترة سماح، حتى ولو قصيرة، بعد أن صوّت كثيرون، وخصوصا من اليسار، له على مضض فقط لمنع اليمين المتطرف من الفوز. وربما تندلع مرة أخرى وبسرعة كبيرة الاحتجاجات التي شابت جزءا من فترته الرئاسية الأولى بينما يحاول المضي قدما في الإصلاحات المؤيدة للشركات.

وقال وزير الصحة أوليفييه فيرون لقناة بي.إف.إم التلفزيونية “لن نفسد الانتصار، لكن حزب لوبان سجل أعلى نتيجة له على الإطلاق”.

وأضاف “سيكون هناك استمرار لسياسة الحكومة لأن الرئيس انتُخب لفترة جديدة، لكننا سمعنا أيضا رسالة الشعب الفرنسي”، متعهدا بالتغيير.

ماكرون يواجه حسابات معقدة حيث قد تتسبب نذر الغليان الشعبي في خلط أوراقه، لاسيما المتعلقة بإصلاح نظام معاشات التقاعد الذي يواجه رفضا واسعا

وستتأثر طبيعة فترة ماكرون الرئاسية الثانية بمدى قوة نتائج الانتخابات البرلمانية في يونيو. وقالت لوبان إنها تسعى لإيجاد كتلة قوية موحدة في البرلمان، بينما قال جان لوك ميلينشون اليساري المتشدد إنه يريد أن يكون رئيس الوزراء، وهو أمر من شأنه أن يجبر ماكرون على “تعايش” محرج يشوبه ركود سياسي.

وقال فيليب لاجرو (63 عاما) المدير الفني لمسرح في باريس الاثنين إنه صوت لصالح ماكرون بعد التصويت لميلينشون في الجولة الأولى. وأضاف أنه سيصوت لصالح ميلينشون مرة أخرى في يونيو.

وتابع “ميلينشون رئيس للوزراء. سيكون ذلك ممتعا. سيكون ماكرون مستاء، لكن هذا هو بيت القصيد”.

وخارج فرنسا، أشاد حلفاء سياسيون على الفور بانتصار ماكرون الوسطي والمؤيد للاتحاد الأوروبي باعتباره إرجاء للسياسة السائدة التي هزها في السنوات الماضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب عام 2016 وصعود جيل جديد من قادة الأحزاب القومية.

وكتب شارل ميشيل رئيس المجلس الأوروبي على تويتر “حسنا إيمانويل… في هذه الفترة المضطربة، نحن بحاجة إلى أوروبا قوية وفرنسا ملتزمة تماما باتحاد أوروبي أكثر سيادة واستراتيجية”.

وهنّأ الرئيس الأميركي جو بايدن نظيره الفرنسي بإعادة انتخابه، واصفا فرنسا بأنها “شريك رئيسي في مواجهة التحديّات العالميّة”. وكتب بايدن على تويتر “أتطلّع إلى استمرار تعاوننا الوثيق، بما في ذلك دعم أوكرانيا والدفاع عن الديمقراطيّة ومواجهة تغيّر المناخ”.

صعود اليمين المتطرف
تشير الأصوات التي حصلت عليها لوبان في اقتراع الأحد إلى أن اليمين المتطرف يتقدم بثبات في فرنسا وهو ما يثير قلقا حول تأثير ذلك على مستقبل البلد وسياساته.

وقبل عقود خلت كان اليمين المتطرف منبوذا في فرنسا، لكن مع حصول لوبان على 42 في المئة من الأصوات أو ما يعادل نحو 14 مليون صوت، فذلك يشكل قوة تصويتية كبيرة.

وإذا تمكنت لوبان من الحفاظ على هذه القاعدة التصويتية في الانتخابات البرلمانية المقبلة، فإن ذلك يرشحها للمشاركة في تشكيل حكومة ائتلافية، إذا أخفق حزب ماكرون “الجمهورية إلى الأمام” في الحصول على 50 في المئة من الأصوات.

وهذه المرة الأولى في تاريخ اليمين المتطرف الذي يحصل فيها على نسبة تجاوزت 40 في المئة، بعدما حقق في رئاسيات 2017 نسبة 33.9 في المئة.

اقرأ أيضا: ماذا ينتظر فرنسا بعد نهاية السباق إلى الإليزيه؟

ولم يسبق أن صوّت لليمين المتطرف نحو 14 مليون مقترع في أي انتخابات سابقة.

حيث تم تسجيل أعلى معدل تصويت له في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2017، وحصلت فيها لوبان على أقل من 11 مليون صوت، واعتبر هذا الرقم حينها تاريخيا، قبل أن تكسره لوبان في 2022.

لذلك فالمعركة الانتخابية لم تنته بعد بانهزام اليمين المتطرف، بل مازالت جولة ثالثة للنزال السياسي، عندما تجرى الانتخابات البرلمانية في يونيو المقبل، بعد نحو 7 أسابيع.

وإذا تمكنت لوبان من المشاركة في حكومة ائتلافية، فمن شأن ذلك أن يقود فرنسا إلى المزيد من التطرف في ملف الهجرة، وفتح ملفات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، والاختلاف بشأن الحرب الروسية – الأوكرانية.

فدخول اليمين المتطرف إلى الحكومة من شأنه أن يُقحم فرنسا في مرحلة عدم استقرار سياسي، ويؤثر على علاقاتها بشركائها (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، ناتو)، ويضيق أكثر على المهاجرين والمسلمين.

وتشكيل حكومة ائتلافية يكون اليمين المتطرف أحد أطرافها من شأنه فتح أبواب الخلاف مع الرئيس ماكرون، الذي مرت ولايته الرئاسية الأولى في هدوء دون صدام مع الحكومة، خاصة وأن فرنسا تتبنى نظاما شبه رئاسي يتقاسم فيه رئيس البلاد ورئيس الحكومة السلطة التنفيذية.

العرب